الجزء الثالث:سبر غور كراسة المحقق في يومه الثاني
إن اقتران صورة المصور "المحقق التلفزيوني" في الصفحة الخامسة والعشرين بوصم الإرهابي تعكس اتهاما اجتماعيا يصم هذا الأخير " كمصور سلبي" ينقل الواقع نقلا مشوها حينما يمارس قهر الصورة وخطابها المضلل الخادع في تضليل المشاهد وغسل دماغه بسحر الصورة وتأثيرها إذن فالإعلامي الذي يمثل مؤسسة السلطة يعتبر إرهابيا يمارس الصورة السلطوية القهرية وكأنه هو المسؤول المباشر عن العشرية السوداء في أعين السواد الشعبي المهمش فنحن إذا في عصر سراب الشاشات وعصر الصورة وخطابها الإيديولوجي الموجه ، فالصورة الإعلامية هي امتداد لحواس المشاهدين والوسيلة هي الرسالة حسب الرؤية الماكلوهانية ، والتلفزيون على غرار الوسائل الأخرى يشكل مصدرا للعنف الرمزي وأداة للتسلط والقهر.[1] فآلة التصوير هي أنا المحقق وذاته وهي الآخر المشاهد المتفرج فهي عين الواقع إذا أفرغت من محتواها الإيديولوجي لتتحول في لحظة واعية عاقلة إلى ذاته هو فقط لتصبح نافذة حقيقية مطلة على الواقع المزري وعينا راصدة لمشهد مناطقنا النائية أو ما يمكنني أن أطلق عليه "عشوائيات المعذبين في الأرض " "عشوائيات المهمشين المحرومين في مناطق الظل" سيبقى أولئك المساكين خارج الوطن على هامش التاريخ ، ...أيام السلم وأيام توزيع أموال الدولة وأيام الإرهاب وحتى الآن والبلاد تسير صوب المصالحة والأمن يظلون مساكين... .[2] هناك شخص منتم لهذا الفضاء العشوائي المعذب لايثق في آلة التصوير ذات العين الواحدة القاصرة على احتواء الحقيقة تفرست عيناه سحنة المحقق وببديهة حاضرة بادره قائلا : يبدو من يديك الخشنتين أنك ابن فلاح مثلنا وتفهم همومنا لذا سأخبرك بالحقيقة ولا أريد أن تظهر صورتي ولاتسجيل صوتي محملا إياه مسؤولية نقل الحقيقة كما هي على علاتها وعواهنها دون زيادة أو نقصان إذا كان في قلبه مثقال ذرة من وفاء لتضحيات الأسلاف من أجل أن يقف الوطن شامخا ذات ثورة ، أما شهادة المدعو عمار بحري " زميل دراسة سابق" فيقول : نعم أنا زميل دراسة ... إنكم تعلمون كل شيء فلماذا هذا التحقيق الغبي ؟.[3] فالتحقيق هنا من خلال امتعاض هذه الشخصية الحوارية الساردة يعكس الصورة الاجتماعية المهتزة بمن يمثل السلطة في عين المواطن مجسدة هاجس عدم الثقة ، فعين السلطة واسعة وتطال الجميع فلامدعاة لهذا التحقيق الغبي كتحصيل حاصل ، أما عن علاقته بقيس بوعبدالله فقد توقفت وانتهت سنة ألف وتسعمئة وتسعة وسبعين وكأن سنة وفاة الرئيس هواري بومدين توقف معها الوطن ولم يعد منتجا ، كان يذكر أنهما كانا يبكيان بحرقة وصدق وعفوية رحيل الرئيس على غرار الباكين الصادقين وفي المقابل هناك الباكون الكاذبون الذين تمنوا موته أثناء النقل التلفزيوني لمراسيم الجنازة والحداد على رئيس الدولة الفقيد ويبقى جهاز التلفزيون حسب الذات الساردة رمزا لأحادية النظام ووسيلة بيد السلطة ، قيس بوعبدالله نجح في حياته الدراسية وتحصل على الباكلوريا عكس زميله عمار بحري الذي أخفق لتطرح هنا ثنائية النجاح والفشل ليختار كل واحد منهما طريقه في معترك الحياة ، حيث سافر إلى الخارج ليحيلنا السفر إلى ظاهرة الهجرة في مفهومها الواسع على غرار هجرة الأدمغة والهجرة من أجل العمل