مناكفات لغوية مع الحريرى (بين تلميذ صغير وعملاق كبير)


جزء من أحد فصول كتابى: "تاريخ الأدب العربى - العصر العباسى) ومن كتب الحريرى، كما ذكرنا، كتاب "درة الغوّاص فى أوهام الخواصّ"، وهو فى تصحيح انحرافات الكتاب والشعراء عما ينبغى مراعاته فى اللفظ أو الاشتقاق أو التركيب أو التصوير البلاغى قياسا على ما كانت العرب تقوله أو تسكت عنه فلا تستعمله. وقد احتوى الكتاب على عشرات التصويبات. وهو من الكتب الرائدة فى مجاله، ويدل على اتساع معرفة الحريرى باللغة وعمقها، فهو يعلل التصويب والتخطئة اعتمادا على ما جاء فى نصوص القرآن والحديث والشعر وما إلى ذلك. كما أن كثرة الشواهد التى يسوقها برهان على كثرة محفوظه ومقدرته على وضع الشاهد موضعه. والكتاب من ناحية أخرى دليل على حب الرجل للغته وحرصه على الحفاظ عليها ناصعة مستقيمة لا أَمْتَ فيها ولا عِوَج. وأسلوب الكتاب مسترسل ليس فيه سجع ولا جناس ولا محسنات بديعية. إن المؤلف مشغول بأفكاره وعرضها والبحث عن الحقيقة المتعلقة بصحة الاستعمالات التى يناقش صحتها أو خطأها، ومن ثم فليس هناك وقت لتضييعه فى التزاويق اللغوية والبديعية والإتيان بالصورالبلاغية المدهشة، إذ لا مجال للعواطف ولا للخيالات بل لتقرير الأفكار والآراء المحضة فحسب، وإن كانت مقدمة الكتاب القصيرة تتحلى بمختلف المحسنات البلاغية حيث يجد المؤلف فرصة للاستعراض البلاغى والبديعى بعيدا عن مناقشة الأفكار اللغوية المجردة. والكتاب مملوء بالملاحظات اللغوية العميقة والدقيقة، والتنبيهات المفيدة على كثير من الأخطاء الشائعة آنذاك: من ذلك مثلا ملاحظته عدم تفرقة الكثيرين من الكتاب بين قولنا: "بكم ثوبُك مصبوغًا؟" وقولنا: "بكم ثوبُك مصبوغٌ؟" حيث تعنى الأولى الاستفسار عن ثمن الثوب بعد صبغه، على حين يقصد بالتركيب الأخير الاستفسار عن الثمن الذى دفعه صاحب الثوب فى عملية الصبغ. ولا ريب فى دقة هذه الملاحظة. ومثلها خطأ من يحولون عبارة "صباحَ مساءَ" من البناء على فتح الجزءين بمعنى الاستمرار صباحا ومساء دون توقف، إلى إضافة اللفظة الأولى للثانية على النحو التالى: "صباحَ مساءٍ" ليكون المقصود أن الأمر وقع صباح أحد الأمساء مما لا يدل على شىء مما يريد المتكلم. ومثل ذلك أيضا عدم تمييز بعض الكتاب بين اسم المرة (بفتح فاء الكلمة) واسم الهيئة (بكسرها) واسم القلة (بضمها)، وكذلك عدم التفريق بين استعمال "نَعَمْ" ردا على سؤال مثبت، واستعمال "بَلَى" فى الرد بالإيجاب على سؤال منفى... وهكذا. إلا أن هناك نقطة هامة تتصل بهذا الموضوع لا بد من تجليتها، ألا وهى أنه فى الوقت الذى نجد فيه تصويب استعمال لغوى ما سهلا، إذ يكفى أن ترى عدة شواهد على ذلك الاستعمال حتى تحكم عليه بالصواب، نجد على العكس من ذلك أن التخطئة صعبة لأنها تستلزم الإحاطة باللغة حتى يمكن المخطئ أن يقول عن بينة إن العرب لم تستعمل ذلك الاستعمال البتة، فضلا عن عمق معرفة اللغة وقواعدها حتى يستطيع أن يجزم بأنه لا يتسق مع