آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: حَبَنْظَل بَظاظا ...

  1. #1
    أستاذ بارز الصورة الرمزية محمد مزكتلي
    تاريخ التسجيل
    10/11/2008
    العمر
    54
    المشاركات
    145
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي حَبَنْظَل بَظاظا ...

    حَبَنْظَلْ بَظاظاْ، الفصلُ الأول

    أيتها السيدات، أيها السادة:
    أُقَدِّمُ لكم نفسي وبِلاْ فخر، أنا حَبَنْظَل بَظاظاْ.
    إنكم جميعَكم تعرفوني، فأنا عَلَمٌ على رأسهِ نارُ.
    أنا طَلَّاعُ الثَنايا، جوّادُ البرايا، للجيشِ جرّارُ.
    أنا ابنُ دَليلة، سليلةُ الأكابر وصاحبةُ الجاهَ والسلطانَ والثراء.
    وأبي هو علي الزئبق، زعيمُ العيّارين صاحبُ الفطنةَ والذكاءَ والدهاء.
    وأنا تفوَّقْتُ عليهما وأصبحْتُ حَبَنْظَل بَظاظاْ.
    أنا نِتاجُ نطفةً ذكية، مع بيضةٍ ثَرية، ولِيدُ المصلحة والشهوة.
    أنا أذكى من الذكاء، وأعظمُ مِنَ العظمة، وأشهرُ من الشُهرة.
    والدليلُ على عَظَمَتِي وَشُهرتِي، هو كثرَةُ الحُسّادُ حولي.
    أيْأَسَهُم تفوُّقْي ونجاحي فَحاكوا الأباطيلَ خلفَ ظهرِي.
    صحيحٌ أنِّي قصيرُ القامة، لكنَّ مُنجَزاتي تَطالُ النجوم.
    وصحيحٌ أنِّي دميمُ الوجه، لكنَّ نظرَاتي تُبرِأُ المجذوم.
    أنا من تَدِينُ له الدهور، وتُرفعُ القُبَّعات وتُحْنَى الظهور.
    أنا حَبَنْظَل بَظاظاْ.
    لا تضحكوا ايها السادة، أرجوكم لا تضحكوا، حتى لا تندموا بعدَ ذلك.
    واعلموا أَنَّ وجودي بينكم، هو مَن يُنْجيكم مِنَ المَهالك.
    نعم، فأنا أعلمُ ما لاَ تَعلمون، وأُدركُ ما لا تُدركون.
    وأعرف من أين تؤكلُ الكتِف، وما يجب أن يكون أو لا يكون.
    فأمّي تعلَمُ ما لاَ تعلَمُهُ أُمَّهاتُكم.
    وأُمّي تفعلُ ما يستحيلُ أن تفعلَهُ أُمَّهاتُكم.
    عَلَّمتني أُمّي، حينَ كنتُ يافعاً طرِيَّ العود.
    وقتَها كانت تُجالِسُ السلطانَ الْمُعَظَّم، ترقصُ له وتضرِبُ على العُود.
    أِفهَم يا حَبَنْظل وأِحفظْ عن أُمِّكَ هذه الأشياء.
    إنَّ الدينَ والجنسَ والسياسة، هم الطريقُ إلى السلطةِ والمجدِ والثَّراء
    ومِن يومِها، جعلْتُ نفسي، ببَّغاءً وخنزيراً وحِرباء.
    لقد دأبَت أُمّي منذُ صِغري على جَعلي الرجلَ الأوَّلَ في القصرِ.
    ولأجلِ هذا بَذلت الغاليَ والنفيس.
    من هزِ كؤوسَ المُدام، إلى هزِ الأردافَ والخصْر.
    هل صدَّقْتم الآنَ بأني أنا هو الرجلُ الوحيدُ القادرُ على قيادتِكم.
    فأنا نِتاجُ تضحيةَ أُمّي،
    وأنتم ضحايا أنانيةَ أُمَّهاتكم.
    نعم، أنا هو الببَّغاءُ، وأنا الخِنزيرُ، وأنا الحِرباء.
    أنا الأسدُ الهصور، والجملُ الصبور، والشاةُ العرجاء.
    أنا المرجعيةُ والضميرُ والقضاء.
    أنا السيفُ والرقاب، والرحمةُ والعِقاب، والسِجنُ والسجناء.
    أنا الخيرُ والشر، والقبحُ والجمال، واليأسُ والرَجاء.
    أنا خليطٌ متجانسٌ مِن كُلِّ هذه الأشياء، أنا حَبَنْظَل بَظاظاْ.
    لا تستغرِبوا أيها السادة، فأنا مزيجٌ من أصنافكم أنتُم.
    جعلَتني أُمي هَكذا لِأَتَفهَّمَ وأحترمَ وِجهاتِ نظرِكُم.
    أنا أنتَ وأنتِ، وهوَ وهيَ، وهم وهَؤلاء.
    أُفصِحُ عمّا تَخجَلونَ منه دونَ حِشْمَةٍ أو حياء.
    أقولُ ما تخافُ منهُ ألسِنتكُم، وأُظهِرُ ما تَدفُنوه في صدوركم.
    من غيرَ كذِبٍ ولا تملقٍ ولا رياء.
    أنا أعرفُكُم أيها السادة أكثرَ ممّا تعرفونَ أنفسكم.
    وأعلمُ نواياكم وخَبَاياكم وما تُضمِروه في أعماقكم.
    أنا رجلٌ فريدٌ من نوعهِ، ورِثْتُ عنكم سِماتِكم وصِفاتِكم.
    لأن أُمّي حينَ كانت حاملاً بي، دارت على كُلِّ رجالِكم.
    أنا ابن أزواجِكم وزوجاتكم
    أنا اَخٌ لأوْلادِكم وبناتكم، وحفيدٌ لآبائكم وأجدادِكم.
    أنا الوريثُ الشرعيُ لأموالِكُم، وأنا الحاكمُ بأمرِ اللَّهِ على رقابِكم.
    وأنا المتصرفُ بأمرِ أُمّي في شؤونِكم، أنا حَبَنْظَل بَظاظاْ.

