المنهج التقليدى
((الوسيلة الأدبية)) للمرصفى
(الفصل الأول من كتابى: "مناهج النقد العربى الحديث")
إبراهيم عوض


أخذ الأدب والنقد فى نهاية العصر العباسى يدخلان فى حالة من الخمود والركودِ، مَثَلُهما فى ذلك مَثَلُ سائر وجوه النشاط الحضارى فى بلادنا، إلى أن أخذت تدبّ فى جسد الأمة العربية والإسلامية عوامل التململ والحركة والحياة. وكان من علامات ذلك فى مصر ظهور محمود سامى البارودى فى ميدان الشعر، وعبد الله فكرى فى ساحة الكتابة الأدبية والنثرية، والشيخ حسين المرصفى فى مجال النقد، وكلهم من أبناء القرن التاسع عشر. ويهمنا هنا الشيخ المرصفى الذى يمثل المنهج التقليدى فى نقد الشعر العربى فى العصر الحديث.

وقد وُلِد، رحمه الله، فى العقد الثانى من القرن التاسع عشر، وقضى نحبه فى آخر العقد التاسع من ذلك القرن (1889م على وجه التدقيق)، وكُفَّ بصره فى الثالثة من عمره، وتعلم فى الكُتَّاب ثم فى الأزهر، الذى أصبح مدرساً من مدرّسيه وأخذ يلقى فيه دروساً فى البلاغة ونقد الشعر القديم، ثم انتقل إلى ما كان يسمى آنئذ بــــــــ ((دار العلوم))، وهو مدرّج بسراى درب الجماهير بالقاهرة[1]، وذلك عام 1871م فى عهد نظارة على باشا مبارك، حيث كان يعطى الحاضرين من طلاب الأزهر رغبةً فى مزيد العلم دروسا فى اللغة والأدب والبلاغة والنقد، وهى التى جُمِعَتْ فيما بعد فى كتاب ((الوسيلة الأدبية))[2].
ويذكر الذين ترجموا للشيخ المرصفى أنه تعلم اللسان الفرنسى على كبر، وأتقنه قراءةً وكلاماً. وقد وقف الأستاذ محمد عبد الغنى حسن عند هذه المسألة فى شىء من التفصيل والتأكيد ردّا على ما ظنه إنكاراً من د. محمد مندور لهذا الأمر، إذا تساءل قائلا: ((ولا أدرى لماذا شكّ الدكتور مندور فى تعلم الشيخ حسين المرصفى للغة الفرنسية وإتقانه إياها؟)) ثم أضاف: ((لقد علّل الدكتور مندور لوجهة نظرة بأنه لم يحسّ فى كتاب ((الوسيلة الأدبية)) الضخم بأى أثر للثقافة الفرنسية وآدابها عند مؤلفها. والحق أن المرصفى تعلم الفرنسية وأتقنها قراءة وكلاما، فهى حقيقة لا خلاف فيها))، ومضى يورد الشواهد على صحة ما يقول[3].
وبالرجوع إلى ما كتبه د. مندور فى هذه النقطة ألفيناه فعلاً يبدى استغرابه لخلوّ كتاب ((الوسيلة)) من أى تأثير للثقافة الفرنسية وآدابها على فكر مؤلّفه، لكننا ألفيناه أيضاً يعقّب بأنه، رغم صدق ملاحظاته فى هذا السبيل، لا يستطيع أن يستند إليها لينكر إمكان تعلم الشيخ المرصفى للُّغة الفرنسية وإتقانها، وذلك بحكم ما لاحظه فى دراسته لأدباء العرب المحدَثين من قلة تأثرهم بآداب اللغات التى يحسنونها، لأن مثل هذا التأثر يحتاج غلى التعمق فى دراسة تلك الآداب لا مجرد معرفة لغاتها[4]. وإذن فقد أجهد الأستاذ محمد عبد الغنى حسن نفسه فى غير موجب للإجهاد، إذ إن مندور لم ينكر تعلم المرصفى للسان الفرنسيين، بل كل ما هنالك أنه عبَّر عن دهشته لخلو كتاب ((الوسيلة)) من تأثيرات الأدب والنقد الفرنسى، وهذا غير ذاك.
وقد خلَّف لنا الشيخ حسين المرصفى بعضا من الكتب على رأسها ((الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية))، ثم ((رسالة الكلم الثمان))، التى أُعيد طبعها فى مصر فى صيف عام 2002م[5]، والتى يتحدث فيها بشىء من الاستفاضة عن بعض المصطلحات والمفاهيم السياسية والوطنية التى كانت غَضَّةً على آذان أهل عصره مثل ((الأمة والوطن والحكومة والحرية)) وما إلى ذلك، ثم كتاب ((دليل المسترشد فى فن الإنشاء)) فى ثلاثة مجلدات تقرب صفحاتها من الألف لم يُطْبَع شىء منها حتى الآن، ثم كتاب ((زهرة الرسائل))[6]، فضلاً عن أن هناك، فيما يبدو من كلام د. محمد حافظ دياب فى مقدمة ((رسالة الكلم الثمان))، كتاباً آخر عنوانه ((طريق الهجاء والتمرين على القراءة فى اللغة العربية))، وهو يشتمل على أربعة وعشرين موضوعاً فى مسائل علمية مختلفة فى الجغرافية والأحياء والطبيعة والفلك وما إلى ذلك[7].
ويدل عنوان كتاب ((الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية)) على موضوعاته، فقد تكلم فيه مؤلفه عن الأدب ومعناه، ثم انتقل إلى الحديث عن اللغة وفقهها، وتناول بعد ذلك مباحث علم الصرف وقواعده، ألمَّ بعلم الأصوات إلماماً سريعاً، وطاف بموضوعات علم النحو حسب تقسيم خاص به يقف عند خطوطه الرئيسية فحسب دون الإغراق فى التفصيلات، وهذا فى الجزء الأول من الكتاب، ويبلغ مائتين وخمس عشرة صفحة. أما فى الجزء الثانى، ويصل عدد صفحاته إلى سبعمائة وثلاث، فيتحدث عن فنون البلاغة من بيان ومعانٍ وبديع، ليدخل بعدها فى بعض المسائل الخاصة بالإملاء ككتابة الهمزة وزيادة بعض الحروف فى الخطّ أو نقصانها، وكذلك بعض النصائح والتوجيهات التى تهمّ من يريد إعداد نفسه ليكون كاتباً، ثم يقفىّ على ذلك بإيراد عدد غير قليل من الأمثال العربية والقصائد التى نظمها مشاهير الشعراء. وهنا نراه ينقل فصولاً من ((مقدمة ابن خلدون)) عن صناعة الشعر ووجه تعلُّمه، يُتْبِعها بتقسيم شعراء العرب منذ الجاهلية حتى وقته إلى طبقات ثلاث، ثم يتناول بعد ذلك عدة قضايا نقدية كبراعة الاستهلال والأدعية التى جرت عادة السلف باستعمالها فى مكتباتهم، ليختم كتابه بنماذج من الرسائل الديوانية التى حبَّرتْها يراعة مشاهير الكتّاب العرب من عصر النبى عليه السلام إلى عصره هو.
وقد نقل المرصفى كثيرا جدا من كُتُب فحول النقّاد والكتّاب ودواوين الشعراء، لكنه أضاف من عنده الكثير، وبخاصة فى النقد التطبيقى، فضلا عن أنه قد يستدرك على هذا الناقد أو ذاك فيما لا يوافقه عليه من آرائه. وممن نقل عنهم من النقاد ابنُ الأثير وقُدَامة بن جعفر وأبو هلال العسكرى وابن خلدون والقلقشندى، فبعث بذلك جانبا كبيرا من التراث النقدى الذى تركه لنا أولئك الفحول وأضرابهم ووَصَل قراءَ عصره بنتاج العصور الزاهرة من الحضارة العربية فى ميدان الأدب والنقد. وأسلوب المرصفى أسلوب مترسل يمتاز بالقوة والجزالة، وتظهر فيه ثقة مؤلفه بثقافته وأحكامه على نحو طبيعى تماماً.