تلك القواعد بأية حال. ومن هنا نرى أن كثيرا من التخطئات اللغوية ينقصها التروى والتعمق، فتجىء نيئة فاسدة. وليس الحريرى، على جلالة فضله وعلمه، بالذى يشذ عن هذا. فقد ألفيت له عدة تصويبات لا تقوم على أساس، أو لا تقوم على أساس متين. وها هى ذى بعضها. فمما جاء فى "درة الغواص" ويحتاج إلى المراجعة قول الحريرى: "ويقولون: فلان يستأهل الإكرام، وهو مستأهل للإنعام. ولم تُسْمَع هاتان اللفظتان في كلام العرب ولا صُوِّب التلفظ بهما من أحد أعلام الأدب. ووجه الكلام أن يقال: فلان يستحق التكرمة، وهو أهل لإسداء المكرمة. فأما قول الشاعر : لا بل كُلِي يا مَيُّ واستاهلي إن الذي أنفقتِ من مالِـَيْه فإنه عنى بلفظة "استاهلي" أي اتخذي الإهالة، وهي ما يُؤْتَدَم به من السمن والوَدَك. وفي أمثال العرب: استاهلي إهالتي، وأحسني إيالتي. أي خذي صفو طعمتي، وأحسني القيام بخدمتي". ولست مع الحريرى فى هذا التضييق المجافى لسماحة اللغة. ذلك أننا الآن لم نعد نستخدم كلمة "الإهالة" بل لم يعد يعرف معناها إلا القليلون جدا منا ممن لهم صلة وشيجة بالأدب القديم. لكننا نعرف ونستخدم كلمة "أَهْل"، التى يمكن اشتقاق صيغة "استفعل" منها لتعنى "الاستحقاق والتأهل". وليس فى هذا أدنى خروج على مواضعات العربية، وهى لغة سمحة شأنها شأن الدين العظيم الذى حملت كتابه حملا كريما. والحياة لا تنقصها الصعوبة والعنت حتى نعمل على زيادة نصيبها منهما. وأما قوله: "ولم تسمع هاتان اللفظتان في كلام العرب ولا صوب التلفظ بهما من أحد أعلام الأدب" فليس صوابا، فقد وجدت بعضا من كبار أئمة الأدب يستعملون هذا اللفظ. فابن الرومى يقول لأحد ممدوحيه: حَرَّمَ مَدْحِي عليك أَنكَ تَسْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــتَأْهِلُ مَا لاَ تُطِيقُه المِدَحُ ويقول الشريف العقيلى لعاذله: اُنْظُر إِلَيْهِ وَالْحَنِي بَعْدَها إِن كُنتُ أَسْتَأهِلُ يا شَرَّ لاحِ ويقول ابن نباتة السعدى: ما استحقَّ الفِراقَ نَجْدٌ فيُشْتا قَ ولا اسْتأْهَلَ الحِمَى أَنْ يُمَلَّا ويقول الشاب الظريف فاتحا أبواب الأمل فى رحمة الله يوم الدين أمام كل من يحب الرسول عليه السلام: كَيْفَ تَسْتأهِلُ نَارًا مُهْجَةٌ تَهْوَى مُحَمَّدْ؟ وفى "البيان والتبيين" للجاحظ: " فقال: أما يَرْضَى أنِّي حقَنْتُ دمَه وقد استوجبَ إراقَته، ووفَّرت ماله وقد استحقَّ تلفَهُ، وأقررته وقد استأهل الطَّرْد، وقرَّبته وقد استجزى البعد؟". وفى "تعليق من أمالى ابن دريد": "تقدمتُ إليك يا إله الذنوب، فامنن عليَّ بما لا أستاهل، وأعطني ما لا أستحق بطَوْلك وفَضْلك وجُودِك". وفى ترجمة أبى العتاهية بكتاب "الأغانى": "قال: ويلك! هذا معنى سوء يرويه عنك الناس، وأنا أستأهل. زدني شيئا آخر". ليس ذلك فقط، بل إننا، فى "خزانة الأدب" لعبد القادر البغدادى، نقرأ ما يلى: "وقد أنكر بعضهم "استأهل" بمعنى "استحق". نقل صاحب "العباب" عن "تهذيب" الأزهري أنه قال: خَطَّأ بعضهم قول من