    أيتها السيدات، أيها السادة:
    قد تنازلْتُ ورضيتُ الجلوسَ بينكم.
    فإصرارُكم واستِجدائُكم وتوسُلاتُكُم جعلوا قلبي يرقُّ لحالكم.
    فَشَنِّفُوا آذانَكُم ونظِّفوا أسنانكم وافتحوا عقولكم واقعدُوا صامتْين.
    لأروي لكم قصتي وقِصتَ أبي وأُمِّي وجارِيَتي عسلُ الْتِين.

    وللحديثِ تتِمَّه

    أنا لا أقول كل الحقيقة
    لكن كل ما أقوله هو حقيقة

  2. #2
    أستاذ بارز الصورة الرمزية محمد مزكتلي
    تاريخ التسجيل
    10/11/2008
    العمر
    54
    المشاركات
    145
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي حَبَنْظَل بَظاظا 2

    حَبَنْظَل بَظاظاْ الفصلُ الثاني

    حتى تتصوروا أيها السادة مُجْريات الحِكاية.
    لابُدَّ من وصفِ المكان الذي شهدَ أحداثَ الرواية.
    القاعَةُ الكبرى في قصرِ السلطانِ المعَظَّم، الذي هو أنا.
    خنزيرٌ بدينٌ جَلَسَ على كرسي العرشْ، والخنزيرُ وليسَ الكرسي، هو أنا.
    يقفُ على رأسِ الخنزير بَبَّغاء، وترقدُ بين قدَمَيهِ حِرباء.
    واللتانِ هما أنا.
    بالقربِ منهم يقفُ السَيَّافُ حاملاً سيفهُ.
    وتصوروا...السَيَّافُ أيضاً هو أنا.
    الخنزير:
    حينَ وَلَدَتني أُمي ورأتني أَخرُجُ من بينِ فَخذيها.
    دَفَنت عينيها تحتَ الوسادة، وكانت آخِرُ مرةً تَلمسني فيها.
    لم يُصدِّق أحد بأنَّ كُلَّ الحُسْنَ والجمالَ اللَّذانِ كانا لأُمي.
    يمكنُ أن يُنتِجا مخلوقاً بَشعاً مشوهاً مثْلي.
    رفضت أُمي رفضاً قاطِعاً أن تُقرِّبَني إلى ثَديَيِها.
    وكانت كُلَّما سمِعَت بُكائي وصُراخي، تصُمُّ أذنيها.
    أَوكَلَت أمرَ رِضاعتي لجارِيةٍ أرمَلَةٍ عظيمَةُ الثديَين.
    التي كانت تستلقي على ظهرِها، وتضعُني فوقَ بطنها.
    وتتْرُكُني طوالَ النَهار أمتصُّ نبعَينِ نَضِحَين.
    ومع هذا كنتُ لا أشبع، أمُصُّ وأبلعُ كعلقةٍ وأمُصُّ وأبلعُ ولا أشبع.
    جَفَّفتُ ثديَيِها وشَقَقْتُ حُلْمَتيها، ولم أشبع.
    الببَّغاء:
    حينَ كَبِرْتُ أيها السادة.
    تزوجتُ من تلك الجارِية، لِأرُدَّ لها حليبها.
    لا تستغرِبوا، فهيَ لم تكن يوماً أُمي، ولم أكن أنا رضيعُها.
    فحدُّ الإحرام هو خمسُ رَضعاتٍ مُشبِعات.
    وأنا لم أشبع منها، حتى صُرتُ حليلُها.
    الخنزير:
    حارت أُمي كيف تُشبعُني، في حِرصِها على وحيدِها أن يعيش.
    أَرضَعَتني حليبَ الكِلابِ والخنازيرِ والحمير، والذئاب والرجال والخفافيش.
    وفعلا عِشتُ وكَبِرْتُ بعدَ ما أضنيتُ الجميع.
    فالسماءُ أرادت ليَ الحياة، لتجعلَني راعيَ القطيع.
    الحِرباء:
    كنتُ أتسَلَّلُ إلى غرفةِ نومِ أُمي، وأنتظرُ قابعاً تحتَ السرير.
    هذا الذي كانت تُعقدُ فوقَهُ المؤتمرات، وتُمررُ المؤامرات.
    وتُخْلَعُ سراويلَ الحرير.
    وكم كنت أتلَذَّذُ بسمَاعِ معزوفَةَ الآهات، خاصَّةً مقْطعَها الأخير.
    وبعدَ أَن يسودَ َالصمت، أعلَمُ أنَّ أُمي قد عَزَلَت قائداً أو خَلَعَت أمير.
    الخنزير:
    حينَ أصبحْتُ شابّاً، أرادت أُمي أن أكونَ فارسَ الفُرسان.
    فأجبرتني وأبي على ركوبِهِ، لِنلعبَ معاً لُعبةَ الفارسِ والحِصان.
    وما أن أتقنْتُ طريقةَ ركوبَ أبي، حتى خَلَعَت عليَّ لَقَبَ الفارسَ الذهبي.
    وطلبت مِنَ السلطان المعَظَّم أن يُعَيِّنُني في سِلاحِ الفُرسان.
    الذي سُرعان ما أصدَر أمرَهُ وهو يغتسلُ في الحمَّام.
    وملأْتُ فَمَ الحاقدِين والمتربصين والمتفيهقين والمتحذلِقين.
    بحِفنَةٍ من طين.
    صحيحٌ أنّي لم أقدر على رُكوبِ الحِصان بالقفزِ فوقَهُ كما يفعلُ الفُرسان.
    بل كنتُ أتعلقُ بِذَيلهِ وأتسَلَّقُ ظَهرَهُ، ثُمَّ أربُطُ خَصرِي بالعنان.
    وصحيحٌ أني لم أستطع حمْلَ السيفَ الذي يحمِلهُ الرجال.
    بَل عَلَّقْتُ سكيناً صغيراً تدَلَّت من رقبَتْي كالسِلسال.
    لكن، كُلَّ هذا لاَ يَهُم، المهمُ هو أنّي أصبحْتُ سيَّدَ القوم.
    الببَّغاء:
    لقد كانت أُمي تفتحُ أمامي كُلَّ الأبوابَ المُؤصدة.
    وتمهدُ ليَ الطريقَ نحوَ الأمجادَ المُرصدة.
    صحيحٌ أنها حَرمتني حليبها ووهبتْهُ للسلطان.
    وكرهتني وكرِهَت أبي، وأحبَّت المالَ والجَّاهَ والسلطان.
    إلا أنها لو ما فعلت ما فعلت، ما كنتُ الآنَ في هذا المكان.
    ولولا أنْ ضَحَّت، ما أَمسَيْتُ سَيَّدَ هذا الزمان.
    ألا تَرَون معي أنَّهُ مِنَ الواجبِ مكافأةَ أمّي على ما فَعلَتْهُ من أجلِ وحيدها.
    أليس عيباً أن أكون عاقّاً بالعجوزِ التي ما حَرمتني شيئاً إلا حليبَها.
    يجبُ أن أُضَحي كما ضَحَت، وأبذلُ كما بذَلَت كي تفخرُ أخيراً بعِظَمِ صنيعها.
    الحِرباء:
    أليس من البديهي، بَل مِنَ ألازمِ أن تكونَ التضحيةُ على مستوى القضية.
    عليَّ أن أتألَّمَ وأُقاسي، أضعافَ ما عانَتهُ هذه العجوزُ الغيرية.
    وأيُّ ألمٍ وأيُّ مرارٍ آلَمُ وأمَرُّ من فُقدانِ الأُم.
    إنهُ أبشَعُ من اجتثاثِ الأطراف، بَل حتى من تَجرُّعِ السُم.
    إنَّ الفداءَ أيها السادة، لا بدَّ أن يكونَ على مُستوى الفادي.
    وحَبَنْظَل بَظاظاْ رجلٌ ليسَ كَباقيَ الرجال، إنهُ رجلٌ غيرُ عادي.
    يا سَيَّاف، اقطَع رأسَ أُمّي، لكن ترَفَّق، فالدَمُ الذي سيسيلُ هو دَمي.
    البَّبغاء:
    أرأيتم...أرأيتم أيها السادةُ عَظَمَةَ ما صنعت.
    وأيُّ قُربان قَدَّمْت.
    وأتحداكم...أتحداكُم أن يستطيعَ أيَّ واحدٌ منكم أن يفعلَ مثلَ ما فعلْت.
    ويُضحِّي بنصفِ ما ضحَّيْت.
    طبعاً هذا بديهي، أنا لستُ كأيَّ واحدٍ منكم.
    أنا حَبَنْظَل بَظاظاْ.