ويقول المرحوم محمد عبد الغنى حسن إن هدف المرصفى من ((الوسيلة الأدبية))، فيما يخيل إليه، هو ((أن يجعل منها موسوعة أدبية واسعة الأطراف))[8]. وهذا صحيح، ويمكننا أيضا أن نقول إنه، بهذا الكتاب. قد وضع تحت يد القارى الوسائل التى تعينه على فهم العمل الأدبى وتذوقه وتقويمه، هذه الوسائل التى استعان هو نفسه بها عندما تناول بعض النصوص بالنقد كما سيجىء فى موضعه من هذا الفصل إن شاء الله.
ويتصل بذلك ما قاله الشاعر محمود سامى البارودى من أنه لم يقرأ كتابا فى أى فن من فنون العربية إلى أن بلغ سنَّ التعقل وظهر ميله إلى الشعر فكان يستمع إلى من له دراية به وهو يقرأ الأشعار حتى تصوَّرَ فى برهة يسيرة (وهذا نص كلامه) هيئات التراكيب العربية ومواقع المرفوعات والمنصوبات والمجرورات حسبما تقتضيه المعانى فصار يقرأ ولا يكاد يلحن.. إلخ[9]. والواقع أن فى النفس من هذا الكلام شيئا رغم أن أيا ممن استشهدوا به لم يُبْدِ عليه أى تحفّظ. يستوى فى ذلك العقاد[10] وعمر الدسوقى[11] ود. محمد مندور ود. عبد الحى دياب[12] ود. عبد العزيز الدسوقى ومحمد عبد الغنى حسن، وإن كان العقاد ود. الدسوقى قد استغربا أو استبعدا أن يتم هذا الأمر فى ((برهة يسيرة)) فعقَّبا على هذه العبارة بين قوسين بكلمة ((هكذا))، أى ((هكذا وردت عند المرصفى رغم غرابتها))[13]. ونحب أن نَلْفِت الانتباه هنا إلى أن كلمة ((برهة)) لا تعنى ما يتوهمه كثير من المعاصرين من أنها ((لحظة أو لحظات قلائل)) بل معناها ((الزمن (الطويل)))، فكأن المرصفى يريد ان يقول إنه لم يستغرق زمنا طويلاً فى تعلمها لا أنه أتقنها فى ثوان معدودات.
أيا ما يكن فإن فى النفس (كما قلت) من هذا الأمر شيئا. إن من السهل انطباع صور التراكيب فى الذهن من كثرة القراءة والاستماع للشعر، أما معرفة الإعراب والاشتقاق فلا أظن. ذلك أنهما، على عكس القوالب التركيبية، يحتاجان إلى تفكير طويل لما فيمها من اتساع وتعقيد ولعدم جريهما على أصول المنطلق دائما، وبخاصة أن الكلمة الواحدة كثيرا ما تقبل إعرابات متعددة حسب اختلاف توجيهاتها وأن اشتقاق كل لفظة يحتاج إلى مراعاة عدد من الشروط، وأن المتعلم، فور انصرافه عن الديوان الذى يقرؤه أو يستمع إلى من يقرؤه أمامه، يجد اللهجة العامية التى لا علاقة لها بالإعراب والاشتقاق الفصيح من قريب أو بعيد تحاصر سمعه وعقله من كل الجهات. ثم كيف نصدّق أن البارودى لم يتلقَّ فى صغره أى تعليم نحوى لا فى المدرسة ولا فى دروس البيت، وبخاصة أنه كان له خالٌ شاعرٌ افتخر به فى بعض قصائده؟ إن هذا لو صحَّ، لغريب بل لشاذٌ أشد الشذوذ! وِلمَ نذهب بعيدا، وها هو ذا المرصفى نفسه، بعد أن يذكر لنا أن الطريقة التى كان يتبعها القدماء فى تعليم طلابهم هى قراءة الأشعار والخطب والمحاورات عليهم وتحفيظها لهم (وهى نفس الطريقة التى كان يجرى عليها البارودى حسبما قال)، يسارع فيعقب قائلا إن ((ذلك لم يكن كافيا للضبط المطلوب لما فيه من الاعتماد على الحافظة التى هى عرضة لتغيرات حوادث الأيام فجهدوا فى وضع القواعد. وابتداء ذلك... لأمير المؤمنين علىًّ كرم الله وجهه، واستعمل أبا الأسود الدؤلى فى البناء على ما أسس له فعمل ما يسَّر الله له، ثم أخذ الناس فى تتميم ذلك مثل أبى عمرو وعبد الملك الأصمعى، حتى وضع عمرو بن بِشْر المشهور بسيبويه كتابه.. فأقبل الناس على قراءته وشرحه وبيان معانيه، ومع ذلك لم يتركوا الحال الأولى بل جمعوا بين معرفة القواعد وحفظها واستعمالها وقراءة دواوين العرب ومحاوراتهم))[14]. فإذا كان هذا هو الذى كان يقع أيام عزّ العربية، فكيف يُتَصَوَّر خلافه على عهد البارودى حيث كان المجتمع المصرى والعربى فى بداية تململه من التخلف الأدبى واللغوى الذى كان ضاربا أطنابه فى كل مكان ومتغلغلا فى كل شق؟
إنما قصد المرصفى، فيما أحسب، أن البارودى، حينما شعر بدبيب الموهبة الشعرية فى نفسه، لم يجعل باله إلى مراجعة القواعد النحوية والصرفية التى كان قد درسها صغيراً أو معاودة حفظها بل أقبل على النصوص الشعرية القديمة يستمع إليها ممن يتقن قراءتها فحركت ما كان غافيا فى ذاكرته من تلك القواعد، خاصة أنه إنما كان يريد أن يكون شاعرا لا نحويا يحيط بالتفاصيل والدقائق النحوية والصرفية لذاتها حتى لو لم يستعملها كما هو الحاصل فى أيمانا هذه، إذ نجد الطلاب يحفظون القواعد عن ظهر قلب، لكنهم لا يستطيعون أن يلفظوا أو يكتبوا جملة واحدة صحيحة، بل تعجز الغالبية منهم عن مجرد الإعراب. وإلى شىء يشبه هذا الذى نقول أشار المرصفى حين ذكر بعد أسطر قليلة أن الناس قد جَرَوا على الجمع بين حفظ النصوص الشعرية والنثرية ودراسة قواعد النحو والصرف ((حتى بلغ العلم قُوَّته، ثم أخذ الناس فى الاقتصار على معرفة بعض القواعد دون استعمال، ونظروا إلى الآلات[15] نَظَرَ المقاصد[16]، فصارت علومهم بمنزلة حبوب تُحْزَن فى أماكن صالحة لذلك أو غير صالحة حتى تصير ترابا وينقلب بعضها حشراتٍ وهوامَّ بشعة المناظر رديئة الأعمال مؤذية بلدغها ونتن رائحتها))[17].
أقول هذا حتى لا يظن ظانّ أن الأديب يستطيع اكتساب الأسلوب السليم من مجرد قراءة روائع النصوص الشعرية والنثرية. إن من شأن ذلك إكسابه روح الأسلوب، أى المقدرة على تركيب الكلام على الطريقة العربية، أم صحة الأسلوب فلا بد لها، فى رأيى، من دراسة القواعد، وإن لم يَعْنِ هذا بالضرورة العكوفَ على المبسوطات وكُتُب الخلاف النحوية والصرفية التى يَفْرُغ لها المتخصصون المنقطعون لهذا اللون من الدراسة. ولو كان الأمر بالسهولة التى توحى بها كلمة المرصفى لما رأينا هذا العجز الشائن عن مجرد النطق الصحيح لدى خريجى الجامعات بل لدى معظم أساتذتها بما فيهم أحيانا أساتذة أقسام اللغة العربية فى كليات الآداب ودار العلوم والأزهر. لقد بُحَّتْ حناجرنا فى تعليم طلابنا وتوجيههم، سواء فى مرحلة الليسانس أو فى مرحلة الدراسات العليا (ودعنا مما تَلَقَّوْه من دروس فى القواعد فى المراحل المدرسية المختلفة)، ومع ذلك كله فالنتائج غير مشجّعة، والأخطاء تؤذى العين وتُقْذِى النفس وتملؤها تشاؤماً. فكيف يصدّق الإنسان بتلك البساطة ما يوحى به ظاهر كلام المرصفى رحمة الله؟ إن أمثال البارودى جديرون أن يتعلموا اللغة أسرع من غيرهم، وبمجهود أقل من المجهود الذى يبذله سواهم، ويتقنونها فى نهاية المطاف أفضل مما يتقنها الآخرون، إلا أن هذا شىء، والقول بأنه قد تعلم نحو العربية وصرفها من مجرد سماع الأشعار القديمة شىء آخر. ولو كان الأمر كذلك فلم يا ترى اهتم المرصفى نفسه بأن يشتمل كتابه هذا على قواعد النحو والصرف والعروض والقافية والبلاغة إذا كان الأديب يستطيع أن يعرف هذه العلوم من مجرد قراءة النصوص الشعرية والنثرية؟
هذا وقد وهم الدكتور محمد مندور فظن أن الشيخ المرصفى، فى نصحه لشُدَاة الشعر أن يحفظوا أكثر ما يستطيعون حفظه من الشعر الجزل القديم ثم يَنْسَوْه بعد ذلك حتى لا يظلوا عبيدا له فيصبح شعرهم ترقيعا من الذاكرة بدلا من أن يكون شعر حياة ومعاناة (وهذه عبارة مندور نفسه)، إنما كان يصدر عن رأى خاص به لم يسبقه إليه سابق، حتى لقد قارن بين رأيه هذا ورأى مشابهٍ لجورج دوهاميل الأديب والناقد الفرنسى الشهير[18]. وقد هبَّ محمد عبد الغنى حسن من قَبْلُ ينبِّه إلى هذا الوهم موضحا أن المرصفى لم يأت بهذه النصيحة من عنده بل أخذها عن ((مقدمة ابن خلدون))، وهذا نصّها: ((اعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته شروطاً أوّلها الحفظ من جنسه، أى من جنس شعر العرب، حتى تنشأ فى النفس مَلَكَة ينسج على منوالها. ويتخيَّر المحفوظ من الحرّ النقىَ الكثير الأساليب، وهذا المحفوظ المختار أقلّ ما يكفى فيه شعر شاعر من الفحول الإسلاميين مثل ابن أبى ربيعة وكُثَيَّر وذى الرُّمّة وجرير وأبى نواس وحبيب والبحترى والرضىّ وأبى نواس، وأكثره شعر كِتَاب ((الأغانى)) لأنه جمع شعر أهل الطبقة الإسلامية كله والمختار من شعر الجاهلية. ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر ردىء، ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ. فمن قلَّ حِفْظُه أو عُدِم لم يكن له شعر، وإنما هو نظمٌ ساقط، واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ. ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يُقْبل على النظم، وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسُخ. وربما يقال إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ لتُحْمَى رسومه الحرفية الظاهرة، إذ هى صادرة عن استعمالها بعينها. فإذا نسيها وقد تكيَّفت النفس بها انتعش الأسلوب فيها كأنه منوال يأخذ بالنسج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورة))[19].
وقد رجعتُ إلى ((مقدمة ابن خلدون)) فألفيت هذه الفقرة موجودة بحرفها فيه[20]، بل إن الشيخ المرصفى قد ذكر هذا بصريح القول بما لا يدع فرصة للخطإ، إذ قال قبلها بصفحات معدودات إنه سينقل عن ابن خلدون الفصل الخاص بالشعر وكيفية تعلُّمه، ولم يكتف بذلك بل استخدم لهذا الفصل نفس العنوان الذى فى كتاب ابن خلدون، وهو ((فَصْل فى صناعة الشعر ووجه تعلّمه))[21]. كما أن المرصفى، بعد انتهاء حديثه عن صناعة الشعر والطريقة التى من شأنها أن توصل الشاعر المبتدىء إلى إجادة النظم، قد وردت فى كلامه عبارة: ((وقال ابن خلدون أيضاً...:))[22] بما يعضّد أن الكلام السابق إنما هو لابن خلدون لا له. ورغم ذلك فلا بد من القول إن كتاب ((الوسيلة)) كتاب شديد الضخامة، والقراءة فيه ليست فى سهولة قراءة الكتب الحالية، فهو غير مقسم إلى فقرات، ويخلو من علامات الترقيم تماماً، وكثيرا ما يقارب الطبّاع بين الكلمتين المتجاورتين حتى لَيظنّها القارىء كلمة واحدة، بل أحياناً ما يكاد نصف الكلمة الأولى يلتصق بالكلمة السابقة، ونصفها الثانى بالكلمة اللاحقة مما يزيد القراءة إرهاقا إلى إرهاق. كذلك لست أحسب الدكتور مندور ولا غيره ممن درسوا الكتاب قد قرأوا الكتاب صفحة صفحة وكلمة كلمة، فهو كتاب (كما قلت) ضخم، كما أن معظمه نُقولٌ عن النقاد رَبط المرصفى بعضها ببعض، وكثيرا ما تطول النقول حتى لينسى القارىء أنها منقولة. ومن هنا فمن السهل على مثل الدكتور مندور، الذى يقوم فى بالى، من شواهد كثيرة عندى، أنه لم يكن بالمدقق ولا بالصَّبُور فى تحقيق ما يقرأ، أن يقع فى مثل هذا الوهم، وبخاصة مع الصعوبات التى أومأتُ إليها.
ورغم هذا فقد يمكن إيجاد وجه لوهم الدكتور مندور إذا قلنا إن المرصفى ما دام قد أورد كلام ابن خلدون فى هذه القضية فمعنى ذلك أنه يرافئه عليه ويرى نفس الرأى، فكأنه حين نقل ما نقل عن ((أبى علم الاجتماع)) إنما كان، بمعنى من المعانى، يعبّر عن رأيه هو، ومن ثم ساغت مقارنة مندور له بجورج دوهامل، تلك المقارنة التى أنكرها الأستاذ محمد عبد الغنى حسن وقال إنها كان ينبغى أن تكون بين ابن خلدون (لا المرصفى) وبين الكاتب الفرنسى[23].
على أن الموضوع لـــــمَّا ينته، فهذا الرأى الذى أبداه ابن خلدون فى كيفية التوصل إلى صقل الموهبة الشعرية وبلوغ مرتبة البراعة فى ميدان القصيد هو رأى معروف عن العرب من قبل بزمن طويل، فقد ألزم مثلا خلفٌ الأحمر تلميذَه أبا نواس ألا يحاول نظم الشعر إلا بعد أن يحفظ ألفا من مأثور العرب الشعرى ما بين أرجوزة وقصيدة ومقطوعة، ثم لما حفظ النواسىّ ذلك وعاد إليه وتأكد الأستاذ أن التلميذ قد صنع ما أمره به أصرَّ على ألا يحاول النظم إلا بعد أن ينسى هذه الألف[24]. ولست أظن ان أبا نواس هو أول من فعل هذا من الشعراء المبتدئين، بل هو ظاهر حتى عند الجاهليين حيث نجد شعرهم أصداءً جَلِيَّة من أشعار سابقيهم متمثلة فى عبارة أو صورة أو تركيب أو قالبٍ موسيقى... وهلم جرا. ومعروف أنه كان لكل شاعر جاهلى راويةٌ شاعر يحفظ أشعاره ويذيعها فى الناس، وهو ما يحقق نصيحة خلف لأبى نواس تحقيقا علميا دون الاهتمام بأى تأسيس نظرى. أما اعتراض د. محمد مندور على عبارة ((وربَّما يقال إن من شروطه نسيان المحفوظ... إلخ)) بقوله إنه ((كان الأجدر به (أى بالمرصفى) أن يحذف حرف الاحتمال من هذا المبدإ... لأنه من الضرورى أن يتحلل كل إنتاج شعرى أصيل من الذاكرة لكى يصبح شعر حياة))[25]، فينبغى أن يُفْهَم الآن فى سياقه السليم، فهذا الكلام (كما وضحنا) ليس للمرصفى، بل إنى لأعتقد اعتقادا جازما أن ابن خلدون ليس هو أيضاً صاحبه بل أدّاه بأسلوبه هو، وأن عبارة ((وربما يقال)) إنما تعنى أن هذا هو شرط بعض الأدباء والنقاد لا كلّهم. أريد أن أقول فى نهاية المطاف إن المرصفى، فى رأيه هذا الذى أخذت مناقشته منا الصفحات الماضية، إنما كان متابعا لما قال كبار النقاد العرب القدماء.

ومن القضايا التى ينبغى تمحيصها فى هذا الفصل أيضاً ما قاله الأستاذ محمد عبد الغنى حسن من أن المرصفى، بمراعاته التسلسل الزمنى فى تقسيمه لطبقات الشعراء العرب، قد سبق المستشرق الألمانى بروكلمان والأستاذ حسن توفيق العدل وجورجى زيدان وأحمد حسن الزيات وغيرهم فى مراعاة تسلسل العصور من الجاهلية إلى الإسلام فما بعده، إذ إنه، كما يقول كاتبنا، ((قسَّم أولئك الشعراء إلى طبقات ثلاث: الطبقة الأولى للعرب جاهليين وإسلاميين من المهلهل إلى بشار بن برد، والثانية للمُحْدَثين الذين كانوا يحرصون على موافقة العرب ويجتهدون فى سلوك طرائقهم من أبى نواس إلى مَنْ قَبْلَ عبد الرحيم المعروف بالقاضى الفاضل، والثالثة للشعراء الذين غلب عليهم استعمال النّكات والإفراط فى مراعاة البديع، وهم من القاضى الفاضل إلى هذا الوقت))[26].
والأستاذ حسن من الكتاب المحققين المدققين، وإذا كتب فى موضوع ما فإنه يظل ينقَّب فى الكتب حتى يحيط به أو يكاد، ومع هذا فهو، مثلنا كلنا، بشر من البشر تفوته أشياء، ومن ذلك ما قاله هنا، فإن ابن سلام مثلاً فى كتابه ((طبقات الشعراء)) قد قسَّم الشعراء الذين ترجم لهم إلى جاهليين فإسلاميين، وصنيعه هذا يدل على أنه قد راعى الاعتبار الزَّمنى قبل المرصفى بقرونٍ طوال[27]، ومثله ابن قتيبة فى كتابه ((العشر والشعراء))، الذى رتب فيه من ترجم لهم من الشعراء، وعِدادُهم مائتان وسته، ترتيبا زمنيا بوجه عام بادئا بأقدم الشعراء الجاهليين مروراً بشعراء صدر الإسلام فشعراء بنى أمية فشعراء بنى العباس إلى أن بلغ شعراء عصره منتهيا بأشجع السُّلَمىّ[28]. وبين ابن قتيبة والمرصفى نفس ما بينه وبين ابن سلام تقريبا من الزمن، إذ توفى فى السبعينات من نفس القرن الذى مات فيه ابن سلام. وهذان مثالان اثنان فحسب.
كذلك جعل د. عبد العزيز الدسوقى المرصفى أيضاً من الأوائل فى ترتيبه لطبقات الشعراء، ولكنْ باعتبار آخر، إذ رأى أن المرصفى قد قسَّم طبقاته لا على أساسٍ زمنى بل على أساس الفنون التى يتناولها أولئك الشعراء. وهو لا يقصد بالفنون الموضوعات التى ينظمون فيها (كما نقول: فن الغزل، وفن الهجاء، وفن الرثاء... إلخ)، بل يقصد الاتجاه الفنى الذى يشتهر به شاعر ما أو جماعة من الشعراء: فالطبقة الأولى، وهى طبقة الجاهليين والإسلاميين من أول المهلهل إلى بشار، اشتهرت بحكاية الواقع وخفوت صوت الصنعة فى أشعارهم، ومن ثم قيل لشعرهم إنه مطبوع، ولشعر المتأخرين إنه مصنوع. والطبقة الثانية هى طبعة المحْدَثين الذين كانوا يحرصون على موافقة العرب ويجتهدون فى سلوك طرائقهم من أبى نواس إلى ما قبل القاضى الفاضل بقليل. والثالثة هى طبقة الشعراء الذين أسرفوا فى مراعاة النكات البديعة من القاضى الفاضل إلى وقت المرصفى[29].
وقد فات د. الدسوقى أن الأساس الزمنى مراعىً تماما فى هذا التقسيم كما هو واضح، وإنْ مَشَى جَنْباً إلى جنب مع تقسيم أولئك الشعراء حسب خفوت الصنعة فى شعرهم أو علوّ صوتها، وهو نفس ما فعله بعد ذلك شيخ مؤرخى الأدب العربى د. شوقى ضيف فى كتابه ((الفن ومذاهبه فى الشعر العربى))، إذ أَصْلُ النظرية عند الاثنين هو أن الأدب العربى كان، كلما تقدم به الزمن، يزداد صنعة وتعقيداً. وعلى هذا فلا تعارض بين الاعتبار الزمنى والفنى عند المرصفى على عكس ما قال د. الدسوقى فى كتابه القيّم. وشىء آخر أودّ أن أعيد لفت الأنظار إليه، وهو أن عبارة د. الدسوقى التى قال فيها إن المرصفى قد ((قسَّم الشعراء إلى ثلاث طبقات، لا بناءً على الزمن، بل بالنسبة للفنون التى يتناولونها)) هى عبارة غير دقيقة، ومن الممكن أن تُوِهم المتعجِّل معنىً آخر غير الذى يريد، وهو ما وضّحتُه آنفا. وبالمناسبة فقد صنف المرصفى الكتَّاب كذلك طبقات كما فعل مع الشعراء، وعلى نفس الأساس أيضاً، إذ جعله طبقات ثلاثا حسب الاعتبار الزمنى والتطور من الترسُّل البسيط إلى السجع المثقل بنكات البديع. وكان الذى لفته إلى ذلك التقسيم فصلاً فى ((مقدمة ابن خلدون)) أشار فيه صاحبها إلى ذلك التطوُّر إشارة لا تخلو من تفصيل[30].
وحتى الآراء والأحكام التى يقوِّم بها المرصفى شعر هذا الشاعر أو ذاك هى فى الغالب آراء القدماء وأحكامهم أو تجرى على الأقل فى ركابهم، وهو نفسه يشير إلى هذا أحيانا. وهذه أمثلة على ما نقول: ((اتفقت كلمة العلماء على أن أول من جوّد الشعر وأطال القصائد وجعلها مشتملة على أصناف من المعانى هو امرؤ القيس))[31]، و ((قَيْدُ الأوابد))... استعارة معدودة من حسنات امرىء القيس))[32]، ((وقد قالت العلماء إن الفرزدق يَنْحِت من صخر، وجريرا يغترف من بحر))[33]، ((و... الخمريات... فنّه (أى فن أبى نواس) الذى تميَّز به وفتح للشعراء بابه))[34]. إذن فالمرصفى هنا أيضاً كان يجرى فى مضمار خيل القدامى، ولا عيب عليه فى ذلك، إذ يكفى أنه أعاد الصلة بنقد الفحول من القدماء ونَقَلَ عنهم كثيرا مما كتبوه فأحيا النقد بهذه الطريقة مثلما أحيا محمود سامى البارودى الشعر بالنسج على منوال فحول الشعراء الأقدمين. وبالمناسبة فكثير من آراء المرصفى وأحكامه موجزة وعامة ولا تدخل فى التفصيلات.
ومن الأوَّليات التى أثبتها بعض الدارسين لكتاب ((الوسيلة الأدبية)) وصاحبه ما قاله د. محمد مندور من أن الشيخ المرصفى قد ((اهتدى بفطرته السليمة إلى بعض ما تردَّى فيه بعض نقاد العرب القدماء مثل قُدامة بن جعفر عندما عرَّف الشعر فى كتابه ((نقد الشعر)) بقوله إنه ((الكلام الموزون المقفى))، وجاراه فى هذا التعريف جميعُ من خَلَفه، على حين نرى الشيخ حسين المرصفى بفطرته الأدبية السليمة يقول: ((وقَوْلُ العروضيين فى حد الشعر إنه الكلام الموزون المقفَّى ليس بحدّ لهذا الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة، فلا جَرَمَ أنّ حدَّهم ذاك لا يصلح له عندنا، فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية، فنقول: إن الشعر هو الكلام البليغ المبنىّ على الاستعارة والأوصاف، المفصَّل بأجزاءٍ متفقة فى الوزن والروىّ مستقلٍّ كل جزء منها فى غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجارى على أساليب العرب المخصوصة به)). ويكفيه فخرا فى هذا التعريف أنه فطن إلى خاصة أساسية تميز الأدب عامة والشعر خاصة عن غيره من الكتابات، وهى التصوير البيانى بدلا من التقرير الجافّ))[35].
وقد ردّ على هذه الدعوى الأستاذ محمد عبد الغنى حسن قائلا بحقّ إن المرصفى قد نقل هذا التعريف عن ((مقدمة ابن خلدون))[36]، ونَصَّ كعادته على ذلك بدءاً من الصفحة 463 من الجزء الثانى. بل زاد الأستاذ حسن على هذا أن ابن خلدون ليس هو وحده الذى خرج على ذلك التعريف العروضى للشعر، إذ سبقه ابن حازم القرطاجى حين عرّفه قائلا إن ((الشعر كلامٌ موزونٌ مقفَّى من شأنه أن يحبِّب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها ويكرَّه إليها ما قصد تكريهه لتُحْمَل بذلك على طلبه أو الهرب منه، بما يتضمن من حسن تخييل له ومحاكاة مستقلة بنفسها أو مقصودة بحسن هيئة تأليف الكلام أو قوة صدقه أو قوة شهرته أو بمجموع ذلك. وكل ذلك يتأكد بما يقترن به من إغراب، فإن الاستغراب والتعجب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية قَوِىَ انفعالها وتأثرها))، فتفطَّنَ بذلك ((إلى ما فى الشعر من عنصر الانفعال والتأثير وقوة التخيل، بالإضافة إلى ما فيه من حسن التصوير البيانى))[37]. وهكذا يكون الفرق بين قراءة المتخطف العجلان وقراءة الممحِّص المتأنى! ويمكننا أن نضيف إلى ما قاله الأستاذ حَسَن تعريف الجاحظ[38] مثلا للشعر، الذى ركزَّ فيه على الصياغة والصورة مؤكدا أن الشأن كل الشأن هو ((فى إقامة الوزن وتخيّر اللفظ وسهولة المَخْرَج وكثرة الماء، وفى صحة الطبع وجودة السَّبْك، فإنما الشعر صناعة وضربٌ من النسج، وجنسٌ من التصوير))[39] بما يفيد التفاته إلى عنصر الصُّورة فى الشعر والاهتمام بصياغة العبارة لإخراجها فى معرضٍ خلَّاب بحيث لا تدل على المعنى فقط بل تثير النفس وتستفز مشاعر الإعجاب. وبالنسبة لبناء القصيدة عند المرصفى نراه يكرر ما قاله النقاد القدماء من أنه ينبغى على الشاعر أن يحرص على استقلال كل بيت فيها عما قبله وعما بعده، اللهم إلا إذا اضْطُرَّ اضطرارا إلى أن يربط بين البيت والذى يليه بأن كان المعنى مثلا يستلزم ذلك، كما ينبغى أن يُوَطِّىء للخروج من موضوع إلى آخر بما يجعله غير ملحوظ، وذلك بتوفير التناسب بينهما كما هو الحال فى الانتقال من التشبيب مثلا إلى المدح، ومن وصف البيداء والطلول إلى وصف الكراب والخيول، ومن وصف الممدوح إلى وصف قومه... وهكذا، مع مراعاة وحدة الوزن والقافية[40]. وهذا الكلام مأخوذ من ((مقدمة ابن خلدون))[41]، وقد ظنه د. محمد مندور، خطأ، رأيا خاصا بالمرصفى وعابه عليه قائلاً إن الشيخ ((لا يزال يُقِرّ أن للبيت مثلا وحدة شعرية مستقلة بذاتها))[42]. وهو، بهذا الحكم الأخير، يبدو وكأنه يردّ على نفسه ويتراجع عما أثنى به على المرصفى حين نبَّه إلى تعليقه على إحدى قصائد البارودى بــــــ ((أنك لا تجد بيتا يصح أن يُقّدَّم أو يؤخَّر، ولا بيتين يمكن أن يكون بينهما ثالث)) قائلاً إننا ((نحسّ فى هذه العبارات بشىء يعتبر جديدا كل الجدة فى عصر الشيخ حسين، وهذا الشىء هو حديثه عن نسق القصيدة وأنك لا تجد بيتا يصح أن يُقَدَّم أو يؤخَّر، ولا بيتين يمكن أن يكون بينهما ثالث. فمثل هذا النقد لم نسمع به فى نقدنا الأدبى المعاصر إلا بعد ذلك بما يقرب من نصف قرن عندما رأينا الأستاذين العقاد والمازنى يطالبان، متأثرَيْن بالشعر الغربى، بوحدة القصيدة العضوية وتنسيق تصميمها حتى رأينا الأستاذ العقاد ينقد قصيدة شوقى فى رثاء الزعيم مصطفى كامل نقدا لاذعاً ويستخدم فى هذا النقد تفكك القصيدة وانعدام النسق فيها بحيث استطاع الناقد أن يقدم ويؤخر كيفما شاء من أبيات القصيدة دون أن يضطرب فيها معنى أو إحساس أو صورة))[43].
ولقد فات الدكتور مندور أن المرصفى، قبيل دخوله فى الكلام عن ترابط أبيات البارودى، لم ينس أن يؤكد أن من أسباب نفاسة تلك الأبيات (التى سمّاها جواهر) انفراد كل جوهرة (أى كل بيت) منها بظَرْفٍ، أى استقلال كل بيت عن صاحبه. كما فاته أنه لا تناقض بين الأمرين، إذ يمكن أن يكون كل بيت مستقلا عن متقدمه وتاليه استقلالاً لغويا، على حين أن معنييهما مترابطان. وثالثاً فإن هذا الترابط عند المرصفى لا ينافى أن تحتوى القصيدة على عدة موضوعات من وقوف على الأطلال ورحلة فى الصحراء وثناء على الممدوح... إلخ، إذ حَسْبُ الشاعر أن يكون انتقاله من موضوع إلى آخر انتقالاً لطيفا لا يُحَسّ وهذا يسلمنا إلى النقطة الرابعة، وهى أن الوحدة العضوية (بهذا المعنى) قد عرفها العرب، ودعا إليها بصريح القول الحاتمىّ (من نقاد القرن الرابع الهجرى) على ما سوف نبين فى الفصل الخاص بــــــ ((مدرسة الديوان)) من هذا الكتاب، مما يدل على أن الدعوة إلى هذه الوحدة ليست مستعارة من النقد الأوربى، أو على الأقل ليست مستعارةً بتمامها منه، وهذه هى الملاحظة الخامسة التى أود أن أنبه إليها فى كلام د. مندور.
وفى نقده التطبيقى للشعر يهتم المرصفى بشرح ما يراه من الألفاظ والعبارات محتاجاً إلى شرح ناثراً أبيات القصيدة، ناصاً على ضبط بعض الكلمات واشتقاقاتها، مبدياً استحسانه لما يعجبه من الأبيات والصُّورَ، مورداً الحكايات الأدبية التى تتعلق بالقصيدة أو صاحبها وتساعد من ثم على فهمها، وقد يوازن بين القصيدة التى يكون بصددها وقصيدة أخرى لها بها مشابَهة، كما قد يتوجه إلى القارىء بالكلام شأن النقاد القدماء. ويقابل القارىءَ خلال ذلك إعرابٌ لبعض الكلمات والجمل وتحليل لبعض الصور البلاغية على الطريقة المدرسية. وهذا مثال على ما نقول، وهو تحليله لقصيدة امرىء القيس:
خليلىَّ، مُرَّا لى على أم جُنْدُبِ = لنقضِى لُباناتِ الفؤاد المعذَّبِ
قال، رحمه الله، بعد أن أثبت نص القصيدة: ((وهذا الشعر محتاج إلى الشرح والضبط لتحصيل الفائدة بحفظه فنقول: قوله: ((خليلىَّ...))، اللُّبانات (جمع لُبَانة، بضم اللام): ما يتشهاه الإنسان بعد الحوائج الأصلية. وقوله: ((ألم تريانى...؟)) يتعلق به حكاية تعرف منها المفاضلة بين الشاعرين. يُحْكَى أن كُتَيِّر عَزّة لما قال:
فما روضةٌ بالحَزْن غِبَّ سمائها = يمجّ النــــــدى جثـــــجاثُها وعَـــــــرارُها
بأطيبَ من أردان عزة مَوْهِنَا = وقد أُوِقدَتْ بالمندل الرطب نارُها
جاءته عجوز ومعها رَوْثة عليها نار فيها عُودٌ هندى وقالت له: لم تزد فى صِفَة عزة على هذه! ألا قلت كما قال امرؤ القيس:
ألم تريانى كلما جئتُ طارقا = وجدتُ بها طيبا وإن لم تَطَيَّبِ
وَصَفها بأنّ طيبها من ذاتها، وكثيّر جعل طيبها من غيرها، وكل شىء يُطَيَّب بالطيب تَطِيب رائحته، والفضل للطيب لا للشىء. وقوله: ((عقيلة أتراب...))، العقيلة: الكريمة عَقَلها أهلها ومنعوها من التبذل لجمالها. والأتراب: جمع تِرْب، وهو المساوى فى العمر. مأخوذ من التراب لأنهما جاءا من تراب واحد. و ((اللَّدَة)) مِثْله لأنهما وُلِدا معا. والجانب: المتجنَّب المحقور أو الغليظ القصير. وقوله: ((أقامت...)) تفصيل لقوله: ((وكيف تراعى...؟)) وصلةُ المتغيب. يقول: هل بَقِيَتْ على ما نعهد أو تغيرتْ بتغيير الـــمُفْسد؟ وهو ((المخبَّب)) من التخبيب، وهو إفساد عبد الرجل عليه أو امرأته. وقوله: ((فإن تنأ...)) رجوع منه إلى معروفه من أخلاقها بعد استفهام التجاهل، فهو يقول: فإن تَغِبْ عنها مدة فإنه لا يخفى عليك أمرها ولا ما تصير إليه، فأنت منه بموضع التجريب. فالمجرَّب: اسم مكان فى زِنَه اسم المفعول كما هو شأنه من غير الثلاثى، وبَيّن تجنيها وتخشين القول له المنبىء عن التغير فى قوله: ((وقالت: متى يبخل عليك...)). وتَدْرَب: من الدُّرْبة، وهى العادة. دَرِبَ فى الأمر: اعتاده ومَرَنَ عليه. فهى تقول له: إنك طموع لا تقف عند حد. وقوله: ((تَبَصَّرْ خليلى...))، الظعينة: الجمل عليه المسافرة، وهى ظعينة أيضاً. والنَّقْب: الطريق فى الجبل. والحَزْم (بالميم) أغلظ من الحَزْن (بالنون)، وكلاهما (بِفَتْح فسكون): الأمكنة الوعرة. وشَعَبْعَب (بالعين وبالغين): مكان من أَرض بنى تميم. وقوله: ((عَلَوْنَ بأنطاكيةٍ...)) يصف هيئة الرحال على الإبل ويذكر أنها من نفائس الثياب تنويها بعِظم أهلها وأنهم من أهل الثروة. وأنطاكية: من بلاد الشام، تُنْسَب إليها ثيابٌ تُصْنَع بها. والعِقْمة (بكَسْرٍ فسكون): الوَشْى. وشَبَّه الإبل بما عليها من الملونات بمزرعة نخل، وهى الجِرْبة (بكسر فسكون)، وأضرب عن التشبيه بمكان غير معيَّن إلى مكان معين لظهوره واستقراره فى الخيال السامع. ويثرب: مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، بلدُ نخل. وهناك بلد نخل أيضاً يقال لها: يَتْرَب (بفتح الياء والراء بينهما تاء)، وهى المذكورة فى قوله: ((مواعيد عرقوب أخاه يتربا)). وقوله: ((ولله عَيْنَا... البيت وما بعده)) يصف بهما اجتماع الحاجّ وملتقى الأحبة وافتراقهم، ويبدى أسفه فى ذلك. والمحصَّب: من أمكنة تلك الناحية. وجَزْع الأرض وقَطْعها معناهما واحد. وبطن نخلة ونجد كَبْكب: مكان إلى جهتين مختلفتين. وقوله: ((فعيناك...)) صفة لبكائه على أثر الظاعنين. والغَرْب: الدلو العظيمة. والـــمُفَاضة: موضع إفاضة الماء وإسالته، أى تنهمل دموعه كمرّ الخليج. والصفيح: الحجارة. والمصوَّب: الــمُمَال، وهنالك تكون سرعة جرى الماء. وقوله: ((وإنك لم يفخر...))، لـــمَّا افتخرْت عليه بأنها تكشف غرامة وقرَّعته بالطمع وتَرْك الوقوف عند حد، وهو لا يقدر على الإجابة لمكان الحب الموجِب لتسليم كل ما يقوله المحبوب، تذكَّر أنه ربما يفتخر على الإنسان مَهِين عاجز ضعيف، ولا يجد الشريف أن يجيبه ويردّ عليه حتى يخيل أنه مغلوب فتشتد حزازة صدره، ولسانه لا ينطلق، فرمَى بكلام هو أكبر من الغزل، ولذلك يُتَمَثَّل به للترويح عند حصول مثل ذلك. وقوله: ((وإنك لم تقطع لُبَانة...)) انتقال منه لذكر الحيلة فى السلوّ وكسر سّوْرَة العشق فادعى أن السفر والذهاب فى البلاد يكون سببا لذلك. وشَرَطَ فى السفر الإبعادَ، ولذلك أوجب أن تكون راحلته على ما وصف من الشدة والصلابة حتى تساعده على ما أراد. والغُدُوّ: الذهاب أول النهار، والرَّواح: الذهاب فى آخره، والتأويب: السير نهارا، والإدلاج: السير ليلا، والخُرْجوج (كعُصْفور): الصلبة، والقَتَد (بفتحتين): عُدّة الراحلة، والأبلق: ذو اللونين، والــمُغْرَب (على زنه اسم المفعول): الأبيض، والأقبّ: الضامر، ورَبَاعٍ: منقوص إذا نصبتَه أظهرتَ الياء فقلتَ: ((ركبتُ رباعياً))، وهو الذى أسقط رباعيته، وزِنَة الكلمة ثمانٍ وثمانية. ((من حمير عماية)): جبل بناحية نجد تُعْرَف حميره بالشدة، واللًّعاع (كغُرَاب): نبت ناعم فى أول ما يبدو. والـــمَحْنيَة: ما انعطف من الوادى، وهو أخصبه، ولذلك قال إن نبته علا وكانَ كالشجر المسمَّى بالضال، ووصَفه بكونه موفرا لم يَنْزِله الناس حتى يَرْعَوْا نباته، فهو على جانب بحيث يمر عليه الناس مرورا، وبيَّن ذلك فى قوله: ((ممر جيوش غانمين وخُيَّب))، أى جيوش خُيَّب: فالغانم فَرِحٌ بالقفول إلى أهله، فهو لا يعرَّج على مكان، والخائب ساعٍ ليغنم. وإذا كان حال الموضع ذلك وجَدَت الحمير مرعَّى رَغْداً فنمت أجسامها وتزايدت قواها. وقوله: ((قد أغتدى...))، هو وقت الخروج إلى الصيد، وله كانت شباب العرب المترفون يستعملون الخيل، ويذكرون ذلك فى عداد ملاذّهم، والمِذْنَب (كمِنْبَر): مسيل الماء إلى الأرض كالمزرعة والبستان. وقوله: ((بمنجرد...))، المنجرد: قصير الشعر، وذلك محمود فى الخيل، وقَيْد الأوابد (وهى الوحش، جمع آبدة): استعارة معدودة من حسنات امرىء القيس، ولاحَه: غيَّره من السَّمَن إلى الضمور، والطِّراد: الاتّباع، والهوادى: السوابق (جمع هادية)، كأنها دليلة ما وراءها. وفى قوله: ((طِرَاد الهوارى)) إبانة لحُسْن طلبه وأنه فات الوحشَ وأتاه من قِبَل وجهه فمنعها السلوك وجهتها، والشأو: الطلق يجريه الفرس إلى غايةٍ ما قَرُبَتْ أو بَعُدَتْ، ولذلك قُيِّد بـــــ ((المعزَّب))، وهو البعيد. وقوله: ((على الأْين...))، الأْين: التعب. والجيشان: غليان القدر، وفى الفرس: هيجانُه نشاطا ووفور قوة. وسَرَاة كل شىء: أعلاه حتى فى الناس. قال قيس:
وعمرة من سروات النسا = تنفخ بالمسك أردانها
والسَّرْحَة: واحدةُ السرح، الشجر لا شوك فيه، ويقابله ((العِضَة)) للشجر الشائك. والمرقب: الموضع يُرْقَبْ منه، وكانوا يرقبون فى الشجر العالى الكثير الفروع، ولهذه الصفة قَيّد ((السَّرْحَة)) ليظهر الفرس فى ضورة عظمة التى يحاول نعتها. وقوله: ((يبارى...))، المباراة: المسافة، وأصله أنّ من يُبْرِى القوس يغالب آخر فى علجة العمل. والخَنُوف: الليّن القوائم بحيث يرمى بها فى العدوّ رميا. يريد ثورا وحشيا، وهو معروف بشدة العدو. والزَّماع (جمع زَمَعة بفتحتين): شعر يكون فى أسفل الأرجل. واستقلاله: ارتفاعه، فإنه إذا طال عَطِلَ عن شدة الجرى. وعود المشْجَب: خشب ينصبه القَصَّار ينشر عليه الثياب. و((المشْجَب)) بزنَة ((مِنْبر)). وقوله: ((له أيطلا ظبى...))، الأَيْطَل: الجانب، والصهوة: موضع الراكب من الفرس. وقَصَّرَ فى هذا البيت عن بيت المعلقة حيث أتى فى ذلك بأربعة تشبيهات، وبيت الملعقة:
له أيطلا ظبى وساقا نعامة = وإرخاء سِرْحانٍ وتقريبُ تَتْفُلِ
و((تَتْفُل)) بزنة ((تَنْصُر)). وأتى هنا بثلاثة تشبيهات كلها فى الجسم. وقوله: ((ويخطو...))، الحافر الاصم: الذى لا خلوَّ فيه، ومنه الصخرة الصماء، والغَيْل (بفتح فسكون): الماء يجرى على وجه الأرض، والوارسات: جمع وارسة، أى ذات وَرْس، وهو (بفتح فسكون) نبت أصفر يُصْبَغ به كالزعفران، والحجارة إذا تلونت بهذا اللون كانت قدمت وبلغت الغاية فى الصلابة. وقوله: ((له كَفَلٌ...))، الدِّعْص (بكسر فسكون): أكَمَةٌ صغيرةٌ من الرمل تُشَبَّه بها الأكفال، واستُعْمِلت فى غزل العرب وقلّدهم غيرهم، والحارك: طرف الوَرِك المشرف من أعلاه، والغبيط: قَتَب الهودج، المذأَّب: الذى له أطراف بارزة مشرفة. وقوله: ((وعَيْنٌ...))، الصَّنَاع للأنثى، وللذكر صَنَعٌ (بفتحتين) من الصنعة للحاذق والحاذقة فيها، ومرآة الصَّنَاع مَشُوفة مجلوّة ليس عليها صدأ ولا غبار كما تكون مرآة الخرقاء. ((والــمَحْجِر)) بفتح الميم وكسر الجيم فى لغة، وفى أخرى بِزِنَة ((مِنْبَر))، وفى تفسيره خلاف: أهو ما بان من أسفل العين أو البياض المحيط بالسواد؟ والنصيف: الخمار. وقوله: ((له أذنان...))، العِتْق: كرم الأصل والنجابة، وآذانُ أُصَلاء الخيل صغارٌ منتصباتٌ تشبَّه بالأَلّة، أى الحربة، وبورق الآس وبرية القلم. والربرب: جماعة الظباء، والمذعورة تنصب أذنيها وترفع رأسها، ((والعِتْق)) بكسر فسكون. وقوله: ((ومُسْتَفْلَك الذَّفْرَى...))، أى ذِفْراه، وهو العظم خلف الأذن مستديرة كفلكة المغزل، والمثناة: عذَار الفرس، والمشّذب: المجرد عن الأشياء الناتئة عليه. وقوله: ((وأسحم..))، السُّحْمة: السواد، يصف ذَنَبه. والعسيب: منبت شعره، والعثاكيل (جمع عُثْكُول): شماريخ البلح، ((والقنْو)) مجموعها، وسميحة: ناحية بها نخل، ولعله له خصوصية حتى قُيَّد به. وقُيَّد بـــــ ((المرطَّب)) لسواد الذنب فيتم التشبيه. وقوله: ((إذا ما جرى...))، أثأب: شجر للريح فيه حفيف، وهو بفتح الهمزتين. وقوله: ((يدير قطاة...))، القطاة: مقعد الرديف، والمحالة: بكرة البئر، والسَّنَد هنا: أراد به الحارك أعاد وصفه. وقوله: ((فيوماً على سِرْب...))، السَّرْب (بكسر فسكون): القطيع من البقر، والجماعة من الطير. والبيدانة أم التَّوْلَب: الأتان أم الجحش، و((التَّوْلَب)) بسكون بين فتحتين. وقوله: ((فلأياً بلأىٍ))، اللأى: البطء، و((المجنَّب)) من التجنيب، وهو احديداب فى وظيفَىِ الفرس وصلبها، أو ((المحنَّب)) من التحنيب، وهو بُعْد ما بين الرجلين بلا فَحَج. وقوله: ((وولّى كشؤبوب العَشِىَ...))، شؤبوب العشى: الدفعة من المطر. ويقال: وَبَلَ، أى انهمل. ووَصَفَ البقر بشدة العدو حتى إنها تثير التراب الندى المتلبد، ولا يثير ذلك إلا قوة الركض بالأظلاف. والمنصَّب: المرتفع كالخباء. وقوله: ((فللسّاق...)) قسَّم العَدْو بأقسامه، والأهوج المِنْعَب: الطائر الذى اعتاد النعيب، أى التصويت، وهو بزنة ((مِنْبر)). ويروى: ((أخرج مذهب))، وهو من صفة النعام. ((وقوله: ((ترى الفأر... البيت وما بعده))، يقول إنه يخرج الفيران إلى اليفاع فتكون ظاهرة، وهو معنى ((لاحب))، وخَفَاهّن: أظهرهن، والأنفاق (جمع نَفَق): شقوقها، والوّدْق: المطر، والــمُجْلِب: اسم فاعل، أى ذو جلباب وأصوات، وحاصلة أن الفيران تظنه عند مرّه مطرا فتخرج من مطمئن الأرض إلى مرتفعها تطلب السلامة منه. ((وقوله: ((فعادى...))، عادى بين الشيئين: وَالَى بينهما، والشَّبوب الفتى، والقضية: الصحيفة البيضاء، وثيران الوحش بِيضٌ. و ((القَرْهَب)) هنا (بسكون بين فتحتين): البدين. قوله: ((وظل لثيران...))، المداعسة: مولاة الطعن، والسَّمْهَرِىّ: من ألقاب الرمح، والمعلَّب: اسم مفعول، من ((علَّب الرمح)) إذا لف عليه سيرا متَّخَذا من عِلْباء البعير، وهو عصب عنقه، تقويةً له ألّا ينشق... إلخ))[44].
إن هذا النقد يذكرنا بشروح الدواوين القديمة كشرح الزَّوْزَنى للمعلقات السبع، وشرح العُكْبَرى لديوان المتنبى، وشرح ابن نباتة لرسالة ابن زيدون... إلخ. وهو، رغم تقليديته، نافعٌ جداً، إذ يسوق إلى القارىء من المعارف المعجمية والنحوية والصرفية والبلاغية والعروضية والتاريخية والأدبية ما لا يستغنى عنه مثقف يريد أن يصقل عقله ولسانه وذوقه. وللأسف فإن النقاد الحاليين، وبالذات نقاد الحداثة الذين أسميهم بــــــ ((نقاد آخر زمن))، ينظرون شزرا إلى ذلك النقد مع أنه أساس كل فهم وتذوق أصيل، مُؤْثِرين أن يُفْنُوا أعمارهم فى تحبير الطلاسم التى تشبه رُقَى الجنّ والعفاريت ولا يفهمها مع ذلك أحد حتى ولا هم أنفسهم. على أنى حين أقول هذا لا أقصد أن ذلك هو كلّ ما نحتاج من نقد، فهناك النقد النفسى والاجتماعى والتأثرى، وكذلك النقد الذى يهتم باستخلاص بنية العمل الأدبى... إلخ، بل أقصد أن هذا أحد ألوان النقد الأصلية، مَثَلُه مَثَلُ أى لون نقدى أخر، بل هو بالتأكيد ألزم فى تكوين الذوق الأدبى من عدد من المناهج النقدية الأخرى، وبخاصة تلك التى طفحت على وجه النقد هذه الأيام النِّحِسات.
أما دعوى د. مندور أنه قد أصبح منهجاً ((قديماً بالياً بالنسبة لنا بعد أن اتسعت آفاقنا النقدية وأصبحنا نبحث فى فلسفة الأدب وأهدافه ومصادره ووظائفه فى الحياة وفى خصائصه الجمالية ومبادئه الفنية وأصالته المتميزة))[45] فإنها دعوى غير مقبولة، لأن متذوقى الأدب والشعر سيظلون محتاجين إلى معرفة الصواب والخطإ فى استعمال المبدع للغته، وكذلك النكت الذوقية التى تكمن وراء استخدامه لهذه اللفظة أو تلك العبارة أو هذه الصورة أو ذلك التركيب... إلخ مما يضعه النقد التقليدى نصب عينيه. وبمناسبة الكلام عن فلسفة الأدب وما إلى ذلك ينبغى التنبيه إلى أن القدماء أيضاً كانت لهم فلسفتهم التى قد نختلف معهم حولها أو حول بعض جوانبها، لكن هذا لا يجعلنا فى غِنىً عن طَرْق مسائل اللغة والبلاغة والموازنة التى كانوا يهتمّون بها. إن الأدب هو، أولا وقبل أى شىء، ألفاظٌ وعباراتٌ وتراكيبُ وصُوَرٌ وموسيقى، ولا بد للناقد من فحص هذه الأشياء إن أراد أن يتذوق العمل الأدبى بفهم وعمق.
ولقد أكد د. مندور نفسه قبل ذلك بقليل أن الدراسة العميقة لدقائق اللغة والعروض العويصة ((عظيمة النفع فى النقد سواء أقام بهذا النقد الأديبُ نفسه أم الناقد المحترف))[46]. فكيف بالله تكون هذه الأشياء ((عظيمة النفع فى النقد))، وفى ذات الوقت يُوسَم النقد الذى يستصحبها بأنه نقد قديم بال؟ وعلى أية حال فإن الموضوعات التى يهتم بها المرصفى فى نقده هى نفس الموضوعات التى يتناولها كتاب ((الوسيلة))، فهذا الكتاب (كما رأينا) يضمّ النحو والصرف، والبيان والمعانى والبديع، والعَروض والقافية، وبعض المسائل الأخرى كالموازنات وما إلى ذلك، أى أن نقد شيخنا للقصائد التى يتناولها هو تطبيق للمباحث التى يضمها كتابه.

[1] كان هذا المدرّج هو النواة التى صارت فيما بعد كلية ((دار العلوم)) المشهورة.

[2]انظر د. عبد العزيز الدسوقى/ تطور النقد العربى الحديث فى مصر/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/ 1977م/ 52، ود. محمد مندور/ النقد والنقاد المعاصرون/ مكتبة نهضة مصر/ 7 وما بعدها، ومحمد عبد الغنى حسن/ مؤلفات رائدة لمؤلفين روّاد/ كتاب الهلال/ العدد 363/ مارس 1981م/ 81 وما بعدها، والمقدمة التى كتبها د. محمد حافظ دياب لــ ((رسالة الكلم الثمان للمرصفى))/ الهيئة العامة لقصور الثقافة/ سلسلة ((ذاكرة الكتابة))/ العدد 31/ إبريل 2002م/ 21 وما بعدها.

[3] محمد عبد الغنى حسن/ مؤلفات رائدة لمؤلفين روّاد/ 89-90.

[4] انظر د. محمد مندور/ النقد والنقاد المعاصرون/ 15.

[5] طُبِعَتْ لأول مرة عام 1881م.

[6] انظر د. محمد مندور/ النقد والنقاد المعاصرون/ 9، ومحمد عبد الغنى حسن، مؤلفات رائدة لمؤلفين رواد/ 91-94.

[7] انظر مقدمة د. دياب لـــ ((رسالة الكلم الثمان))/ 26 (آخر الفقرة الثانية) و 54 (الهامش 14).

[8] محمد عبد الغنى حسن/ مؤلفات رائدة لمؤلفين رواد/ 104.

[9] انظر ((الوسيلة الأدبية))/ مطبعة وادى النيل/ 1296هــ/ 2/ 474.

[10] فى كتابه ((شعراء مصر وبيئاتهم فى الجيل الماضى)).

[11] فى كتابه عن البارودى.

[12] فى كتابه ((التراث النقدى قبل مدرسة الجيل الجديد)).

[13] انظر العقاد/ شعراء مصر وبيئاتهم فى الجيل الماضى/ كتاب الهلال/ العدد 252/ يناير 1972م/ 93، ود. عبد العزيز الدسوقى/ تطور النقد العربى الحديث فى مصر/ 79.

[14] الوسيلة الأدبية/ مطبعة المعارف الملكية/ 1292هــ/ 1/ 213.

[15] أى معرفة القواعد.

[16] أى بوصفها غاية فى ذاتها لا وسيلة إلى النطق والكتابة الصحيحة.

[17] المرجع السابق/ 1/ 213-214.

[18] انظر د. محمد مندور/ النقد والنقاد المعاصرون/ 15-17.

[19] محمد عبد الغنى حسن/ مؤلفات رائدة لمؤلفين رواد/ 106-107. والنص موجود فى ص 468-469 من الجزء الثانى من ((الوسيلة الأدبية)).

[20] مقدمة ابن خلدون/ مطبوعات مكتبة شقرون/ 519.

[21] الوسيلة الأدبية/ 2/ 464، ومقدمة ابن خلدون/ 515.

[22] الوسيلة الأدبية/ 2/ 470.

[23] انظر محمد عبد الغنى حسن/ مؤلفات رائدة لمؤلفين روّاد/ 107.

[24] انظر ابن منظور/ أخبار أبى نواس/ القاهرة/ 1924م/ 55، وعبد الحليم عباس/ أبو نواس/ سلسلة ((اقرأ))/ العدد 21/ 33، وعبد الرحمن صدقى/ أبو نواس- قصة حياته/ كتاب الهلال/ العدد 29/ أغسطس 1953م/ 44-45.

[25] د. محمد مندور/ النقد والنقاد المعاصرون/ 17.

[26] محمد عبد الغنى حسن/ مؤلفات رائدة لمؤلفين روّاد/ 107-108.

[27] مات ابن سلام فى ثلاثينات القرن الثالث الهجرى.

[28] لا أدرى السبب فى أن د. مصطفى الشكعة قد جعل عدد من ترجم لهم ابن قتيبة فى ((الشعر والشعراء)) مائتين واثنين فقط ذاكراً أن آخرهم هو على بن جبلة المعروف بــــ ((العَكَوَّك)). انظر كتابه ((مناهج التأليف عند العلماء العرب- قسم الأدب))/ دار العلم للملايين/ بيروت/ 1982م/ 419.

[29] انظر د. عبد العزيز الدسوقى/ تطور النقد العربى الحديث فى مصر/ 79-81.

[30] انظر ((الوسيلة الأدبية))/ 2/ 625 وما بعدها. ويجد القارىء فصل ابن خلدون فى ((المقدمة))/ 513-515 تحت عنوان ((فصل فى انقسام الكلام إلى فَنَّىِ النظم والنثر)).

[31] الوسيلة الأدبية/ 2/ 504.

[32] المرجع السابق/ 2/ 508.

[33] السابق/ 2/ 520.

[34] السابق/ 2/ 525.

[35] د. محمد مندور/ النقد والنقاد المعاصرون/ 24.

[36] وهو فعلا موجود فى ((المقدمة)) (ص 518-519)، مع ملاحظة أن الدكتور مندور قد أسقط بعض الكلمات بعد عبارة ((ليس بحدٍّ لهذا الشعر)) وهى: ((... (ليس بحدّ لهذا الشعر) ولا رسم له، وصناعتهم إنما تنظر فى الشعر (باعتبار ما فيه...))) (الوسيلة/ 2/ 468)، وإن كانت طبعة ((المقدمة)) التى عندى تقول: ((وصناعته إنما تنظر فى الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة... إلخ)) (ص 517)، وهو ما يبدو لى أنسب للمراد.

[37] محمد عبد الغنى حسن/ مؤلفات رائدة لمؤلفين رواد/ 95-97.

[38] وهو متقدم على القرطاجنى وابن خلدون، إذ هو من أبناء القرنين الثانى والثالث الهجريين، على حين أن حازماً كان يعيش فى القرن السابع، وابن خلدون فى القرن الثامن وبعض التاسع.

[39] الجاحظ/ الحيوان/ تحقيق عبد السلام هارون/ ط2/ مصطفى البابى الحلبى/ 1965م-1969م/ 3/ 131-132.

[40] انظر ((الوسيلة الأدبية))/ 2/ 464-465، 468.

[41] مقدمة ابن خلدون/ 515-516.

[42] د. محمد مندور/ النقد والنقاد المعاصرون/ 22-23.

[43] المرجع السابق/ 22. وممن ظن أن المرصفى، بكلامه عن أهمية الترابط فى القصيدة وكلامه فى ذات الوقت عن استقلال كل بيت عما قبله وعما بعده، قد سقط فى التناقض، د. عبد الحى دياب. انظر كتابه ((التراث النقدى قبل مدرسة الجيل الجديد))/ دار الكاتب العربى للطباعة والنشر/ 1388هــ ـــ 1968م/ 47-48.

[44]الوسيلة الأدبية/ 2/ 506-510.

[45] د. محمد مندور/ النقد والنقاد المعاصرون/ 23-24.

[46] المرجع السابق/ 18.