يقول: "فلان يستأهل أن يكرم أو يهان" بمعنى "يستحق". قال: ولا يكون الاستئهال إلا من "الإهالة"، وهو أخذ الإهالة أو أكلها، وهي الأَلْيَة المذابة. قال الأزهري: وأما أنا فلا أنكره ولا أخطِّئ من قاله، لأني سمعت أعرابيا فصيحا من بني أسد يقول لرجلٍ شكر عنده يدًا أُولِيَها: "تستأهل يا أبا حازم ما أُولِيتَ"، وحضر ذلك جماعة من الأعراب، فما أنكروا قوله. قال: ويحقق ذلك قوله تعالى: هو أَهْل التقوى وأهل المغفرة". ومما أخالفه فيه وأراه محض تنطس لا معنى له قوله: "ويقولون للمريض: "مسح الله ما بك" (بالسين). والصواب فيه "مَصَحَ" كما قال الزاجر: قد كاد من طول البِلَى أن يمصحا، وكقول الشاعر، وقد أحسن فيه: يا بدر، إنكَ قد كُسِيتَ مَشَـابِـهًا من وجه أم محمدِ ابنةِ صـالـحِ وأراك تَمْصَح في المحاق، وحسنُها باقٍ على الأيام ليس بمـاصـحِ ويحكى أن النضر بن شميّل المازني مرض، فدخل عليه قوم يعودونه، فقال له رجل منهم يكنى: أبا صالح: مسح الله تعالى ما بك. فقال له: لا تقل "مسح" (بالسين)، ولكن قل: "مَصَحَ" (بالصاد)، أي أذهبه الله تعالى وفرقه. أما سمعت قول الشاعر: وإذا ما الخمر فيها أَزْبَدَتْ أَفَلَ الإزبادُ فيها ومَصَحْ؟ فقال له الرجل: إن السين قد تبدل من الصاد كما يقال: الصِّرَاط والسِّرَاط، وصَقْر وسَقْر. فقال له النضر: فأنت إذن أبو سالح!". ولا أدرى على أى أساس يخطئ الحريرى وغيره استعمال "المسح" هنا. ألا يعنى المسح "الإزالة"، فيكون المقصود: أزال الله عنك المرض؟ فماذا فى ذلك من خطإ؟ وحتى لو قلنا إن هذا التعبير لم تستعمله العرب قبل ذلك وتحققنا فعلا من صحة ما نقول فالرد أنه ليس شرطا أن يكون العرب قد استعملت كل ما نستعمله الآن، وإلا فمعنى هذا إلغاء وجودنا ومبادراتنا وإبداعاتنا. وهل توقفت الحياة عند العرب القدماء؟ فكيف يراد للغة أن تتوقف عند تاريخ معين؟ إن هذا يذكرنا بما يقال من أن الاجتهاد الفقهى قد أغلقت أبوابه منذ قرون رغم أن هذا لا يمكن أن يكون، وإلا توقفت مسيرة الحياة وأسنت وألفى المسلمون أنفسهم عاجزين عن التصرف إزاء الأحداث المستجدة والتشريع لها. ومعروف أن النصوص تتناهى، بينما الوقائع لا تتناهى، ومن ثم كان القياس، أى إعطاء ما يَجِدّ حكم ما كان موجودا منذ القديم. والمهم إذن هو الاستناد إلى قوانين اللغة ومبادئها فى الاشتقاق والتركيب والتصوير وما إلى ذلك لا أن نذهب فنكرر ما قاله العرب دون أن نفترع جديدا من عندنا يواجه المواقف المستحدثة. وهذا ما لا يقول به عاقل أو منصف. فمن هذا المنطلق ندين هذا التشدد والاستقتال فى سد أبواب الرحمة اللغوية فى وجود الخلق. وكما أن دين الله يسر لا عسر فكذلك ينبغى أن تكون لغة الله حتى لا تتحول من رحمة إلى نقمة، ومن يسر إلى عبء لا يطاق. ومن ملاحظات الحريرى أيضا فى الكتاب المذكور النص التالى: "ويقولون: "بعثتُ إليه بغلام، وأرسلتُ إليه هدية"، فيخطئون فيهما لأن العرب تقول فيما يتصرف بنفسه: "بعثته وأرسلته" كما قال تعالى: "ثم