    وللحديثِ تَتمَّة

    أنا لا أقول كل الحقيقة
    لكن كل ما أقوله هو حقيقة

  3. #3
    أستاذ بارز الصورة الرمزية محمد مزكتلي
    تاريخ التسجيل
    10/11/2008
    العمر
    54
    المشاركات
    145
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي رد: حَبَنْظَل بَظاظا ...

    حَبَنْظَلْ بَظاظاْ الفصلُ الثالث


    نفس المَنْظر السابق مع تغييرٍ بسيط، لاَ بد من الإشارةِ إليه.
    فقد اختفى كُرسي العرش.
    والخنزيرُ جَلَسَ على ظَهرِ رجُلٍ جَثَا على يديْهِ ورُكبتيه.

    الخنزير:
    لم ألتقي علي الزئبق سوى مرّاتٍ قليلة.
    لانشغالي بتحقيقِ رغباتِ زوجتَه دَليلة.
    هو سِكِّيرٌ متعفنٌ متشرد، يبكي ويَلطِمُ ويَنوح.
    يعاقرُ الخمرَةَ لَيلَ نَهار، في حانةٍ حقيرةٍ تُدعى الغُراب المذبوح.
    عندما تزوجت أُمّي أبي، أقولُها هَكذا ليكونَ قَصْدي صريح.
    فهيَ التي تَزوَّجتْه، والعكسُ هنا غير صحيح.
    كان أبي سَيِّد الرجال، وزَعيم الصَعاليك.
    دَوَّخَ صاحبَ الشَرِطة، وأقَضَّ مَضجعَ سلطان المَماليك.
    كانَ فارساً شُجاعاً مغواراً لاَ يُشَق له غبار.
    ذاعَ صِيتَهُ ودارَت شُهرتهُ على كُلِّ الأمصار.
    كانَ قويّاً كالثور، منكاحاً كالأسد، جميلاً كالغزال.
    ألهبَ قلوبَ العذارى، وأَحرَقَ قلوبَ الرجال.
    ومِن جملةِ ما ألهبَ من قُلوب النساء.
    كانَ قلْب أُمّي، التي دَعَتهُ ذاتَ ليلةٍ للعشاء.
    وإلى فخذين مَشْوِيَّين، ومثلهما أبيَضَيِن، وعطْرٍ وسِحْرٍ وإغواء.
    كانت تنشدُ ساعةَ حُبٍّ صادقة تُسعدُ بها.
    تهنأ مع من تحب ولو لمرة واحدة في حياتها.
    لكنَّ أبي خذلها، وهَجَرَها في نفسِ الليلة، بعدَ أن أكَلَ عشاءها.
    الحِرباء:
    تدَّعي أُمّي بأنّي كنتُ حَصاد تلكَ الليلَة العصماء.
    وأبي ينفي ذلك، ويؤكد بأنها لَيلتَها ما كانت عذراء.
    لم أهتمّ كثيراً بهَذهِ المهاتَرات الصفيقة.
    فَلا أحد يعلمُ عن أيِّ شيءٍ مَهْما سعى سوى نصف الحقيقة.
    أمّا الحقيقة الكاملة التي لا أعرفُ سِواها، هي أني حَبَنْظَل بَظاظاْ.
    الخنزير:
    المهم، تركها أبي في تلك الليلة وهيَ تَتَلوَى في نارِ غيظِها.
    أقسمت بجمالها على أن تُمَرِّغ أنفَهُ في التُراب، وتستعيدُ كرامتها.
    هي أرادت أن تُسيطر عليه، وعلى من معهُ من الصَعاليك.
    لِتَضْرِب بهم مَن كانَ يُنافسُها من أعيانِ المَماليك.
    لَكنَّ الرياح لم تجري كما اشتهَت أُمّي.
    وقلبت مَرْكَبَها أمواج عنفوان أبي.
    ومِن يومِها، صارَ هَذا عُرضَةً للمصائبِ والهزائمِ والويل المُنظَّم.
    فإنَّ كَيدَهُنَّ عظيم، وَكَيد أُمّي دَليلة أشَد وأعظم.
    ولم تخْمَد نارها إلا حينَ رأتهُ شبحاً سكيراً محطم.
    الببَّغاء:
    لاَ تلومُوا أُمّي ولا تحقدوا عليها، فإنَّ ما فَعَلَتهُ هو عَيْن الصواب.
    فهذا الرجل المخبول حادَ عن الواقع، وقصَدَ السراب.
    ترَكَ تَرَفَ القصور ودِفئَ الخمور ولَذَّةَ الأطعمة الفاخِرة والشراب.
    تَرَكَ نعومةَ الحرير ولَذَّةَ السرير مع فاتِنةٍ في رَيعانِ الشباب.
    ترَكَ كُلَّ هذا، وسكَنَ الكهوفَ مع الكِلاب، يشربُ بَولَها ويأكلُ الذُباب.
    وفوقَ كل هذا...
    جاؤوا صَعاليكَُه وبايعوا أُمّي بين أقفيةِ الجواري وقرقعَة النِخاب.
    فَبرَبكم ألا يستحق هذا المعتوْه، أضعافَ ذاك َالعِقاب؟.
    الخنزير:
    في بعض الأحيان كانت أمي تحن لعدوها اللدود
    أو ربما لحبها الوحيد الموءود