وذلك لإشباع رغبات مكبوتة لم تتحقق في فضاء الوطن ، وبعد الرجوع من أرض المهجر وجدت هذه "الذات العائدة" الحال منقلبا رأسا على عقب لتدخل الجزائر دائرة الفوضى من بابها الواسع الذي لم يغلق إلى يومنا هذا ، لتجعلنا الذات الساردة إزاء تصفية أخ الرئيس الراحل جسديا بأيدي من تصفهم بالملتحين لتطرح ظاهرة التدين التي تختلف عن الدين وجوهره إذ اللحية سنة بيولوجية وقاسم مشترك بين بني البشر ولاتميز المسلمين عن بقية الآدميين وهي مظهر ثقافي اجتماعي مبثوث في أطراف الكوكب المختلفة المتباينة (أنظر الصفحة السابعة والعشرين) أما شخصيتنا الحوارية المركزية الساردة المتمثلة في المدعو قيس بوعبدالله حسب شهادة زميله عمار بحري فهو منبع الطيبة والإنسانية زاهد عن متاع الدنيا يساعد الناس وسلوكه الطيب حسب هذه الشهادة دائما لايتماشى ووحشية القتل ، إلا أنه وصم من المجتمع بعد وصمه من وسيلة السلطة ليرسخ معه وصم الإرهابي حيث تلعنه أم زميله كلما سمعت خبرا عن الإرهابيين من وسائل الإعلام المختلفة ، إلا أن عمار بحري يعتقد أن أمه تلعن عدوا مقنعا في هؤلاء .. إلا أنني أعتقد أنها تلعن عدوا لها مقنعا ... لا تقصد قيسا ولا غيره تلعن الحظ أو المجهول أو لست أدري.[4] ، أما وثائق الملف الصحفي على غرار ما أوردته جريدة النصر عن انقطاع قيس بوعبدالله عن مزاولة مهنة التدريس بجامعة قسنطينة حين فتح تحقيق أمني بشأن انقطاعه بعد أن أشعر زملاؤه مصالح الأمن ، لنقرأ اتهاما صريحا بجريدة الخبر بالانتماء السري لجماعة مسلحة من خلال انتمائه السابق للجبهة الإسلامية للإنقاذ بعدتحقيقات أمنية أثبتت أن من ترددوا على زيارته قد التحقوا بالجبل ، أما جريدة الشروق اليومي الحرة فإنها بينت من خلال مانشر على صفحاتها بأن قيس بوعبدالله هرب بعد تهديدات بالقتل وجهت له من قبل خصومه السياسيين أيام الفتنة ولم يجد حلا إلا اللجوء إلى الجبل ، أما جريدة الوطن الناطقة باللغة الفرنسية فقد أوردت خبرا مفاده : "قام الإرهابي المقنع برمي قناعه ليلة السبت السابع عشر من شهر جوان سنة ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين المدعو قيس بوعبدالله أستاذ بجامعة قسنطينة زعيم روحي ومفتىٍ للقوى الإسلامية الظلامية أين شوهد بمنطقة جبل البابور حيث تردد أنه ملجأ للإرهابيين فالأكثر تأكيدا وتوافرا أن المراقبين يشهدون بأن الإرهابي المسمى كان يحمل سلاحا ...".[5] لقد تمت إدانة قيس بوعبدالله إعلاميا لتلازمه وصمة الإرهابي أينما حل ، أما شهادة زوجته ليلى بوعبدالله كما ورد على لسانها كذات ساردة بأن زوجها قيس لم يكن إرهابيا ولن يكونه لأنه رجل فاضل يحب وطنه حد الجنون ، مؤمن تقي يخاف ربه ويخشى عاقبة أفعاله كما الشيوخ والعجائز عاجز عن إحداث أي ضرر بمخلوقات الله ، أين نقرأ من ثنايا هذه الرسالة بأن إرضاء الناس وأذواقهم غاية لاتدرك حين يطفو نفاقنا الاجتماعي المرضي على سطح معاملاتنا اليومية بتتبع عورات الآخرين حيث رصدت عدسة هذه الرسالة على لسان الساردة هذه الظاهرة المرضية الخطيرة التي نعيشها للأسف في واقعنا الاجتماعي لدى كل الطبقات تقريبا ، ليبقى قيس في رأي ليلاه قديسا حقيقيا طاهرا مزاجيا أحيانا مزعجا حينما يلج دائرة اكتئابه غارقا في صمت كلي مطبق ، فزوجها لم يتخذ الجبل بديلا عن حياته إلا بعد ركوبه صهوة الاضطرار حين اضطهاده من ذوي النفوذ السياسي في منطقته والشيء الذي أضاعه عداؤه المعلن الصريح للولاة وشيوخ البلديات ورؤساء الدوائر ومسؤولي القطاع العسكري ورؤوس الأمن لتفتح الساردة قوسا أمنيا يحمل مفارقة ثنائية ساخرة تمثلت في حفظ الأمن واللأمن عاكسة بذلك صورة الدولة المشوهة وغياب هيبتها لدى المواطن الجزائري معلنة موت الدولة وغيابها بعد أن دب المرض في جسد الوطن الحبيب ، أين التف أهل الجبل على شخصية زوجها كفاعل مرموق له وزنه الأكاديمي والإبداعي واستغلاله في حمأة الصراع الدائر بين أبناء الوطن الواحد الفرقاء بعد صعوده واحتضانهم له هناك (أنظر الصفحة الثانية والثلاثين) أما رسالته إلى المدعو عادل خرفي المذيلة بتاريخ السادس من شهر جانفي سنة ألف وتسعمئة وستة وثمانين فنلمس من خلال فضائها السردي عدم ثقته في بطاقة التعريف الوطنية كحامل عاكس للهوية الوثيقية الثبوتية وعدم اقتناعه بها لأنها تحصر ذاته وأناه في إطارها الورقي شاعرا بتفاهتها ، وحين إضاعتها أحس بتحرر ذاته ليضعنا إزاء التزامه المدني بعد تبليغ السلطات بضياعها ليكون في خانة السلامة المدنية متحررا متلذذا بنشوة الانعتاق والخلاص من تبعات الاضطهاد الوثيقي ممتلكا حريته بعيدا عن أسطورة الإطار الثبوتي فكينونته الوجودية لايمكن بأي حال أن تختزل في جرد رقمي وحرفي وصوري أبله لايوحي بالحياة بل بالجمود الإطاري الذي وضعت داخله (أنظر الصفحة الثالثة والثلاثين) إن الهوية في مفهومها العام تتعلق بفهم الناس وتصورهم لأنفسهم ولما يعتقدون أنه مهم في حياتهم، أين يتشكل هذا الفهم من خلال خصائص محددة تتخذ مرتبة الأولوية على غيرها من مصادر المعنى والدلالة .[6] أما الشعور البشري بها فيعتمد على وجود الأنا المستمرة عبر الزمن .[7] ورغم اشتمالها على التصنيف فإنها نوع من التمثل ، وبقدر ما تشتمل على التفاعل اللغوي بين الناس فإنها نوع من التواصل ، فالتمثل الذاتي لهوية المرء هو المركز المنظم لتمثلاته للعالم المشكل لها .[8]
أما رسالته إلى ليلى بتاريخ الثالث من شهر مارس سنة ألف وتسعمئة وسبعة وثمانين ففيها رغم نبرتها الساتيرية " الساخرة " هجائية الواقع المستشرف استشراف الميتتين اللتين ستموتهما الذات الجزائرية في العشرية القادمة حينما استحضر شخص العرافة الموراب ليطل من خلال نافذتها على عين الواقع أين تركها تسرد نبوءتها مستغلا كذبها العرافي مستدرجا إياها في لعبة استهوته ليضحك على كذبها وادعاءاتها الغيبية ليكافئها في آخر المطاف ببضع نقود ، أما رسالته الأخرى إلى ليلاه المذيلة بتاريخ الرابع عشر من شهر جوان سنة ألف وتسعمئة وستة وثمانين فإنها تعكس تنميط الشعب الجزائري أو ما يمكن أن أسميه هنا بصناعة جمهور وسائل الإعلام حين أورد الناص مقولة توماس سيريز إليوت التي تجسد النمطية الجوفاء الفارغة أين تتكرر الذوات المتناسخة القابلة للتنميط والتدجين تلك الذوات القابلة للتعليب أو بالأحرى القابلية للإطار ، فهذه الوسيلة السلطوية التي تتحكم فيها سلطة الصورة لتجسيد واقعنا الخضوعي وتلك القدرية البائسة ، فهذا الإله الصغير على حد قول السارد مازال يصوغ حياتنا الاجتماعية والثقافية الواحدية بتنميطية فجة لا تقبل صناعة التغير نحو الأمثل التثويري المحتذى إزاء القولبة النمذجية الجاهزة التي تصوغها هذه الوسيلة الإعلامية الساحرة (أنظر الصفحتين الثالثة والرابعة والثلاثين) وهذا ما يعكس موت الذات المنمذجة إعلاميا داخل سلطة الإطار السلطوي وقهره، أما شهادة منير دخلي تلميذ سابق لقيس بوعبدالله فهي تجسد وفاء المريد لشيخه ولا يريد أن يخرج من إساره وسطوته التأثيرية فأستاذه شخصية أفلاطونية فاضلة فيلسوفة خبرت عين الواقع وكشفت زيفه وعرت عيوبه وسوءاته الكثيرة ، فأستاذه شخصية إنسانية حكيمة عاقلة واعية دمغت على حد قوله العقل الواعي بكلمات خالدة سارية الوقع والتأثير صالحة بامتياز لكل الأزمنة بعد أن شهد العالم تراجع العنصر البشري الفاعل في حركة التاريخ والتغيير من خلال مقولاته عن الجمال الأنثوي عن الحقارة الآدمية عن اللصوصية الكبرى والصغرى من سرقة الحاملات والبواخر إلى سرقة بضع قطرات من حبر وثنائية الموت والحياة وصراعهما الجدلي إلى امتلاك الأبوة ومعنى الموت البطيء في إطارها كما امتلاك الأستاذية التي تعني تسريع حركية الموت وأن يترأسك من لم تنتخبه معناه أن تموت وأنت حي بَعْدُ لينقل لنا نماذج من موت الذات داخل سطوة وقهر الإطار السلطوي أيا كان ، أين تطرح هذه الشهادة وعيا ساردا عاقلا كشف بامتياز الظاهرة القطيعية التي نعيشها على مستوى أبنيتنا الاجتماعية حيث تطرح تمردها من خلال محطات مقولية قارئة تجعل الشخصية المحورية ذاتا عالمة عارفة تحاول أن تمارس انعتاقها خارج أسطورة الإطار البوبرية بعيدا عن عين ومقص الرقيب المجسدة في عين الشاشة التي لاتنام كسلطة قاهرة مرسخة عين الحاكم ، أين تمنى المريد أن تصاب بالعمى أو تغفل فلاترى الشيخ العالم العارف ولاتتعرف عليه ( أنظر الصفحتين الخامسة والسادسة والثلاثين) ، أما هذه الوثيقة الثبوتية أيضا فهي تبين نسخة من عقود الزواج يعكس إطارها الوثيقي تأطير وهيكلة ظاهرة الزواج على مستوى مؤسساتنا المدنية الجزائرية كظاهرة اجتماعية مهيكلة تحفظ حقوق وواجبات من ارتبطوا في إطارها وتبقى ثبوتيتها الورقية تعكس دائما حضور السلطة في تنظيم هذه الظاهرة وارتباطها دائما بسطوة الإطار السلطوي وقهره .
الهوامش
[1] - أرمان وميشال ماتلار ، تاريخ نظريات الاتصال ، ترجمة نصر الدين لعياضي والصادق رابح ، المنظمة العربية للترجمة ، الحمراء ، بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 2005 ، ص.85.
[2] - فيصل الأحمر ، نفس المرجع ، ص.26.
[3] - المرجع نفسه ، ص.27.
[4] - نفس المرجع ، ص.28.
[5] - المرجع نفسه ، ص.30.
[6] - أنتوني جيدنز ، علم الاجتماع مع مدخلات عربية ، ترجمة فايز الصياغ ، المنظمة العربية للترجمة ، الحمراء – بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 2005 ، ص.90.
[7] - محمد حسام الدين إسماعيل ، الصورة والجسد دراسات نقدية في الإعلام المعاصر ، المنظمة العربية للترجمة ، بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 2008 ، ص.23.
[8]- جون جوزيف ، اللغة والهوية قومية إثنية دينية ، ترجمة عبد النور خراقي ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد رقم 342 ، الكويت ، الطبعة الأولى 2007 ، ص.286.