أرسلنا رسلنا" وتقول فيما يُحْمَل: "بعثت به، وأرسلت به" كما قال سبحانه إخبارا عن بلقيس: "وإني مُرْسِلَةٌ إليهم بهدية". وقد عيب على أبي الطيب قوله: فآجَرَك الإلهُ على علـيلٍ بعثتَ إلى المسيح به طبيبَا ومَنْ تأوَّل له فيه قال: أراد به أن العليل، لاستحواذ العلة على جسمه وحسه، قد التحق بحَيِّز ما لا يتصرَّف بنفسه. فلهذا عَدَّى الفعلَ إليه بحرف الجر كما يُعَدَّى إلى ما لا حِسَّ له ولا عقل". ولكن ها هى ذى بعض الشواهد بخلاف ذلك. يقول بشر بن عمرو: لا يَبْعَثُ العيرَ إِلّا غِبَّ صادِقَةٍ مِنَ المعالي، وَقومٌ بِالمَفَاريقِ وبقول عروة بن الورد: إِذا المَرْءُ لَم يَبْعَث سَوَامًا وَلَم يُرَحْ عَلَيْهِ وَلَم تَعْطِف عَلَيْهِ أَقارِبُهْ ويقول عبدة بن الطبيب: يُزْجِي عَقارِبَهُ لِيَبْعَثَ بَيْنَكُم حَرْبًا كَما بَعَثَ العُرُوقَ الأَخْدَعُ وفى شعر منسوب إلى ورقة بن نوفل: لججتُ، وكنتُ في الذكرى لجوجا لهَمٍّ طالما بعثَ النشيجا وتقول ليلى الأخيلية: سَمِعْنَ بِهَيْجَا أزْهَقَتْ فَذَكَرْنَهُ ولا يَبْعَثُ الأَحْزانَ مِثْلُ التّذَكُّرِ ومن شعر العرجى: كَأَنَّ عَلى الخُدُودِ، وَهُنَّ شُعْثٌ، سِجالَ الماءِ يُبْعَثُ في السواقي ومن شعر الفرزدق: بَعَثَ الإِلَهُ لَها، وَقَد هَلَكَتْ، نَوْرَ البِلادِ وَماطِرَ القَطْرِ * * * وَإِنَّكَ قَد نُصِرْتَ أَعَزَّ نَصْرٍ عَلى الحَجّاجِ إِذْ بَعَثَ البِغَالا ومن شعر بشار: إِنَّ الحَبِيبَ، فَلا أُكافِئُهُ، بَعَثَ الخَيَالَ عَلَيَّ وَاحْتَجَبا * * * يَرِدُ الحَريصُ عَلى مَتالِفِهِ وَاللَّيْثُ يَبْعَثُ حَتْفَهُ كَلَبُهْ ويقول أبو العيال الهذلى: مِنَ ابي العِيَالِ أَبي هُذَيْلٍ، فَاعْرِفوا قَوْلي، وَلا تَتَجَمْجَموا ما أُرْسِلُ ويقول الشماخ الذبيانى: أَرْسَلَ يَوْمًا ديمَةً تَهتانا ويقول أمية بن أبى الصلت: أَرْسَلَ الذَّرَّ وَالجَرادَ عَلَيهِم وَسِنينًا، فَأَهْلَكَتْهُم وَمُورا * * * عَشِيَّةَ أَرْسَلَ الطوفانَ تَجري وَفاضَ الماءُ لَيْسَ لَهُ جِرابُ * * * وَقُولا لَهُ: مَن يُرْسِلُ الشمسَ غدوَةً فيصبِح ما مَسَّت مِنَ الأَرضِ ضاحِيا؟ ويقول أبو دهبل الجمحى: وَكُنْتَ كَغَيْثِ الخالِ أَرْسَلَ وَدْقَهُ لِمَن شامَهُ يُزْجِى السحابَ المُنَضَّدا ويقول الفرزدق: أَرَى اللهَ في كَفَّيْكَ أَرْسَلَ رَحْمَةً عَلى الناسِ مِلْءَ الأَرْضِ ماءً مُفَجَّرا ويقول جرير: يا أَهْلَ جُزْرَةَ، إِنّي قَد نَصَبْتُ لَكُم بِالمَنجَنيقِ، وَلَمّا يُرسَلِ الحَجَرُ ويقول الوليد بن يزيد: هَلَكَ الأَحْوَلُ المَشُو مُ، فَقَدْ أُرْسِلَ المَطَرْ ويقول عمر بن أبى ربيعة: أَنْعَمَ اللَهُ بِالرسولِ الَّذي أَرْ سَلَ وَالمُرسِلِ الرِّسالَةَ عَيْنا ويقول عدى بن الرقاع العاملى: وَمالَ عَلَى كَبْداءَ ذاتِ أَسِرَّةٍ نَزِيعَةِ نَبْعٍ تُرْسِلُ السهمَ مُتْعَبا ويقول أبو نواس: بفَقْرٍ غير ذي ريشٍ تراه سريعًا حين يُرْسَل في الطِّلَابِ ويقول ابن الرومى: أرسلوا