    فتجود عليه بكيسٍ كبيرٍ من النقود
    كنت أسرق نصفه.
    فأدور على الحاناتِ، وأسأل عن حيٍّ مَوْؤود.
    ولمّا كنت ألقاه، كانَ يَرميني بنظراتٍ تُرعِبني.
    فأرمي حملي وأهرُب، مَخَافةَ أن يضرِبني.
    لكنه كانَ يلتقطُني من رقبَتي ويرفعُني عالياً في الهواء.
    يضحكُ ويصرخُ بصوتٍ كالعِواء.
    أُنظُروا إلى هذا الجُرَذُ القبيح، يطيرُ كنسْرٍ في السماء.
    إنَّ أُمَّهُ البلهاء تدَّعي بأنهُ ابني.
    ودليلُها على ذلك، أنَّهُ يشبهُني.
    حقّاً إنهُ يشبهُني...كما يشبه الذُباب الفراش.
    يشبهُني...كما يشبه البُلبُل الخفّاش.
    ويسرعُ أصحابه وينزِلوني من بين يديه.
    فيما هو يمزقُ كيس الدَنانير وينثرها حواليه.
    ويرتمي متهالكاً، مُخفياً وجهَهُ بيديه.
    رُغمَ كل القرَف والنُفور، الذي كانَ يرسمهُ أبي على وجهه.
    إلا أني كنتُ أقرَأُ فيهِ خطّاً يقول لَعَلّي حقّاً كنتُ ابنه.
    صحيحٌ أنَّهُ كانَ يُمسكُني بكلِّ قوةٍ لديه.
    لَكنِّي كنتُ أشعرُ بِحَنانٍّ يَسري عبرَ يديه.
    الحِرباء:
    لم أدري بأنَّ أبي يحبُّ أُمّي هذا الحُبُّ الشديد.
    إلا عندما أسرعتُ إليه، لأزُفَّ لهُ خَبَرَ موتها السعيد.
    حينَ صَفَعَني وبصَقَ على وجهي، ومَنعَهُ حُرّاسي من فعل المزيد.
    لقد سعت أُمّي دائماً لوِصاله، وكانت على الدوامِ تريدُ لِقائِه.
    لكنه كانَ يرفض بصورةٍ قاطِعة، ويصِفُها بالمحتالةِ المخادعة.
    كانت امي تحب ابي ومع ذلك ارادت قتله لأجلي
    وكانت تمقت السلطان ومع ذلك اشبعت غرائزه لأجلي
    كانت تلمع نهديها ليتمرى بهما السلطان
    وتنحل ردفيها ليرضى عنهما السلطان
    وتدور خصرها ليدور حوله السلطان
    وتعطر شفتيها ليسكر منهما السلطان
    جمال وحسن أمي كان يوازي ذكائها اللامحدود
    ومهارتها في استثمار ذلك كانت لأبعد الحدود
    فكم من سلاطين وأمراء وقواد ووزراء
    قعوا لها ساجدين
    ووهبوها قصورهم وذهبهم لقاء نظرة راضية من عينيها الجميلتين
    وأعتقد جازما أن ما من رجل في هذا العالم
    يرفض ودها إلا أبي الرجل الذي شق عصا الطاعة وكسر قلبها.
    تركها تبيع السعادة للجميع في النهار
    وتستجديها في الليل لتسيل دموعها أنهار
    ربما لأجل كل هذا اختارته من بين الجميع ليكون أبي
    أهو الحب والوفاء أم هو الحقد والانتقام
    ذاك هو السرُّ الأبَدِي
    الببغاء:
    رَفَضَ أبي كُلَّ شيء، حتى محاولاتي لانتشالِهِ من تلك الحانة الحقيرة.
    عرضْتُ عليه مَنصَب الوالي، وقاضي القُضاة، وقائد الجيش.
    وأن يكونَ لهُ ألف جارِيةٍ وسريرة.
    إلا أنَّهُ وبعِنادِ البغل، رَفَضَ كُلَّ ذَلك.
    وأصرَّ أن يبقى صعلوكاً ينامُ في الدروبِ والمسالك.
    لَكنني أنا السلطان المعَظَّمْ، سُلطان كلَّ زمانٍّ وعصر.
    جَرْجَرْتُهُ رُغماً عنهُ، وأحضَرْتُهُ مقيَّداً إلى القصر.
    لأُبْقيهِ تحتَ جناح سطوتي وهَيْبتي.
    وأُبْعُِدهُ عن الأعداء الساعينَ وراءَ كَشْف عورتِي.
    الخنزير:
    هل عَرفْتُم الآنَ أيها السادة مَن هو أبي.
    هل تشاهدوه...أُنظروا أمامكم.
    وليَنظر كل واحد منكم بدقةٍ ويتأمل.
    أَنزِلوا نظرَكُم نحوَ الأسفل، والأسفل.
    آه أخيراً أيها السادة...عثرْتم عليه.
    نعم، هذا صحيح، إنهُ الرجل الذي أجلسُ عليه.
    برَبكم...أكانَ عبرَ العصور سلطان جَلَسَ على كرسي مثل هذا الكرسي.
    طبعاً لاَ، فأنا سلطانٌ غير عادي...أنا حَبَنْظَل بَظاظاْ.

