قمنا بالواجب .... فما واجب المغتربين ( جريدة الجمهورية 1980)
في السنوات الأخيرة بذلت حكومة العراق جهوداً ملحوظة ونشاطاً واسعاً تجاه قضايا المغتربين العرب على اختلاف اتجاهاتهم ومستوياتهم وكفاءاتهم. وكان المبدأ الأساس هو مد الجسور اليهم لتكون طريق عبور وعودة، وآصرة ود ومحبة، ورابطة واجب وتقوية جذور الانتماء، وهكذا وجهت اليهم الدعوات وسافرت وفود متنوعة إلى بلاد الغرب (وهي أمريكا في الدرجة الأولى باعتبارها صاحبة اكبر رصيد من مغتربي الوطن العربي أجمع)، والتقت بشخصياتهم ومفكريهم وأولي الشأن بينهم، ثم أرسلت اليهم الفرق الفنية والترفيهية والثقافية والفكرية، ثم أقامت لهم المناسبات العلمية لحضور مؤتمرات قطرية علمية وثقافية وسياسية، ثم دعتهم للسياحة والمشاهدة، ثم فتحت لهم ذراعيها واعادت إلى ذاكرتهم تاريخ أمجادهم وتراثهم وما وصلت اليه الثورة من تطور ومن إصلاح وبناء وتنمية، ولم تمارس الثورة ضغطاً على المغتربين ولم تحرجهم أو تجرح مشاعرهم، بل أنها رحبت بهم كأبناء ابرار وسفراء غير رسميين وضيوف اعزاء مدللين مما ترك فيهم آثاراً نفسية ومعنوية أعمق بكثير مما لو قالت لهم إفعلوا كذا وان واجبكم كذا .. فما لا يقال أبلغ كثيراً مما يقال احياناً ...
وهكذا اجتمعنا قبل حوالي السنتين بأطباء عراقيين مغتربين زملاء لنا درسنا معهم ثم تركونا ليعيشوا في امريكا وكان من دواعي اعتزازنا أنهم برزوا واحتلوا مراتب وامكانات علمية مرموقة أثبتت كفاءة وقدرة العقل العربي على الابداع اينما كان. لكنني وكثير غيري من الساكنين الملتزمين المرابطين هنا بملء اختيارنا في عقر وطننا اعترفنا فيما بيننا أن احلاماً وامنيات راودتنا وأفكاراً عاجلة داعبتنا هي مزيج من ألم خفيف وأمل مريح او من خيبة عابرة وثقة مبشرة عندما بدأ إخواننا المغتربون بالتهيؤ للرجوع إلى الوطن الثاني، حينئذ قلنا وتهامسنا مثلاً أن الانشداد إلى الوطن الام لا يمكن ان يتم بمجرد الإشادة والتغني بمحبته ومعزته، ولا حتى بالزيارة القصيرة العذبة (المدللة) السريعة الزوال، ولا حتى بتأسيس الجمعيات العربية المختلفة أو إصدار المجلات والجرائد فيها، بل أن هنالك ديناً أكبر وأثقل يمكن أن يؤدوه وهو تقديم الخبرات التي اكتسبوها في مهجرهم ونقلها إلى وطنهم الاصيل. ولا يمكن ان يتم ذلك إلا بأن يخدموا فترة معينة في وطنهم العربي كضيوف وخبراء في الاقل وبذلك يحدون من الخسارة التقنية والفكرية وينقصون من غزارة النزف الفكري الذي نعانيه كلما هاجر فرد عربي، ولقد صنعت الصين قنبلتها الذرية من قبل خبراء صينيين عاشوا فترة معينة في أمريكا كمهاجرين وكانت هجرتهم المحدودة أو الموقوتة ذات مردود وطني قومي أحدث صدى دولياً بعيد الأثر وعميق المغزى. إن مسألة هجرة الادمغة أصبحت مشكلة عالمية واحد الاضرار المحدقة بشعوب كثيرة تحتاج إلى تدخل العدالة الدولية –أي من واجبات هيئة الامم المتحدة- التي تحتم عليها التدخل السريع ووضع الحلول لها .. إذ أنها كالمشاكل الصحية والاقتصادية والغذائية والثقافية، بل هي مرتبطة بها جميعاً.
والحفاظ على تراث الامم وآثارها وصحة مواطنيها وحقها في الغذاء والثقافة والتنمية يشتمل على الحفاظ على ثروتها الفكرية ايضاً. لقد راودتني هذه الفكرة ووجدت مثيلاً لها او ما يقاربها لدى احد علماء الاقتصاد الذي عالجها من زاوية اقتصادية ايضاً وعامل الفكر كرصيد اقتصادي. والعالم الاقتصادي المقصود هو هندي الاصل (ومغترب في الولايات المتحدة حالياً) اسمه (باديش باكواني) ويشغل منصب استاذ الاقتصاد في المعهد التكنولوجي لولاية (ماساشويست) ويقترح باكواني فرض ضريبة على النزف الفكري او تصدير الخبرات من العالم النامي إلى العالم المتقدم. فقد وجد بعد تجربة 14 سنة من العمل في الهند وعضوية 25 منظمة إقتصادية عالمية أن نظريته تستوجب الدراسة من قبل هيئة الامم المتحدة لأن آلاف الخبراء المهاجرين يجب أن يردوا الجميل ويفوا التزاماتهم الطبيعية الشرعية لأنها ثمن التربية (والتربة) والاصالة. ويقترح اسلوباً اقتصادياً طريفاً وواقعياً للإستفادة من المغتربين ربما يناسب دولاً فقيرة كالهند والباكستان ومصر، ولكنه يناسب جميع الدول النامية بالحقيقة وهو: أن تكون ضريبة الدخل المفروضة على المغترب وتتسلمها منه الدولة الثانية –أي دولة المهجر- هذه الضريبة يجب أن تكون من نصيب وطنه الاول تتولى جمعها منهم هيئة الامم المتحدة ومن ثم ترسلها وتوزعها إلى (الدول الأمهات).
وقد قدر ما يمكن جمعه عن هذا الطريق ببليون دولار في السنة، ولا نستغرب من هذا الرقم اذا علمنا ان احصاء في عام 1976 كشف عن ان عدد المهاجرين إلى امريكا وكندا وبريطانيا وغربي اوربا بلغ 420 الف مواطن جاءوا من الدول النامية خلال 15 سنة وكان 60% منهم اطباء و 40% مهندسين وعلماء او ما يعادل بالارقام الصرفة الحقيقية 161 الفاً من الاطباء والجراحين و 100 الف مهندس وعالم و 123 الف فني وعامل غادروا البلدان النامية ما بين الاعوام 61-76 إلى امريكا وانكلترا وكندا. وقد احصي في عام 1972 أن مقدار الزيادة في عدد الاطباء المهاجرين إلى الولايات المتحدة وصلت إلى 51% من رصيد المهاجرين إليها سابقاً. مما تقدم يتبادر السؤال الملح: هل أن الدول المتقدمة معفاة أو براء من ضريبة التعويض عن تسلم واستخدام اولئك الخبراء؟ والجواب كلا! بالطبع لأن الحساب الاقتصادي الذي يزن قيمة المهاجر و معه رصيده التاريخي الثقافي وقوته العاملة للبلد المتقدم يقدر بقيمة المغتربين للفترة من 61 إلى 72 بـ(46) بليون دولار وهو مبلغ يعادل ميزانية المساعدات الخارجية للدول النامية والمتخلفة. إذن، فالتعويض الدولي الذي يمكن أن يصبح رسمياً وعالمياً هو تحويل ضرائب المغتربين إلى مواطنهم الاصلية، اما الخدمة المحدودة بفترة مغبرة فانها ستكون جامعة لأهداف انسانية متعددة هي الزيارة والسياحة، والوفاء بالدين والجميل، وتعميم الفوائد العلمية التي لا يمكن أن تحتكرها دول متقدمة معينة تستنزف الطاقة البشرية في العالم وتركزها في بقعة خاصة من المعمورة تاركة الدول المتخلفة غارقة في تخلفها.
ومن الضروري التأكيد على أن المساعي والخطط الحميدة لكسب المغتربين بالطرق المؤدية والاستناد إلى روابط الدم والاصالة والمروءة العربية التي اخطتها قيادة الحزب والثورة لابد من أن تستمر دون النظر إلى مكسب غير المكسب المعنوي وتعزيز الشعور بالانتماء وتجنيد الغربى في كل انحاء العالم للدفاع عن أمته العربية بالوسيلة التي يراها مناسبة له وبحدود قدرته ومحض ارادته وهنا تكمن قوة الجذب إلى الوطن ....