نحوه السهامَ جوابًا لرسالاتِه وللإرسالِ وفى القرآن المجيد: "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ"، "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ"، "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ"، "وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ"، "فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا"، "وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ"، "فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ"، "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ"، "وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ"، "إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"، "إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً"، "وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ"، "فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ"، "وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ"، "يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ"... وإن قال معترض إن بعض استعمالات "بعث" "وأرسل" هنا تعنى "أثار أو سلَّط" فالرد أن بعضها الآخر يدل على البعث والإرسال المعتاد، فضلا عن أنه يجوز التوسع فى العبارة وقياس هذا على ذاك. وعلى أية حال فالمهم، حسبما يقول الحريرى، أن المرسَلات هنا لا حس لها ولا عقل، ومن ثم لا إرادة لها يمكنها أن تتصرف وتتحرك وتنتقل بها من تلقاء أنفسها. ومثل ذلك الفعل: "تزوج"، إذ يجوز تعديته بنفسه: "تزوج فلانة" أو بالباء: "تزوج بفلانة"، وكذلك "استعجل"، الذى يستعمل متعديا أو مع الباء، فيقال: "استعجل الشىء واستعجل به". وعندنا الفعل: "مَرَّ" يجوز أن يقال فيه: "مَرَّ بالمكان، ومَرَّ على المكان"، بل جاء فى الشعر أيضا: "تمرُّون المكانَ"، و"تهكم به، وتهكم عليه"، و"سَخِرَ به، وسَخِرَ منه"، و"عثر به، وعثر عليه، وعثر فيه (للدم وأشباهه)". ومن ذلك أيضا قوله: "ويقولون: "فعل الغير ذلك"، فيدخلون على "غير" آلة التعريف. والمحققون من النحويين يمنعون من إدخال الألف واللام عليه لأن المقصود في إدخال آلة التعريف على الاسم النكرة أن تخصصه بشخص بعينه. فإذا قيل: "الغير" اشتملت اللفظة على ما لا يحصى كثرة، ولم تتعرف بآلة التعريف، كما أنه لا يتعرف بالإضافة. فلم يكن لإدخال الألف واللام عليه فائدة. ولهذا السبب لم تدخل الألف واللام على المشاهير من المعارف مثل دجلة وعرفة وذكاء ونحوه لوضوح اشتهارها والاكتفاء عن تعريفها بعرفان ذواتها". فأما أن "أل" حين تدخل على الاسم النكرة فإها تخصصه فهو صحيح، لكنها ليست الوظيفة الوحيدة لـ"أل" بل هناك أيضا "أل" الماهية و"أل" الجنسية. وعلى هذا فقولنا: "الغير" يقصد به كل ما سوانا على أساس أن "أل" هنا هى لتعريف الجنس كله. وأما أن أسماء الأعلام لا تقبل "أل" فغير صحيح، وإلا فماذا نفعل بـ"السودان والبرازيل والبرتغال والباكستان والعباس والفضل والعاص والفرات والنيل والأمازون والفردوس والعُزَّى والمصطفى..."؟ كذلك فـ"غير" تضاف وتخصص بالإضافة، إذ إن قولنا: "غير محمد" معناه أنه ليس أى غير، بل الغير الذى لا يشتمل على محمد ويشتمل على كل شخص آخر: إما بإطلاق وإما قصرا على جماعة معينة، وذلك حسب السياق. يقول أبزون العمانى من أهل القرن الرابع الهجرى: وفيكم سار لا في الغَيْر شعري وكيف تسير في البرِّ الخلايا؟ ويقول الشريف الرضى: إِذا لَم تَكُنْ نَفْسُ الفَتَى مِنْ صَديقِهِ فَلا يُحْدِثَنْ في خِلَّةِ الغَيْرِ مَطْمَعا وفى "الإيضاح" للقزوينى: "في الأول أن الفعل صدر من غيرك، وفي الثاني أنه صدر منك بشركة الغَيْر". وفى "البيان والتبيين" للجاحظ: "خبَّرني بعضهم أنّه رأى من يبكي بإحدى عينيه، وبالتي يقترحُها عليه الغَيْر". وفى "الهوامل والشوامل" لأبى حيان التوحيدى: "يحصل له ذلك من ثلاثة أشياء: أحدها سماع كلامه مشافهة. ثانيها مطالعة تصانيفه والوقوف على تحريره وتحصيله أو سماع فتاويه وآرائه وكلامه بنقل الغَيْر له"، "وربما كان هذا الغير يجري في محبة الممدوح مجرى الوالد والأخ والصديق"... وهناك أيضا قول الحريرى: "ويقولون: "المال بين زيد وبين عمرو" بتكرير لفظة "بين" فيوهمون فيه. والصواب أن يقال: "بين زيد وعمرو" كما قال سبحانه: من بين فرث ودم". وهو يقصد أن تكرير "بين" لا يكون إلا إذا كان طرفا البينية كلاهما ضميرين أو كان أحدهما على الأقل ضميرا. وهذا تعنت لا معنى له. أما عدم مجىء ذلك فى القرآن فلا ينبغى أن يتخذ دليلا على عدم صحته، إذ القرآن ليس كتابا فى النحو. وقد وردت "بين" عشرات المرات مع اسمين ظاهرين فى الشعر الجاهلى والمخضرم والإسلامى والأموى، وكذلك العباسى المبكر، ودعنا مما جاء بعد هذا. ونكتفى بالشواهد التالية من الشعر الجاهلى وحده، وهى كثيرة كما نرى. يقول الأسود بن يعفر النهشلى: لا أهتدي فيها لموضع تَلْعَةٍ بين العراق وبين أرض مُرادِ ويقول الشنفرى: خَرَجنا مِنَ الوادي الَّذي بَيْنَ مِشْعَلٍ وَبَيْنَ الجَبا. هيهاتَ أَنشَأتُ سُرْبتي وتقول أم سنان: مِنْ بين مقتولٍ وبين هالك وَلا يَكونُ الرزءُ إلّا ذَلِك ويقول امرؤ القيس: فَعَادَى عِداءً بينَ ثَورٍ وَنَعجَةٍ وَبَينَ شَبُوبٍ كَالقَضيمَةِ قَرْهَبِ * * * قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتي بَيْنَ حامِرٍ وَبَيْنَ إِكامٍ. بُعْدَ ما مُتَأَمَّلِ! * * * قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتي بَيْنَ ضارِجٍ وَبَيْنَ تِلاعِ يَثْلثَ فَالعَرِيضِ ويقول تأبط شرا: قِفا بِدِيارِ الحَيِّ بَيْنَ المَثَلَّمِ وَبَيْنَ اللِّوَى مِن بَيْنِ أجزاعِ جَهْرَمِ ويقول حاتم الطائى: أَيُّها المُوعِدي، فَإِنَّ لَبُوني بَيْنَ حَقْلٍ وَبَينَ هَضْبٍ ذُبَابِ ويقول عَبِيد بن الأبرص: إِلى ظُعُنٍ يَسْلُكْنَ بَينَ تَبَالَةٍ وَبَيْنَ أَعالي الخَلِّ لاحِقَةِ التالي ويقول عدى بن زيد: وَجاعِلُ الشَمسِ مصرًا لا خَفاءَ بِهِ بَيْنَ النهارِ وَبَيْنَ الليلِ قَد فَصَلا ويقول عنترة: تَرَكنا ضِرارًا بَيْنَ عانٍ مُكَبَّلٍ وَبَيْنَ قَتِيلٍ غابَ عَنْهُ النوائِحُ * * * طالَ الثواءُ عَلى رُسُومِ المَنزِلِ بَينَ اللَّكِيكِ وَبَيْنَ ذاتِ الحَرْمَلِ وتقول هند بنت الخس: وَأُقْسِم لو خُيِّرْتُ بينَ لقائهِ وبَيْنَ أَبي لَاخْتَرْتُ أَلَّا أَبَا لِيا ومن تخطئات الحريرى للغة معاصريه كذلك رفضه لما كان يستعمل فى التوقيعات الديوانية حين يقول الوزير أو الكاتب عن أمرٍ يريد من مرؤوسيه إمضاءه وتنفيذه: "يُعْتَمَد"، إذ الصواب عند الحريرى هو "لِيُعْتَمَدْ" بلام الأمر، ظنا منه أن الفعل مجزوم بلام أمر قد حذفت. وفاته أن الفعل مرفوع على الإخبار وأن الخبر فيه قد خرج عن غرضه الأصلى، وهو الإنباء عن وقوع شىء، إلى غرض بلاغى هو الأمر على تقدير "يجب أن يُعْتَمَد". وهذا معروف فى البلاغة، لكن الحريرى، من شدة حرصه على الصواب، قد غالى فى التنطس فخطَّأ ما هو صحيح مستملح غير متنبه إلى ما فيه من ملحظ بلاغى، إذ لم ير فيه إلا مضارعا مجزوما قد حذفت لامه، على حين يمكن، على الأقل، أن يكون مضارعا مرفوعا فارق الخبرية إلى الأمرية. وفى القرآن الكريم لبنى إسرائيل: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ" حيث استُخْدِم الفعلان المضارعان مكان فعلى الأمر. إن من السهل بوجه عام القول بصحة استعمال لغوى ما، لكن يصعب جدا فى غير قليل من الحالات الجزم بتخطئته لأن التخطئة عندئذ تستلزم الإحاطة بكل النصوص داخل اللغة. ومن يستطيع ذلك؟ والحريرى ذاته، برغم كل ذلك الجهد المشكور، قد سقط فيما خَطَّأَ الآخرين فيه، فتراه يقول مثلا: "سقط الفتى فى يديه"، بينما الصواب، الذى نص هو نفسه عليه، يقتضى أن يقال: "سُقِط فى يد الفتى". كما نراه استخدم "كافَّة" فاعلا معرَّفا فى قوله: "اتفق كافَّةُ أهل المِلَل" رغم تشدده فى وجوب التزام استعمالها على الدوام نكرة حالا لا غير كما فى قوله تعالى: "اُدْخُلوا فى السِّلْمِ كافَّةً". كما أن ابن الخشاب قد انتقده فى بعض الاستعمالات اللغوية فى مقاماته، وابن الخشاب محق فى بعض هذه الانتقادات على الأقل. وهذا أمر طبيعى، إذ اللغة محيط زخَّار عميق الأغوار لا يمكن أن يحيط به أحد حتى لو حفظ كل كتبها واستظهر كل معاجمها وهضم أشعارها وأنثارها جميعا وتمثل بلاغتها تمثلا تاما مما هو مستحيل رغم ذلك بداهة. ومع هذا فإن جهد الحريرى مشكور ومقدور، وهو فى نهاية المطاف بشر يصيب ويخطئ، والعبرة بنيته وقصده، وهو قد أراد خدمة العربية. أما تشدده فإننا، رغم انتقادنا له، نفهم بواعثه ودوره وأهميته، إذ من شأنه تنبيه الغافل إلى وجوب الوعى واليقظة وحفزه إلى التعمق فى دراسة اللغة وشد المتفلتين إلى الخلف حتى لا يشتوا ويَضِلّوا فيُضِلّوا. فهو إذن يقوم بدور الموازنة حتى لا تفلت الأمور من أيدينا، ومن ثم ينحصر الخطأ فى أضيق نطاق ممكن بدلا من اتساع الخرق على الراقع.




http://al3asemanews.net/news/show/148820