    وللحديثِ تَتِمَّة

    أنا لا أقول كل الحقيقة
    لكن كل ما أقوله هو حقيقة

  4. #4
    أستاذ بارز الصورة الرمزية محمد مزكتلي
    تاريخ التسجيل
    10/11/2008
    العمر
    54
    المشاركات
    145
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي رد: حَبَنْظَل بَظاظا ...

    حَبَنْظَلْ بَظاظا الفصلُ الرابع


    مكتبٌ عصرِيٌّ فاخِر، أثاثُهُ يدلُّ على ترَفٍ وثراء.
    خَلفَ الطاولةِ ثلاثةُ كراسي.
    جَلَسَ عليهم خنزيراً وببَّغاءً وحِرباء.

    الخنزير:
    وراءَ كُلَّ امرأةٍ عظيمةٍ رجُلٌ ذكي.
    أنا أوَّلُ من قالها، وسرقوها منِّي ونسبوها لمحارِبٍ فرنسي.
    لا يَهُم، فلْيسرِقوا ما يشاؤون، فأنا قائلُ ألافَ المواعظَ والحِكَم.
    أنا مدرسةُ الحياة، ومُلْهِمُ الحضارات، ومنهاجُ الشعوبِ والأمم.
    وإن دَلَّ فِعلُهم هذا على شيء، فإنهُ يدلُّ على أنَّهم أذكياء.
    وأنا أحِبُّ الذكاء، وأحِبُّ الأذكياء، الذين يَتتَبَّعونَ خُطَى العُظماء.
    الأذكياءَ الذين يَنسونَ بسرعةٍ كلَّ ما فات.
    ويفكرونَ فقط بالحاضرِ وبالغدِ الآت.
    الغدُ الصاعد، الغدُ الواعد، هو ما يجبُ أن نفكرَ فيهِ في حاضرنا.
    ونَصِلُ حِبَالَنا بِحبالِ من يمكنُ أن ينفعَنا.
    هذا مَنطِقُ الحياة، وهذا مَنطِقُ النجاح.
    وأنا أحبُّ النجاح، خاصةً الذي لا يلزَمهُ كفاح.
    أحبُ النجَاحَ لأنهُ حلو، وكل شيءٍ حلو تَهواهُ نفوسنا النبيلة.
    المنزِلُ الفاخِر، والسَيّارةُ الفارهة، والمرأةُ الجميلة.
    خاصةً المرأةُ الجميلة.
    إنها سِلاحُ كُلَّ عصر، سِلاحٌ فتّاكٌ لا يخطئُ ولا يُهزَمُ ولا يستكِين.
    فكم من رجالٍ هدُّوا جبال، رَكَعُوا أمامَها ليقَبِّلوا يديها الناعمتين.
    والجِيوشُ الجرارةُ لا تقْدِرُ على فعلِ ما يَفعلَهُ سِحْرُ جارِيَتِي عسلُ الْتِين.
    نعم أيها السادة، فمرةً فَتَنَ عليَّ أميرُ الدَّرَك.
    وشَكاني إلى السلطانِ المعَظَّم.
    بأنّي أُديرُ شبكةَ دَعارَةٍ وقِمار.
    وتِجارةُ الحشيشِ والإرهاب المُنظَّم.
    لكن عَسلُ الْتِين دافعت عني أمامَ السلطان، وبرأتني من كُلِّ التُهَم.
    فأُلقِيَ بأميرِ الدَّرَكِ في السِجن.
    لِمى أبْداهُ من غباءٍ وفَدَم.
    ونُصِّبتُ أنا مكانَهُ، لما أتمتعُ بهِ من فضائلِ الخِصالِ والشْيَّم.
    صحيحٌ أنَّ الناسَ لَقَّبوا أميرَ الدَّرَكِ بالبطلِ العظيم.
    لَكنهُ الآنَ غارقٌ في ظَلامِ السِجن، وأنا غارقٌ في النعيم.
    الناسُ أيها السادة ينسُون بسرعة. لأنَّ ذاكِرتَهُم ضعيفة.
    وأنا أُعِينُهُم على ذَلِك بنشرِ الإشاعات، والحقائقِ المُزيفة.
    ولم أعدَم أحداً أجهدَ نفسَهُ وأعيَا قلْبَهُ وزَوَّرَ في كُتُبِ التاريخِ السخيفة.
    ليمُدَّ سِلسِلةَ نَسَبي، ويصلُها بأحدِ الأنسابِ الشريفة.
    وأصبحْتُ لاَ أميرُ الدَّرَكِ فحسب، بَل نبيلاً أيضاً، صافيَ العِرْقََ والنَسب.
    ورحِمَ اللَّهُ أُمّي دَليلة، سليلةُ الحَسَبِ والنَسب.
    الحِرباء:
    لا تضحكوا أيها السادة، فالضحكُ مذْمومٌ من دونِ سبب.
    فأُمّي لها الفضْلُ الكَبيرُ على الإنسانية.
    لأنها قدَّمتني إليها بلا مُقابلٍ ولاَ أنانية.
    فالنِسوةُ العظيماتُ أمثالَ أُمّي.
    هنَّ اللاتي يغيرنَ وجهَ الحياة، ويَقُدْنَ البشرية.
    والعالمُ عَرَفَ أقدارَهن فأقامَ لهُنَّ التماثيلَ الذهبية.
    وخلَّدَ جمالَهُن بأوصافٍ أسطورية.
    وسمى مغامراتَهُنْ بأسمائِها الحقيقية.
    فهيَ كما تقولُ كُتُبُ التاريخ، طموحٌ عظيمٌ لِنساءٍ عظيمات.
    وأنا مدينٌ لنجاحي لهَؤلاءِ النِسوةُ العظيمات.
    فكم من امرأةٍ قدَّمت لي في بَساطةٍ ويسرٍ وكرَمٍ طبيعي، أجَلَّ الخَدَمات.
    وكأنَّهُنَّ ينتظِرنَّ الفُرصةَ السانحةَ ليكُنَّ عظيمات.
    حتى بِتُّ أؤمنُ بأنَّ العظمةَ في المرأةِ هي غريزةٌ كامنة.
    تنتظرُ مَن يُفجرُها.
    لتنطلقُ كالسَيلِ الهادرِ، مُفْصِحةٌ عن نفسها، مُعْرِبةٌ عن وجودِها.
    وهنا أوَدُّ أن أُخبِركم.
    بأنَّ ليسَ كُلَّ الرجالِ صالحينَ لمثلِ هذه المُهمَّات.
    بل هم قِلةٌ نادرة، لديها الاستعدادُ الفطري لِتَطفو فوقَ سطحِ الحياة
    دونَ أن يخدشَ وُجوهَها الزَبَدُ المتطايِرِ حولها.
    ودونَ أن تلتفتَ إلى الموجِ المتكسرِ عندَ أقدمِها.
    وهنا أسألُكُم أيها السادة:
    هل فيكم مَن لهُ أُمٌّ مثلَ أُمّي، همم.
    هل فيكم مَن عندَهُ جاريَةٌ مثْلَ جارِّيَتِي، همم.
    بل هل فيكم مَن عَرَفَ صداقةً كصَداقتي؟
    صداقةٌ حقيقية، الصداقةُ التي تكونُ بينَ الأصدقاء.
    وأنتم جميعا تعرفونَ ما هي الصداقةُ التي تكونُ بينَ الأصدقاء.
    الودُّ الخالص، والمنفعةُ المتبادلة، والهدفُ الواحد.
    وكُلُّ ما عدا هذا، هُراء.
    فالصداقةُ مِن دونِ هَذهِ الأركانُ الثلاثة، لن يكونَ لها أيُّ محركٍ أو دافع.
    فالودُّ الخالص لن يستمرَّ طويلاً، إذا تعددت الأهداف وتضاربَت المَنافع.
    الببغاء:
    أليسَ هذا صحيح؟...أليسَ هذا صحيح؟
    لاَ تهُزُّوا رؤوسَكم كثيراً.
    فإن هَزَّ الرؤوس، يسببُ الدوار.
    وقد يسبِّبُ مرضاً خطيراً، يسمى الخِوار.
    وهَذا يُفدني أنا.
    ما دمتم أنتم المصابون بهَذا المرض.
    لكنه لن يُفدكم أنتم ، طالما تهزونَ رؤوسَكم لهذا الغرض.
    الخنزير:
    آه، تذَكرْت.
    كنت أُحدِثُكُم عَن جارِيَّتِي الجميلة.
    إنكم تعرفونها بلا شك، إنَّها عسلُ الْتِين العظيمة.
    التي كانت دائماً وراءَ الأحداثَ في حياتي وحياةُ السلطان.
    عسلُ الْتِين التي اسمُها يوقعُ الرُعبَ في قلوبِ أعدائها.
    وأعدائي وأعداءِ السلطان.
    نعم أيها السادة، إنَّ أعدائي هم أعداءُ السلطان.
    ألَسْنا صديقَين، ألَسْنا من سلسلةِ نَسَبٍ واحدة؟
    ألستُ رَجُلَهُ المفضل، وبيتي هو بيتُه؟
    وجاريَّتِي هيَ جاريَّتُه، وأُمّي كانت صديقتُه؟
    إذاً، فمن آذاني فقد آذى السلطان.
    ومَن عاداني فقد عادَا السلطان.
    هذا أوَّلُ درْسٍ تعْلَّمْتُهُ من عسلِ الْتِين.
    وكم من دروسٍ قَيِّمةٍ عَلَّمتْها لكُلِّ مَن أخلَصَ لها الوُد.
    وأَسْلَسَ لها القِياد، وكانَ لها دَجين.
    فهي وحدها صانعةُ المجدِ والشُهرة.
    وهي وحدها صانعةُ النفوذِ والقوة، وهيَ وحدها صاحبةُ القربى والحظوة.
    عسلُ الْتِين التي سمّاها المأفونون ومَن يُعجبهُم اندفاعُ الحمقَى.
    أمثالُ أميرُ الدَّرَك، وعلْي الزئبق، وقائدُ الفُرسان.
    الذين نَسَجَ الناسُ حولَهم الخرافاتَ والأساطير.
    وعلَّقُوا صُوَّرَهم القبيحةَ في كلِّ مكان.
    سمّاها هؤلاء بِعَسلِ الْتِين الأفعى تحتَ الْطِين.
    وأنتم ترَون أيها السادة، كَم ظلَمها هَؤلاءِ المهزومين.
    لكنه الحُقدُ الأعمى الذي يغطي القُلوبَ، فَلا يجعَلها تُحِسُ أو تَلين.
    أيةُ أفعى، وهيَ التي ينحَني أمامَ يدها البضَّةُ كلَّ قائدٍ وفَذٍّ وعظيم.
    ليقَبِّلُها في خشوع.
    عَسى أن تَرضى عنهُ...فتُفتحُ لهُ أبوابُ النعيم.

    وللحديثِ تتمَّة.


  5. #5
    أستاذ بارز الصورة الرمزية محمد مزكتلي
    تاريخ التسجيل
    10/11/2008
    العمر
    54
    المشاركات
    145
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي رد: حَبَنْظَل بَظاظا ...

    حَبَنْظَلْ بَظاظاْ. الفصلُ الخامس.


    رفةُ نوم كبيرةٌ وحمِيمِيةٌ، مفروشَةٌ بالطنافس والديباجِ والحرير.
    يوسطها سريرٌ كبير، ناعمٌ معطر، دافئٌ وَثير.
    جلست عليهِ امرأةٌ جميلةٌ جدّاً، ترتدي زياً فاضحاً جدّاً.

    أيها السادة: أُقدِّمُ لكم نفسي وبكلِ فخر، أنا عسلُ الْتِين.
    أنا التي لقَّبني الجميع، بالأفعى تحت الْطِين.
    وكم أعجبَني هذا اللقَب، ولم أجدهُ مُعِيباً أو مُشين.
    فأنا أُحِبُ الحيّات، وأوُدُّ الأفاعي، وأعشقُ الثعابين.
    يكفي أنها لا تُصدرُ ضجيجاً يثيرُ الأعصاب، وتعملُ في هدوء.
    تقتربُ في هدوء، وتفتحُ فمَها في هدوء، وتقتُلُ في هدوء.
    وبرودتُها تُثيرُني جدّاً، وأجسادُها الناعمةُ الرطِبة.
    فقد سأِمتُ احتضانَ أجسادَ الرجال، الخشنةِ الملتهبة.
    لابُدَّ أنكم تتساءلون أيها السادة لِمَ أنا أُحدِّثُكم اليوم.
    ولا بُد أنكم تستنكرونَ وُقوفي أمامَكم بملابِسِ النوم.
    لَكنهُ لِباسُ عملي الرسمي، أو كما يسمى باليون فورم.
    وهَذا هو مقرُ حُكمي ، والذي أُديرُ منهُ شؤونَ القوم.
    فمن كان منكم رقيقَ القلب، مرهفُ الإحساس، فليَغُضَّ بصرهُ وينويَ الصوم.
    لقد جاءَ دوريْ في الحِكاية، سأرويها لكم بنفسي.

    حينَ كنتُ مع نخاسي في سوقِ النِخاسة، كنت أُمَنّي نفسي بصيدٍ كبير.
    مُعتقدةً بأنَّ فِتنَتي وجمالي، لن يقوى على شِرائهما إلا وزيراً أو أمير.
    لمّا وَقَفَ أمامي الحَبَنْظَل وأخذَ يتفحصَني.
    شعرتُ بالقرَفِ من هذا القَزَمُ الأفطَسُ الجاحظ.
    وأضافَ رعباً إلى قرَفي، لمّا سمعتهُ يوافقُ على دفعِ ثمنيَّ الباهظ.
    لم تنفع مع النخاس دموعي وتوسُلاتي.
    وباعني لهذا الحَبَنْظَل لأُصبِحَ جاريّته.
    بعدها اكتشفتُ بأن القَدَر، قد هيَّأَ لي هذا القِرد.
    لأدْوسَ عليهِ، وعلى أوَّلِ درجةٍ مِن سِلَّمِ المَجد.
    فينبغي أن تكون الدرجةُ الأولى منخفضةً وقصيرة.
    لتتناسبَ مع قُدرات شابةٍ صغيرة.
    أنتم تعرفون أيها السادة كيفَ يتعاون اثنان على تَسَلُّقِ السور
    يرفعُ الأوَّلُ الثاني، ثم يسحبُ الثانيُ الأول.
    وهنا يصِرُّ الرجل على رفعِ المرأة أولاً، بحجةِ الخوفِ عليها.
    أما الحقيقة، فهيَ فرصةٌ ثمينة ،ليتسلى في فخِذيها.
    هذا أوَّلُ شيءٍ تعلَّمْتُهُ عَنْ سلوكِ الرجال.
    وكل ما تعلَّمْتُهُ لاحقاً، أكدَ لي بأنهم أطفال.
    والشارِبُ الذي يُشَوِّهُ وجوههم!.
    لم يُثبِت رجولتَهم، بأي حال.
    أما نحن معشر النساء، فنثبتُ بأفعالِنا أننا نساء.
    ولا حاجةَ لنا لهذه الخدعة البلهاء.

    ساقَني الحَبَنْظَل إلى قصره وقدَّمَني إلى أُمِّهِ دَليلة.
    التي ما أن رأتْني، حتى أدركت كم هي حسْناءٌ دميمة.
    وصدِّقوا، لقد تركَني في تلك الليلة أنامُ لوحْدي.
    وأنا الفتنةُ بكلِّ معانيها.
    أسرعَ يندسُ في فِراشِ أُمِّهِ، ويَنامُ تحتَ قدَمَيها.
    وقتها كان هذا الحَبَنْظَل فارساً في سِلاحِ الفُرسان.
    وكم كنت أضحك، حينَ أراهُ على ظهرِ الحِصان.
    اقترحْتُ عليهِ أن يُبدِّلَ حِصانهُ بكلبٍ أو خنزير.
    لينسجِمَ الراكبُ مع المركوب، على أحسنِ تقدير.
    لكن دَليلة أنَّبتني على الاستهزاءِ بالفارسِ بظاظاْ.
    وعلَّمَتْني كيف أبيعُها كمأة وهي في حقيقتها بطاطا.
    لقد كانت لي دَليلة خيرَ مُعلِّمٍ ومُعِيْن.
    عَلَّمَتْني كيف أحني رؤوسَ المتغطرسينَ والمتكَبِّرين.
    كيف أرمي الشِباك، وأصطادُ العُظماء.
    كيف أغوي النُسّاك، وأصْرَعُ الأبطال، وأُجَندِلُ الأُمَراء.
    وساررتني عن رفضِ إرضاع ولدِها الوحيد.
    ليَبقَيا نَهدَيها منتفخينِ قاسِيَينِ، قَويَيِن.
    ويقْوَيا على حمْلِهِ ورفعهِ إلى المجدِ التَليد.
    فالنهودُ التي لا تُرضعُ سوى الرجال.
    تتكورُ وتتدَوَّر وتزدادُ جمال.
    لابد أيها السادة أن الحَبَنْظَل ردَّدََ أمامَكم جملتهُ اليتيمة.
    وهي أن الرجلُ الذكي وراءَ كل امرأة عظيمة.
    وظني بأنكم صدَّقتموهُ، و كعادتكم هَزَزْتُم برؤوسِكم تُوافوه.
    لا يوجد أيها السادة رجالٌ عُظماء.
    والعظمةُ بكلِ أشكالِها مُقتصَرَةٌ على النساء.
    المرأةُ تعرفُ تماماً ماذا يُريدُ منها الرجل.
    هيَ شفَتَين ونْهدَين، وفخِذين ورِدْفَين.
    أما الرجل، فَلا يعرفُ أبداً ماذا تُريدُ منهُ المرأة.
    فهيَ بنصفِ إرادة، ونصفُ شهادة، ناقصةُ عقلٍ ودِين.
    النساءُ عرفنَ هذا، وفَضَّلنَ هذا.
    واخترنَ أن يمثلنَ دورَ الضعيفات القاصرات.
    وجذَّرْنَ هذا الاعتقاد في نفوسِ الرجال، ليظللن حاكِماتٍ مُسيطِرات.
    فكروا معي قليلاً أيها السادة، ما هو دورُ الديكِ بينَ الدجاجات؟.
    ما الذي يَصنعهُ ذَكرُ النحلِ بينَ الناحلات؟.
    لماذا تُذْبَحُ الثيران ، وتُتْركُ البقرات؟.
    وهل أدركتم لماذا يُحاربُ الرجالُ عِلْمَ الاستنساخِ بضراوة.
    هوَ خوفَهم من يومٍ لن يكون لهم فيهِ أيُّ فائدةٍ أو ضرورة.
    مع ذلك، نحنُ النساء نُحبُّ الرجال...نُحبُّهم كثيراً.
    لا لأنهم يجعلونا حوامل!
    بَل لأنهم يقدمون لنا أجَلَّ الخَدَمات بلا مُقابل.
    فكل ما يجمعهُ الرجالُ من مالٍ وأشياء.
    يرمونهُ صاغرين في أحضانِ النساء.
    يختنقون في مَناجِمِ الذهبِ والألماس.
    لنلبسه في أيدينا وأعناقنا، ونَغوي بهِ الخَدَمَ والحُرّاس.
    يخوضون المَعارك، يَقتلونَ ويُقْتَلونْ ليحرِزوا الانتصارات.
    ليهدوها إلينا ونحن على أسِرَّةِ الحريرِ مضطجعات.
    ولا يهمُّنا أيّاً منهم، كانَ الغالبُ أو المغلوب.
    هو في النهايةِ رجل، وهَذا هو المطلوب.
    ما أتعسَ الرجال!؟...يُكابِدون الذلَّ والهوان.
    لأجلِ لذَّةٍ عابرةٍ نقضيها لهم في ثوان.
    الرجالُ لا يجدون لإنجازاتهم أيَّ طعمٍ أو معنى.
    إن لم تمدح هذه المُنْجَزات امرأةٍ جميلةٍ تحبهم.
    تجلسُ أمامَ أقدامِهم، وتُدلِّكُ لهم سْيقانهِم وأفْخاذهِم.
    وتمجِّدُ مآثرَهُم بالرقصِ والغناء.
    كم من رجالٍ صَدَّعوا رؤوسَنا بعظيمِ مُنجَزاتِهم.
    وألَّفوا كُتُبَ التاريخ، ليُخلِّدوا أسمائَهُم.
    ولا يخفَى على كل مُصدقٍ أو مُماحِك.
    بأنَّ أسمائَهُم ارتبطت دائماً بأسماءِ من جعلوهم كذَلك.
    الإسكندرُ العظيم، وكليوباترا الجميلة.
    نابليون بونابرت وجوزفين النبيلة.
    هتلر المجنون وإيفا بْرْاوْن الغبيَّة.
    وحَبَنْظَل بَظاظا وعسلُ الْتِْن الذكية.
    إن العنوانَ أيها السادة، يشيرُ بجلاءٍ لصاحبِ الفضْلِ على الآخر.
    فخدعتُ الشارب، سترفضُ أن يرِدُ اسمهُ بعدَ الآخر.
    والفاعلُ يصبحُ مجهولاً، حين يتعدَّا عليه المفعول.
    وسُلطانَنا المُعَظَّم صاحب المجد والسلطة والسطوة.
    ما هو في الحقيقةِ إلا مفعولاً بهِ بِنونِ النسوة.
    لا علاقةَ لهُ بكل ما وصلَ إليهِ من مراتبٍ جليلة.
    فأنا من كانت ترفَعُه، بمعاوَنةِ أُمِّهِ دَليلة.
    وما فتِأتُ أشفقُ على هذا المسكين.
    الذي كان زاهدً بكل ما نفعلُ لهُ.
    لأنهُ، ولحُسْنِ حَظّي، عاجزٌ عنّين.
    لا رغبةَ لهُ في النساءِ، ولا يَرقنَ له.
    فمن هي التي ستجلسُ أمامَ قدَمَيه.
    وتُدلِّكُ لهُ ساقيهِ وفخذيه.
    وتمجدُ سلطانَهُ بالرقصِ والغناء.

    وللحديثِ تتِمة.

    أنا لا أقول كل الحقيقة
    لكن كل ما أقوله هو حقيقة

+ الرد على الموضوع

الأعضاء الذين شاهدوا هذا الموضوع : 0

You do not have permission to view the list of names.

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •