آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء

  1. #1
    باحث إسلامي في علوم القرآن واللغة الصورة الرمزية أبو مسلم العرابلي
    تاريخ التسجيل
    26/04/2007
    العمر
    63
    المشاركات
    2,845
    معدل تقييم المستوى
    15

    Lightbulb حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء

    بسم الله الرحمن الرحيم
    حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء

    ورد استواء الرحمن على العرش في سبع آيات منها؛
    قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) طه.
    وأخرج ابن مردويه واللالكائي في السنة عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها في قوله: (ثم استوى على العرش)، قالت الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
    وأخرج اللالكائي عن ابن عيينة قال سئل ربيعة عن قوله: (استوى على العرش)، كيف استوى؟، قال الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق.
    وأخرج اللالكائي عن جعفر بن عبد الله قال جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال له يا أبا عبد الله (استوى على العرش) كيف استوى؟ قال فما رأيت مالكا وجد من شيء كموجدته من مقالته، وعلاه الرحضاء - يعني العرق - وأطرق القوم، قال فسرى عن مالك، فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالا، وأمر به فأخرج. الدر المنثور ج3/ص473
    لذلك كان تفسير استواء الرحمن على العرش بعد هذا القول، محظور الاقتراب منه، والخوض فيه ممنوع. وكان تشدد مالك رحمه الله تعالى في قوله، توفيقًا من الله تعالى لسد هذا الباب، وكان فيه خيرًا للمسلمين.
    والوقوف على الإيمان باستواء الرحمن على العرش، دون الوقوف على فهمه لمعرفة حقيقته؛ هو منهج ارتضاه علماء الأمة، ولم يكن هذا المنهج حلاً عند الآخرين، ويريدون جوابًا تطمئن به أنفسهم، وأن كل ما بلغنا به الله تعالى في القرآن داخل في مجال الإدراك البشري، ولا يبقى سرًا غامضًا لا يمكن فهمه، وسبب الخوف من أن يؤدي البحث فيه إلى البحث في كيفية الاستواء، والبحث في الكيفية ممنوع، وسيبقى ممنوعًا الحديث فيه إن أدى إلى التجسيد، أو وصف الله تعالى بالانتقال والزوال.
    ودون "فقه استعمال الجذور" الذي لم يعمل به علماء اللغة لدراسة لغتهم لا يمكن فهم الاستواء على حقيقته.
    وفقه استعمال الجذور: هو العلم الذي يعرف به سبب تسمية المسميات بأسمائها، ويحدد معاني الأفعال بما يميزها عن المترادفات لها، وعوض عن فقدان هذا العلم، والعمل به، أن جرى التفسير بالمترادفات؛ في كثير من المتشابهات.
    وأعرض في هذا الموضوع كمثال "الاستواء" لفهمه بعيدًا عن الكيف والزوال وكل ما لا يجوز وصف الله تعالى به.
    فالمدخل لفهم ما في القرآن من "استواء"، وغيره لا يكون إلا في المدخل اللغوي؛ لأن الإعجاز كان باللغة، وما ورد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو مما يوافق الجانب اللغوي، ويقويه، ولا يخرج عنه ولا يعارضه.
    وزاد من صعوبة فهم الاستواء؛ كثرة ما ورد من المرادفات لفهم الاستواء، مما نال بعضه الرضا من العلماء، أو مما استنكروه، وشنعوا على أصحابه، ولم ينل فعل الاستواء نفسه حظًا من الدراسة بعيدًا عن المرادفات التي وضعت له لشرحه أو لتقريب فهمه.
    ومادة "سوي" جرى استعمالها في القرآن في (83) موضعًا، وفي جميع المواضع تفيد: التمام والكمال الذي يسبق التوجه للقيام بما بعده، ونذكر من الأمثلة ما يوضح هذا المفهوم؛
    من ذلك قوله تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29) الحجر ، (72) ص.
    سويته أي أكملت خلقه وأتممتها ... فهو مهيأ وجاهز لنفخ الروح فيه.
    وفي قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) القصص.
    بلغ أشده واستوى أي كمل نضجه، واكتملت رجولته، وأصبح أهلا لتلقي العلم والحكمة.
    وفي قوله تعالى: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) النجم.
    فاستوى أي ظهر جبريل عليه السلام بخلقته التامة والكاملة كما خلقه الله تعالى ... وكان بعدها الدنو والتدلي والوحي إلى رسول الله ونبيه عليه الصلاة والسلام.
    وفي قوله تعالى: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (29) الفتح.
    "فاستوى على سوقه" أي تم، وكمل، وأصبح موضع الإعجاب ... وبعد ذلك يكون اكتمال الثمر ونضجه وحصاده.
    وفي قوله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(28) المؤمنون.
    "فإذا استويت أنت وممن معك" أي اكتمل صعودكم ووجودكم على السفينة، سواء أكنتم على ظهر السفينة أم كنتم في بطنها، فالاستواء كان بتمام الوجود فيها، وأن لا يبقى أحد من أصحابها خارجها على الأرض، وبعد ذلك يكون جري السفينة وانتقالها بقدرة الله فينجو بذلك أصحابها من الطوفان.
    وفي قوله تعالى: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) الزخرف.
    لتستووا على ظهوره أي اكتمل لكم ملك الدابة، وذلت لكم، لتركبوا على ظهرها، فدون ملك الدابة، ولو استعارة، ودون ذل الدابة، وقبولها وجود راكب على ظهرها، لا يكون هناك استواء على ظهرها فالاستواء على ظهرها هو تمام كل ذلك، لا على أنه المراد وجود الراكب على ظهر الدابة فقط ... ثم بعد ذلك التوجه بها إلى حيث يريد، ولو ظلت الدابة واقفة وهو على ظهرها لما صح تسمية ذلك بالاستواء الذي يوجب على صاحبه شكر الله على هذا التسخير.
    وقوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) فاطر، أي لم يبلغ الأعمى في معرفة الأشياء وصفاتها، وقدرة الانتقال، ما بلغه البصير في تمام هذه النعمة عليه، وذكر صفات أحدهما لأجل مقارنتها بصفات الآخر.
    وفي قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) فاطر، أي لم يبلغ البحر المالح في صفاته ما بلغه البحر العذب. والمنفعة حاصلة من البحرين.
    وفي قوله تعالى: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135) طه؛ أي الطريق المستقيم الكامل التام.
    وفي قوله تعالى: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ (22) القصص؛ أحسن الطرق الموصلة لمدين وأفضلها للوصول إلى مكان آمن.
    وفي قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) القصص. أي اكتمل سن النضج الذي يصلح فيه أن يكون نبيًا مرسلاً، وبلغ أربعين سنة؛ كم قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً (15) لقمان.
    وفي قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا (42) النساء؛
    أي يودون لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، فلا يكون لهم ظهور على وجهها، لا أحياء ولا أمواتًا.
    والوجه الثاني: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، ليس لهم فضل وزيادة على الأرض.
    وكل ما ورد في اللغة غير ما ورد في القرآن لا يخرج عن معنى الجذر ... والسواء : العدل والمثيل. أي أن لكل واحد منهم ما له من صفات؛ فتعرف صفات أحدهما لمقارنتها بصفات الآخر.
    وخطُّ الاستواءِ عند الجغرافيين دائرةٌ مرسومةٌ حول الأرض على بُعدٍ واحدٍ من القطبتين تُقسَم بها الأرض إلى نصفين شماليٍّ وجنوبيٍّ سُمّي بهِ لتساوي الليل والنهار عندهُ طول السنة (لسان العرب – مادة سوي). وهو أتم الخطوط وأطولها، وليلة السواء: ليلة أربع عشر لاكتمال القمر فيها.
    والعجب من تفسير الاستواء بالرسو في قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) هود... ولم تستعمل العرب الذين نزل القرآن بلسانهم الاستواء بمعنى الرسو، ولا يوافق هذا التفسير استعمال هذا الجذر.
    والضمير في "استوت على الجودي" إما أن يعود على السفينة، وإما على الأرض، فإن عاد الضمير على السفينة بمعنى ذلك أنها رست على الجودي فليس من معاني الاستواء الرسو، وثانيًا كيف ترسو سفينة على جبل دون أن تتحطم ويهلك من عليها، إنما ترسو السفينة على الشط أو الsاحل، وأمر ثالث؛ أين هذا الجبل المسمى بالجودي؟ وإن أشير إلى أنه في مكان ما ... فأين الدليل اليقيني الذي يثبت أن هذا هو المقصود بالآية؟ ولماذا الجودي اسم مخصوص بجبل معين والآية لم تنطق بذلك.
    وإن عاد الضمير على الأرض فمعنى ذلك أن الأرض تمت واكتملت بعد الطوفان فأصبحت أكثر خصبًا وعطاء، وياء النسبة في الجودي تعود على الجود نفسه، وهذا يوافق ما بينه نوح عليه السلام من فوائد الاستغفار: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا(12) نوح.
    وقد تحقق ذلك لمن آمن منهم بعد الطوفان، فانظر إلى قول هود عليه السلام لعاد أول قوم بعد نوح عليه السلام ،: (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) الشعراء... وإنزال المار من السماء مدرارًا سيفجر العيون، ويجري الأنهار، وتتكون عليه الجنات التي حرم منها قوم نوح عليه السلام قبل الطوفان.
    ولندخل فيما تعلق بالرحمن من هذه المادة اللغوية:
    قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) البقرة .... وفي قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فصلت.
    يفهم من قوله تعالى: "ثم استوى إلى السماء" ما فهم من الآيات السابقة في استعمال مادة سوي؛ بأنه تعالى أراد إتمام خلقها بعد الانتهاء من خلق الأرض، على أكمل وجوهها، وإتمام عددها سبعًا، لذلك قال تعالى فسواهن سبع سموات، لتقوم بما أمرت به، فقال تعالى بعدها: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(12) فصلت.
    ولم يذكر تعالى أنه سوى السموات والأرض بلفظ يجمعهما معًا، وذكر تسوية السماء سبع سموات، ولم يذكر التسوية للأرض؛ لأنه تعالى أتم خلق الأرض في الأيام الأربع الأوَلى من أيام خلق السموات والأرض الستة.
    أما ورود استواء الله على العرش الوارد في سبع آيات منها قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) طه.
    وفي قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) الفرقان.
    كان هذا الاستواء بعد الحديث عن إتمام خلق السموات والأرض.
    وربط الانتهاء من خلق السموات والأرض بالاستواء على العرش؛ لبيان أن خلق السموات والأرض لم يكن لذات الله، بل كان خلقهما ليكونا مكانًا لمن يعبد الله بعد ذلك من الإنس والجن،
    ولبيان أن عرش الرحمن هو أسبق منهما، ولا موازنة بينهما وبين عرش الرحمن.
    وان خلقهما كان بيد الله، ولم يكن هذا الخلق من تسلسل الأفعال التي جرت على سنن الله في الكون عامة.
    لذلك جاء فعل استواء بعد ذكر خلق السموات والأرض والاستواء إلى السماء، لإتمامها سبع سموات ... والله سبحانه وتعالى هو أعلم بما أنزل في كتابه.
    واستواء الرحمن على العرش يفهم من استعمال القرآن لمادة "سوي" أنه لا يدل على هيئة معينة للاستواء، بل يدل على أن الرحمن أتم خلق السموات والأرض، وانتهى من ذلك ... وبعد ذلك تحتاج السموات والأرض إلى تدبير أمرهما.
    وأنه، سبحانه وتعالى، لم يشق عليه خلق السموات والأرض، وأنه، تعالى على كمال في قدرته، خلاف ما قاله أهل الكتاب من سوء تقديرهم لله عز وجل، وتصورهم تعبه من الخلق وجلوسه على العرش ليستريح، وقد وضع رجلاً على رجلٍ وفخذًا على فخذٍ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ(38) ق.
    ومنطلق تدبير أمر السموات والأرض وما بينهما من عند العرش، حيث تنطلق الملائكة بأوامر الله، ثم ترفع ما يكون من الأمور إلى الله بالمجيء إلى العرش.
    ولما كان الله سبحانه وتعالى لا يحده مكان ولا زمان، وتحتاج الملائكة مكانًا محددًا لتأخذ منه أمر الله، وترفع إليه ما كلفت به، خلق الله تعالى العرش، وخص به نفسه من دون خلقه، فهو قبلة الملائكة كما أن الكعبة قبلة المصلين في الأرض يتوجهون إليها في صلاتهم وهي ليست مكانًا لوجود الله.
    والعرش هو ما يخص واحدًا أو شيئًا لا يشاركه أحد فيه، وعرش الرحمن خلق من خلق الله خص به نفسه فلم يملِّك شيئًا منه لأحد، ولم يسخره لأحد من خلقه، لذلك سمي بعرش الرحمن لا على أنه مكان يحصر الله وجوده فيه ... تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
    وارتباط العرش بالرحمن هو ارتباط ثابت به سبحانه وتعالى، لا بأحد غيره، وأن هذا الاستواء كان بعيدًا عن السموات والأرض، فلا يعلم مكان العرش إلا هو سبحانه وتعالى.
    لذا نستطيع أن نفهم لماذا ربط الاستواء بالعرش، لنفهم أن تدبير أمر السموات والأرض وما فيهما يكون من عند العرش، قال تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ(5) السجدة.
    وأي فهم للاستواء بغير هذا، وزج أفعال أخرى لبيان معنى الاستواء، لا يؤدي إلا تشويش فهم الاستواء، والإساءة إلى الله سبحانه وتعالى.
    فإن قلت أن معنى استوى على العرش: علا عليه أو إليه، فأين كان الله قبل علوه؟ هل كان فيما سفل عن العرش ؟!.
    وإن قلت بأن معنى استوى: ارتفع، فهل كان أسفل منه قبل ذلك ؟!.
    وإن قلت صعد أو ارتقى، أو أي فعل يرادف ذلك، أشار إلى خلاف ذلك قبل الاستواء مما لا يليق به سبحانه وتعالى.
    وإن قلت بأن استوى بمعنى استولى، فهل كان هناك من يزاحمه ويدافعه عن العرش ؟!.
    وأشد من ذلك، القول بالقعود أو الجلوس على العرش الذي استنكرته الأمة، وشنعت القول على أصحاب هذه الأقوال.
    أما حرف الجر "على" فلا يفيد الظرفية والاستعلاء في كل استعمالاته، وحكمه كحكم وروده في قوله تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79) النمل، فهو يؤتى به للربط بين طرفين، وبيان شدة الارتباط وثباته بينهما في الإخبار، أو عند الطلب، فالطلب كان في التوكل على الله، فالتوكل على الله يربط بين المتوكل والله برباط ثابت، ومثل ذلك الاعتماد على الله ... فلا يفهم من "على" الظرفية في هذا مطلقًا.
    والأشياء تكون أكثر اعتمادًا وارتباطًا بينها إذا كان بعضها فوق بعض، كقولنا: الكأس على الطاولة، لكن "على" لا تستعمل لهذا الغرض وحده كما بينا.
    والاستواء على العرش الذي ذكره تعالى بعد ذكره لخلق السموات والأرض في كل المواضع الذي ذكر فيها بلا استثناء جاء بصيغة الفعل الماضي "استوى" ليدل على الحداثة التي كانت.
    وأما مجيء الاستواء بعد "ثم" في الجميع التي تفيد التعقيب مع التراخي،- إلا في سورة طه – للدلالة على أنه لم يكن هناك استواء على العرش قبل خلق السموات والأرض، إذ كيف يكون هناك تصريف لهما ولشئونهما قبل خلقهما ؟!.
    هذا الاستواء من الله على العرش الذي ذكر في كتاب الله جاء بصيغته الفعلية، فهل يجوز لنا أن نحوله إلى صيغة اسمية تدل على الثبات والاستقرار، فنقول: أن الله تعالى مستوٍ على العرش ؟.
    وقد ذكرت مئات الأفعال لله في القرآن كقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا(32) الفرقان، فهل يصح لنا أن نوجد منها صيغًا اسمية لله؟ فنقول أن الله مُثبِّت ومُرتِّل.
    وإذا جاز لنا ذلك فهل يجوز أن نفصل فعل الاستواء ونقول "أن الله على العرش" دون ذكر الفعل "استوى"، أو نبدل "على العرش" بـ"فوق العرش" فنقول: "أن الله فوق العرش".
    هذا الفصل ليس له ذكر في كتاب الله، ولم أجد حديثًا صحيحًا واحدًا يؤيد هذا الفصل، ومن قال بأن الله "على العرش" أو "فوق العرش" أو "مستو على العرش" لم يستشهد بأي حديث، وكل ذلك مبني على جاء في الآيات: (ثم استوى على العرش)، وليس على لفظ صريح.
    والقول بأن الرحمن "على العرش" أو "فوق العرش" لا يصح هذا الفصل، ولا يصح الإبدال مع الله وصفاته، فلكل واحدة منهما معناها الذي تختص به، فلا يصح إدخال على أفعال الله وصفاته ما لم يقل به، ولم يرد في حديث صحيح، وجب التفريق بين ألفاظ القرآن وغيرها، وعدم النطق بغير ما ورد في القرآن في هذا الباب، لأن دقة الاستعمال اللغوي قد تخفى على كثير من العلماء.
    ولقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة التي منها:
    (إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي) صحيح البخاري (ج6/ص2700) .
    (إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش) صحيح البخاري (ج6/ص2745) .
    (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ الله من الخلق كتب على عرشه إن رحمتي سبقت غضبي) قال أبو داود (رحمتي تغلب غضبي وهو فوق العرش) (هذا الأخير قول أبي داود وليس من نص الحديث) السنن الكبرى (ج4/ص417) .
    فهذه الأحاديث تبين أن الكتاب هو الذي فوق العرش أو على العرش، وما في هذه الأحاديث يوافق خصوصية العرش وأنه للرحمن، وحفظ الكتب المكتوبة لا يكون إلا عند الله فوق العرش؛ كانت هذه الكتب خاصة أو هي جزءا من اللوح المحفوظ، فمن اللوح المحفوظ تنقل أوامر الله فيما سيكون من الأمور المتعلقة بالسماوات والأرض وما بينهما وما فيهما.
    والخلاصة أن الاستواء يفيد التمام والكمال قبل التدبير والتصريف والتوجه، وهو من الله تصريف وتدبير لأمور السماوات والأرض وما فيهما خاصة والكون عامة، ويكون هذا مما خص الله به نفسه من عرشه.
    والاستواء بهذا المفهوم التي تدل عليه اللغة، ودل عليه استخدامه في القرآن، لا يدل على هيئة معينة، فهو ينأى عن كل مترادف يقود إلى التمثيل والتشبيه الذي لا يليق بذات الله الذي ليس كمثله شيء في صفاته وأفعاله...
    ونرجو من الله تعالى أن نكون قد وفقنا لتقديم البيان الشافي في هذا الأمر المعضل فيما يرضي الله عز وجل ... وقد نشرته من قبل في كتابي "حقيقة السموات كما صورها القرآن" ..والله تعالى أعلم وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.
    أبو مسلم / عبد المجيد العرابلي.

    التعديل الأخير تم بواسطة أبو مسلم العرابلي ; 11/08/2018 الساعة 10:11 PM

  2. #2
    مترجم اللغة العثمانية / باحث ومفكر الصورة الرمزية منذر أبو هواش
    تاريخ التسجيل
    08/10/2006
    العمر
    69
    المشاركات
    3,361
    معدل تقييم المستوى
    16

    Lightbulb الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى

    حسبنا باللسان معجما فقد جاء فيه:

    سوا: سَواءُ الشيءِ مثلُه، وسِيُّه أَي مثله. وسِوَى الشيءِ: نفسُه؛ وتَساوَتِ الأُمورُ واسْتَوَتْ وساوَيْتُ بينهما أَي سَوَّيْتُ. واسْتَوى الشَّيْئَانِ وتَساوَيا: تَماثَلا. وسَوَّيْتُه به وساوَيْتُ بينهما وسَوَّيْتُ وساوَيْتُ الشيءَ وساوَيْتُ به وأَسْوَيْتُه به؛ من قولك سَوَّيْتُه فاسْتَوى. وقال أَبو الهيثم: العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولَهم للغلامِ إذا تَمَّ شَبابُه قد اسْتَوى. قال: ويقال اسْتَوى الماءُ والخَشَبةَ أَي مع الخَشَبةِ، الواوُ بمعنى مَعْ ههنا. وقال الليث: يقال في البيع لا يُساوي أَي لا يكون هذا مَعَ هذا الثَّمَنِ سيَّيْنِ. الفراء: يقال لا يُساوي الثوبُ وغيرُه كذا وكذا، ولَمْ يعْرفْ يَسْوى؛ وقال الليث: يَسْوى نادرة، ولا يقال منه سَوِيَ ولا سَوى، كما أَنَّ نَكْراءَ جاءَت نادرةً ولا يقال لِذَكَرِها أَنْكَرُ، ويقولون نَكِرَ ولا يقولون يَنْكَرُ؛ وهذا لا يُساوي هذا أَي لا يعادِلُه. ويقال: ساوَيْتُ هذا بذاكَ إذا رَفَعْته حتى بلَغ قَدْره ومَبْلَغه.

    وقال الله عزَّ وجل: حتى إذا ساوى بينَ الصَّدَفَيْنِ؛ أَي سَوَّى بينهما حين رفَع السَّدَّ بينَهُما. ويقال: ساوى الشيءُ الشيءَ إذا عادَلَه. وساوَيْتُ بينَ الشَّيْئَيْنِ إذا عَدَّلْتَ بينَِهما وسَوَّيْت. ويقال: فلانٌ وفلانَ سواءٌ أَي مُتَساويان، وقَوْمٌ سواءٌ لأَنه مصدر لا يثَنى ولا يجمع. قال الله تعالى: لَيْسوا سَواءً؛ أَي لَيْسوا مُسْتَوينَ. الجوهري: وهما في هذا الأَمرِ سواءٌ، وإن شئتَ سَواءَانِ، وهم سَواءٌ للجمع، وهم أَسْواءٌ، وهم سَواسِيَةٌ أَي أَشباهٌ مثلُ يمانِيةٍ على غيرِ قياسٍ؛ قال الأَخفش: ووزنه فَعَلْفِلَةُ (* قوله «فعلفلة» ويقال: رجلٌ سواءُ البَطْنِ إذا كان بَطْنُه مُسْتَوِياً مع الصَّدْرِ، ورجلٌ سواءُ القَدَمِ إذا لم يكن لها أَخْمَصٌ، فسواءٌ في هذا المَعنى بمعْنى المُسْتَوِي. وفي صِفَة النبيّ، صلى الله عليه وسلم: أَنه كان سَواءَ البَطْنِ والصَّدْرِ؛ أَرادَ الواصِفُ أَنّ بَطْنَه كان غَيْرَ مُسْتَفِيضٍ فهو مُساوٍ لصَدْرِه، وأَنَّ صَدْرَه عَرِيضٌ فهو مُساوٍ لبَطْنُِهِ، وهما مُتَساوِيانِ لا ينْبُو أَحَدُهُما عن الآخرِ.

    وسَواءُ الشَّيءِ: وسَطُه لاسْتِواءِ المسافةِ إلَيْه من الأَطْرافِ. وقوله عز وجل: إذْ نُسَوِّيكُمْ برَبِّ العالمين؛ أَي نَعْدِلُكُمْ فنَجْعَلُكمْ سَواءً في العِبادة. قال الجوهري: والسِّيُّ المِثْلُ؛ قال ابن بري: وأَصله سِوْيٌ؛ وقال: حديد النَّابِ لَيْسَ لكُمْ بِسِيِّ وسَوَّيْتُ الشيءَ فاسْتَوى، وهُما سَوِيَّةٍ من هذا الأَمر أي على سَواء. وقَسَمْت الشيءَ بينَهُما بالسَّوِيَّة. وسِيَّانِ بمعنى سَواءٍ. يقال: هُما سِيَّانِ، وهُمْ أَسْواءُ؛ قال: وقد يقال هُمْ سِيٌّ كما يقال هُمْ سَواءٌ؛ والسِّيَّان: المِثْلان. قال ابن سيده: وهما سَواءَانِ وسِيَّان
    مِثْلان، والواحِدُ سِيٌّ؛ وفي حديث جُبَيْر بنِ مُطْعِمٍ: قال له النبيُّ، صلى الله عليه وسلم: إنَّما بنُو هاشِمٍ وبنو المُطّلِبِ سِيٌّ
    واحِدٌ؛

    ابن سيده: مررت برجل سَواءٍ العَدَمُ وسُوىً والعَدَمُ أَي وجوده وعدمه سَواءٌ. وحكى سيبويه: سَواء هو والعَدَمُ. وقالوا: هذا درهم سَواءً وسَواءٌ، النصب على المصدر كأَنك قلت استواءً، والرفع على الصفة كأنك قلت مُسْتَوٍ. وفي التنزيل العزيز: في أَربعة أَيام سَواءً للسائلين، قال: وقد قرئ سَواءٍ على الصفة.والسَّوِيَّةُ والسَّواءُ: العَدْل والنَّصَفة؛ قال تعالى: قل يا أَهل الكتاب تَعالَوْا إلى كلمة سَواءٍ بيْننا وبينكم؛ أَي عَدْلٍ؛ وقال تعالى: فانْبِذْ إليهم على سَواءٍ؛ وسَواءُ الشيءِ وسِواهُ وسُواهُ؛ الأَخيرتان عن اللحياني: وسطه؛ قال الله تعالى: في سَواءِ الجَحيم؛ ومنه حديث ابن مسعود: يُوضَعُ الصِّراطُ على سَواءِ جهنم. وفي حديث قُسٍّ: فإذ أَنا بهِضْبةٍ في تَسْوائِها أَي في الموضع المُستوي منها، والتاء زائدة للتَّفْعال. وفي حديث علي، رضي الله عنه: كان يقول حَبَّذا أَرضُ الكوفة أَرضٌ سَواءٌ سَهْلة أَي مُستوية. يقال: مكان سَواءٌأَي مُتَوسِّطٌ بين المكانَين، وإن كسَرْت السينَ فهي الأَرض التي تُرابُها كالرَّملِ.

    وسَواءُ الشيء: غيرُه؛ وفي الحديث: سأَلْتُ رَبي أَن لا يُسَلِّطَ على أُمَّتي عَدُوّاً مِن سَواءِ أَنفسِهم فيسْتَبِيحَ بيْضتَهم أَي من غير أَهل دينهم؛ سَواءٌ، بالفتح والمدِّ: مثل سِوَى بالقصرِ والكسرِ كالقِلا والقَلاء، وسُوىً في معنى غير. أَبو عبيد: سُوى الشيء غيرُه كقولك رأَيتُ سُواكَ، وأَما سيبويه فقال سِوىً وسَواءٌ ظرفان، ومكان سِوىً وسُوىً: مُعْلَمٌ. وقوله عز وجل: مكاناً سِوىً، وسُوىً؛ قال الفراء: وأَكثر كلام العرب بالفتح إذا كان في معنى نَصَفٍ وعَدْلٍ فتَحوه ومَدُّوه، والكسْرُ والضمُّ معَ القَصْر عَرَبيّانِ، وقد قرئ بهما. قال الليث: تصغيرُ سَواءٍ الممدودِ سُوَىُّ. وقال أَبو إسحق: مكاناً سِوىً ويُقْرَأُ بالضم، ومعناه مَنْصَفاً أَي مكاناً يكون للنَّصَفِ فيما بينَنا وبينك، وقد جاء في اللغة سَواءٌ بهذا المعنى، تقول هذا مكان سَواءٌ أَي متوسط بين المكانين، ولكن لم يُقْرَأُ إلا بالقَصْر سِوىً وسُوىً.

    ولا يُساوي الثوبُ وغيرُه شيئاً ولا يقال يَسْوَى، قال ابن سيده: هذا قول أَبي عبيد، قال: وقد حكاه أَبو عبيدة.واستَوى الشيءُ: اعْتَدَلَ، والإسم السَّواءُ، يقال: سَوَاءٌ عَليَّ قمتَ أَو قعدتَ. واسْتَوَى الرجلُ: بلغ أَشُدَّه، وقيل: بلغ أَربعين سنة. وقوله عزَّ وجل: هو الذي خَلَقَ لكمْ ما في الأَرضِ جميعاً ثم اسْتَوَى إلى السماء؛ كما تقول: قد بلغَ الأَميرُ من بلد كذا وكذا ثم اسْتَوَى إلى بلد كذا، معناه قَصَد بالاسْتِواء إليه، وقيل: اسْتَوَى إلى السماء صَعِدَ أَمره إليها، وفسره ثعلب فقال: أَقْبَلَ إليها، وقيل: اسْتَوْلى. الجوهري: اسْتَوَى إلى السماء أَي قَصَدَ، واسْتَوى أَي اسْتَوْلى وظَهَر؛ وقال:
    قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ على العِرَاق،
    من غَيرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراق

    الفراء: الاسْتِواء في كلام العرب على وجهين: أَحدهما أَن يَسْتَوي الرجلُ وينتهي شبابُه وقوَّته، أَو يَسْتَوي عن اعوجاج، فهذان وجهان، ووجه ثالث أَن تقول: كان فلان مُقْبِلاً علا فلانة ثم استَوَى عليَّ وإليَّ يَشاتِمُني، على معنى أَقبل إليَّ وعلىَّ، فهذا قوله عز وجل: ثم اسْتَوى إلى السماء؛ قال الفراء: وقال ابن عباس ثم استَوى إلى السماء صعِدَ، وهذا كقولك للرجل: كان قائماً فاستَوى قاعداً، وكان قاعداً فاستَوى قائماً، قال: وكلُّ في كلام العرب جائز. وقول ابن عباس: صَعِدَ إلى السماء أَي صعِد أَمره إلى السماء. وقال أَحمد بن يحيى في قوله عز وجل: الرحمنُ على العرش استَوى؛ قال الاسْتِواءُ الإقبال على الشيء.

    وقال الأَخفش: استَوى أَي علا، تقول: استَوَيْتُ فوق الدابة وعلى ظهر البيت أَي علَوْتُه. واستَوى على ظهر دابته أَي استَقَرَّ. وقال الزجاج في قوله تعالى: ثم استَوى إلى السماء؛ عمَدَ وقصد إلى السماء، كما تقول: فَرغ الأَميرُ من بلد كذا وكذا ثم استَوى إلى بلد كذا وكذا، معناه قصد بالاستواء إليه. قال داود بنُ عليّ الأَصبهاني: كنت عند ابن الأَعرابي فأَتاه رجلٌ فقال: ما معنى قول الله عز وجل الرحمنُ على العرش استَوى؟ فقال ابن الأَعرابي: هو على عرشه كما أَخبَرَ، فقال: يا أَبا عبدِ الله إنما معناه استَوْلى، فقال ابن الأَعرابي: ما يُدْرِيك؟ العرب لا تقول استَوْلى على الشيء حتى يكون له مُضادٌّف أَيهما غَلَب فقد اسْتَوْلى؛ أَما سمعت قول النابغة:
    إلاَّ لمِثْلِكَ، أَو مَن أَنت سابِقُه
    سبْقَ الجوادِ، إذا اسْتَوْلى على الأَمَدِ

    وسئل مالك بن أَنس: استَوى كيف استَوى؟ فقال: الكيفُ غير معقولٍ، والاستِواءُ غير مَجْهول، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بِدْعةٌ. وقوله عز وجل: ولما بلغ أَشُدَّه واسْتَوى؛ قيل: إن معنى استَوى ههنا بلغ الأَربعين. قال أَبو منصور: وكلام العرب أَن المجتمِعَ من الرجالِ والمُسْتَوِي الذي تم شَبابُه، وذلك إذا تمَّتْ ثمان وعشرونَ سنةً فيكون مجتمِعاً ومُسْتَوِياً إلى أَن يَتِمَّ له ثلاثٌ وثلاثون سنةً، ثم يدخل في حدَّ الكهولةِ، ويحتمل أَن يكون بلوغُ الأَربعين غايةَ الاستِواء وكمالِ العقل.

    ومكانٌ سَوِيٌّ وسِيٌّ: مُسْتَوٍ. وأَرضٌ سِيٌّ: مسْتَوِية؛ قال ذو الرمة: رَهاء بَساط الأَرضِ سِيّ مَخُوفة والسِّيُّ: المكان المُسْتَوِي؛ وقال آخر: بأَرض وَدْعانَ بِساطٌ سِيٌّ أَي سَواءٌ مستقيمٌ. وسَوَّى الشيءَ وأَسْواهُ: جعلَه سَوِيّاً. وهذا المكان أَسْوى هذه الأَمكنةِ أَي أَشدُّها اسْتِواءً، حكاه أَبو حنيفة. وأَرض سَواءٌ: مُسْتَويةٌ. ودارٌ سَواءٌ: مُسْتَويةُ المَرافِق. وثوبٌ سَواءٌ: مسْتَوٍ عرضُه وطولُه وطبقاتُه، ولا يقال جملٌ سواءٌ ولا حمارٌ ولا رجلٌ سواءٌ. واسْتَوَتْ به الأَرضُ وتسَوِّتْ وسُوَّيَتْ عليه، كلُّه: هَلك فيها. وقوله تعالى: لو تُسَوَّى بهمُ الأَرضُ؛ فسره ثعلب فقال: معناه يَصيرُون كالتراب، وقيل: لو تُسَوَّى بهم الأَرضُ أَي تَسْتَوي بهم.

    واسْتَوى من إعوِجاجٍ. وقوله تعالى: بَشَراً سَوِيّاً، وقال: ثلاثَ ليالٍ سَوِيّاً؛ قال الزجاج: لما قال زكريّا لربّه اجعَلْ لي آيةً أَي علامَةً أَعلم بها وقوعَ ما بُشِّرْتُ به قال: آيَتُكَ أَن لا تكلِّمَ الناسَ ثلاث ليالٍ سَوِيّاً؛ أَي تُمْنَع الكلامُ وأَنت سَوِيٌّ لا أَخرسُ فتعلَم بذلك أَن الله قد وهبَ لك الوَلدَ، قال: وسَوِيّاً منصوبٌ على الحالِ، قال: وأَما قوله تعالى: فأَرْسَلْنا إليها روحَنا فتمثَّل لها بَشَراً سَوِيّاً؛ يعني جبريلَ تمثَّل لمرْيمَ وهي في غُرْفةٍ مُغْلَقٍ بابُها عليها محجوبةٌ عن الخَلْقِ فتمثَّل لها في صورة خَلْقِ بَشَرٍ سَويٍّ، فقالت له: إني أَعوذُ بالرَّحْمن منك إن كنت تَقِيّاً؛ قال أَبو الهيثم: السَّوِيُّ فَعيلٌ في معنى مُفْتَعلٍ أَي مُسْتَوٍ، قال: والمُستَوي التامُّ في كلام العرب الذي قد بلغ الغاية في شبابِه وتمامِ خَلْقِه وعقلِه.

    واستَوى الرجل إذا انتهى شَبابه، قال: ولا يقال في شيءٍ من الأَشياء استَوى بنفسِه حتى يُضَمَّ إلى غيرِه فيقال: استَوى فلانٌ وفلانٌ، إلاَّ في معنى بلوغِ الرجل النهايةَ فيقال: استَوى، قال: واجتمع مثلُه. ويقال: هما على سَويَّةٍ من الأَمر أَي على سَواءٍ أَي استِواءٍ.

    وقوله تعالى: بَلَى قادِرين على أَن نُسَوِّيَ بَنانَه؛ قال أَي نَجْعَلَها مُسْتَوِيةً كخُفِّ البعير ونحوه ونرفع منافعه بالأَصابع (* قوله «ونرفع منافعه بالأصابع» عبارة الخطيب: وقال ابن عباس وأكثر المفسرين على أن نسوّي بنانه أي نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخف البعير فلا يمكنه أن يعمل بها شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يعمل بها ما شاء).

    وسَواءُ الجَبَلِ: ذرْوَتُه، وسَواءُ النهارِ: مُنْتَصَفُه، وليلةُ السَّواء: لَيلةُ أَربعَ عَشْرَة، وقال الأَصمعي: ليلةُ السواءِ، ممدودٌ، ليلةُ ثلاثَ عشْرةَ وفيها يَسْتَوِي القمر، وهم في هذا الأَمر على سَوِيّةٍ أَي اسْتِواءٍ.

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    خبير اللغتين التركية و العثمانية
    Munzer Abu Hawash
    Turkish - Ottoman Translation
    Munzer Abu Havvaş
    Türkçe - Osmanlıca Tercüme
    munzer_hawash@yahoo.com

  3. #3
    باحث إسلامي في علوم القرآن واللغة الصورة الرمزية أبو مسلم العرابلي
    تاريخ التسجيل
    26/04/2007
    العمر
    63
    المشاركات
    2,845
    معدل تقييم المستوى
    15

    Lightbulb

    أشكر أخونا منذر أبو هواش على جاهزيته الدائمة للرد
    سأعود لمناقشة ما لم أناقشه في نفس الموضوع
    لكن أحب أن أنوه بكلمة قصيرة قبل الرجوع للموضوع
    منذ ما يقارب العشرين عامًا وبالتحديد منذ عام 1989م بدأ بحثي في فقه استعمال الجذور ومعاني الحروف الهجائية
    وكنت أنوي أن أنزل هذه المواضيع بعنوان " فقه استعمال الجذور - روح اللغة المفقود"
    وقد ألقيت قبل سنة ونصف محاضرة في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين الذي انتمي له
    وألقيت محاضرة في نفس الموضوع في جامعة الحسين بن طلال بمعان يوم الاثنين الموافق 3/3/2008م
    ومن يراجع مواضيعي سيجد أثر فقه استعمال الجذور فيه
    ولي رجاء من جميع الأخوة اللغويين أن يقفوا وقفة تدبر ومراجعة للغة للنهضة بها
    ففقه استعمال الجذور يعرف به سبب تسمية المسميات بأسمائها ويحدد الأفعال بما يميزها عن المترادفات لها من خلال دراسة استعمال مشتقات ومبنيات كل جذر
    وإيجاد المعنى الذي تتوحد عليه جميع مفردات كل جذر
    وتعلقنا بلغتنا يكون بقدر معرقة عظيم خصائصها وتميزها عن اللغات الأخرى ... وألا يقتصر هذا التعلق والتعظيم لها على كبار العلماء .. بل يجب أن يكون كذلك من صغار الدارسين بجهود الكبار.
    لك أخي منذر أبو هواش كل تحية مني حتى نلتقي مجددًا إن شاء الله تعالى
    .

    التعديل الأخير تم بواسطة أبو مسلم العرابلي ; 11/08/2018 الساعة 09:50 PM

  4. #4
    باحث إسلامي في علوم القرآن واللغة الصورة الرمزية أبو مسلم العرابلي
    تاريخ التسجيل
    26/04/2007
    العمر
    63
    المشاركات
    2,845
    معدل تقييم المستوى
    15

    Lightbulb

    بسم الله الرحمن الرحيم
    قد يوجد للفعل أو الاسم مترادفات كثير ة كقولنا هذا سواء هذا؛ أي نفسه، ومثله، وشبيهه، وعدله، ونظيره، ونده، وكفؤه، وغير ذلك مما قد يستعمل في المقارنة بين اثنين أو شيئين، ولكل لفظ منها خصوصيته المبنية على خصوصية جذره, ولا تستوي هذه المترادفات إلا إذا أهملنا بعض خصائصها، لنفسر بها المترادفات لها .
    وحتى نقول هذا سواء هذا ويساويه؛ يجب أن يكتمل للثاني من الصفات ما كان للأول، فلا يزيد عليه، ولا ينقص عنه، حتى يصح القول.... "ويقال: ساوى الشيءُ الشيءَ إذا عادَلَه"؛ أي إذا كان للثاني مثل ما للأول من الصفات.
    وهذا جريًا مع استعمال الجذر في كل مشتقاته ومبنياته.
    "وفي البيع لا يساوي الشيء الثمن" المطلوب فيه، عند مقارنة مع ما قد يشترى بنفس الثمن مما له صفات أجود منه، أو كمية أكثر منه. .. يجب أن يعادل الثمن جودة المعروض للبيع وكمه.
    "ويقال: رجلٌ سواءُ البَطْنِ إذا كان بَطْنُه مُسْتَوِياً مع الصَّدْرِ"، أي أن بطنه ليس فيه اندفاع وزيادة على الصدر، وكذلك ليس فيه نقصان ورجوع إلى الظهر، ووضح ذلك القول: (وهما مُتَساوِيانِ لا ينْبُو أَحَدُهُما عن الآخرِ)
    "ورجلٌ سواءُ القَدَمِ إذا لم يكن لها أَخْمَصٌ"، أي أن ليس في بطن القدم ارتفاع وانخفاض فتساوى مسه للأرض بكل بطنه.
    وكذلك تسوية الأرض ألا تجعل فيها ارتفاع وانخفاض فتكون مستوية سهلة أي على سواء واحد.
    والسِيّ المثيل؛ وأصلها سِوي قلبت فيه الواو إلى ياء لكسرت ما قبلها، ثم أدغمت في الياء الثانية.
    وهما سَواءَانِ وسِيَّان مِثْلان، أي للثاني تمام ما للأول من الصفات، لا يزيد أحدهما ولا ينقص عن الآخر .
    أما قوله تعالى: (حتى إذا ساوى بين الصدفين)، أي أتم ملء ما بينهما
    وفي قوله تعالى: (في أربعة أيام سواء للسائلين) أي أربع أيام تامات كاملات.
    وقوله تعالى (آيَتُكَ أَن لا تكلِّمَ الناسَ ثلاث ليالٍ سَوِيّاً) أي ثلاث ليال كاملات تامات
    وليلةُ السَّواء: لَيلةُ أَربعَ عَشْرَة، حيث يكتمل القمر فيها، ويسبح بدرًا، وقال الأَصمعي: ليلةُ السواءِ، ممدودٌ، ليلةُ ثلاثَ عشْرةَ وفيها يَسْتَوِي القمر، والقمر في ليالي وسط الشهر الثلاث، يظهر كأنه تامًا لا ينقص منه ما يؤثر فيه... وأتمها ليلة أربع عشرة.
    وسَواءُ النهارِ: مُنْتَصَفُه، حيث تقع الشمس في وسط السماء، وتتساوى مدة ما مر منه مع ما بقي منه.
    وأما سَواءُ الجَبَلِ: فذرْوَتُه، لأنها نهاية ارتفاعه وتمام علوه.
    وقوله تعالى: ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) أي كلمة تامة كاملة لا ينقص منها شيء لغير الله فنعبد الله ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله).
    وقوله تعالى: (فاطلع فرآه في سواء الجحيم) أي في وسط الجحيم حيث تكون النار في أتم وأكمل شدتها، والشق والفرج يكون في أطراف الشيء لا في الوسط .. فالنجاة عليه بعيدة لو كان بالمستطاع النجاة منها.
    وسواء الشيء غيره لأنه لا بد من وجود آخر يقارن به، وفي الحديث: (سأَلْتُ رَبي أَن لا يُسَلِّطَ على أُمَّتي عَدُوّاً مِن سَواءِ أَنفسِهم فيسْتَبِيحَ بيْضتَهم أَي من غير أَهل دينهم)؛ لأن أهل الدين الواحد سواء فيه، وإذا اختلف الدين لم يكونوا على سواء، فلا يعادل الحق بالباطل.
    وقوله تعالى: (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (58) طه؛ أي مكان يتوسط أرضهم، يكون الجميع قادرين على الذهاب إليه، والحضور فيه، وأفضل الأمكنة وأسهلها ما توسطها. (تقول هذا مكان سَواءٌ أَي متوسط بين المكانين).
    واستوى الرجل: اعتدل أي قام قيامًا تامًا وكاملا.
    واستوي الرجل بلغ أشده أي اكتمل وتم جسمه وعقله.
    ويقول الناس استوى الثمر إذا اكتمل ونضج وجاز قطفه وأكله.
    وقوله تعالى: (فسواهن سبع سموات)، كما قال تعالى (رفع سمكها فسواها)؛ أي أكملها وأتمها سبع سموات برفع سمكها.
    وقوله تعالى: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) أي نتم أطراف أصابعه؛ ففيها بصماته التي لا يماثله أحد فيها، وهذا أصعب وأشق على غير الله أن يجعل بصماته في خفائها، وتميزها بما يجهله صاحبها، تامة كما كانت قبل الموت.
    وقوله تعالى: (فأَرْسَلْنا إليها روحَنا فتمثَّل لها بَشَراً سَوِيّاً)؛ يعني جبريلَ تمثَّل لمرْيمَ في صورة خَلْقِ بَشَرٍ سَويٍّ، أي بشر كامل تام لا تشك مريم ببشريته لئلا يرعبها وتفزع منه، فلا تستطيع تكليمه.
    ولما كان في معنى التمام والكمال الانتهاء إلى الغاية ليكون ما بعدها غيرها فقد فسر الفراء الاستواء كما جاء في تاج العروس؛ (وقال الفراء من معاني الاستواء أن يقول كان فلان مقبلا على فلان ثم استوى علي وإلي يشاتمني على معنى أقبل فهذا معنى ثم استوى إلى السماء والظاهر من المثال أنه انتهى من الأول وأتم الحديث معه، ثم أقبل إلى الآخر وعليه. ففسر الاستواء بشيء يفيده الاستواء ألا وهو الإقبال. ولكن ذلك لا يكون إلا بعد التمام مما سبق والانتهاء منه. ولفظ الاستواء شامل للجميع. فبعد التمام من خلق الأرض في أربعة أيام، كان إتمام السماء في اليومين الأخيرين، وليس خلقهما، إنما خلق السماء بدأ من اليوم الأول، والتمام كان في اليوم الخامس والسادس، كما جاء تفصيله في سورة فصلت في الآيات (9-12).
    أما قول الفراء وابن العباس "؛ قال الفراء: وقال ابن عباس ثم استَوى إلى السماء صعِدَ، وهذا كقولك للرجل: كان قائماً فاستَوى قاعداً، وكان قاعداً فاستَوى قائماً، قال: وكلُّ في كلام العرب جائز" قعد قعودًا تامًا لا قيام فيه، وقام قيامًا تام لا قعود فيه.
    أما الصعود فلا بد من شيء يتعمد عليه، فصارت المشكلة فيما فسر به اللفظ، وليس في نفس اللفظ ؛ لذلك وجه ابن عباس رضي الله عنهما الصعود توجيهًا آخر "أَي صعِد أَمره إلى السماء".
    وقال الجوهري: اسْتَوَى إلى السماء أَي قَصَدَ، واسْتَوى أَي اسْتَوْلى وظَهَر؛ وقال:
    قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ على العِرَاق، من غَيرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراق
    أي تم وكمل جمع العراق لبشر وحكمها، واستعمال لفظ استوى خير من استولى لقوله " من غَيرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراق" فلم يكن هناك من يقف أمامه ويحاربه.
    وقال الأَخفش: استَوى أَي علا، تقول: استَوَيْتُ فوق الدابة وعلى ظهر البيت أَي علَوْتُه. واستَوى على ظهر دابته أَي استَقَرَّ.
    وقد بينا أن ظهر الدابة ليس مقعدًا يكتفى بالجلوس عليه، بل يراد ما بعده من العمل أو السفر أو الترحال أو الانتقال، وتمام الجلوس لا يكون إلا بعد ملك الدابة، وذلها لمن يركبها، وقلت بأن شكر النعمة على ما يسهله ركوب هذه الدابة لراكبها، وييسره من الأعمال التي يطلبها راكبها.
    وقال الزجاج في قوله تعالى: (ثم استَوى إلى السماء)؛ عمَدَ وقصد إلى السماء، فهي كسابقتها من المترادفات التي يراد التفسير بها، لعدم العمل بفقه استعمال الجذور، ووحدة مفرداتها واجتماعها على المعنى المستعمل فيها.
    وهم في هذا الأَمر على سَوِيّةٍ أَي اسْتِواءٍ. أي لا يزيد أحدهم على الآخرين ولا ينقص عنهم.
    وقد جاء فيما نقله الأخ منذر أبو هواش إلى ما أشرنا إليه وبيناه؛ منها:
    "" وقال أَبو الهيثم: العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولَهم للغلامِ إذا تَمَّ شَبابُه قد اسْتَوى. ""
    "" ويقال: ساوَيْتُ هذا بذاكَ إذا رَفَعْته حتى بلَغ قَدْره ومَبْلَغه. ""
    "" وهما مُتَساوِيانِ لا ينْبُو أَحَدُهُما عن الآخرِ. ""
    "" قال أَبو منصور: وكلام العرب أَن المجتمِعَ من الرجالِ والمُسْتَوِي الذي تم شَبابُه، وذلك إذا تمَّتْ ثمان وعشرونَ سنةً فيكون مجتمِعاً ومُسْتَوِياً إلى أَن يَتِمَّ له ثلاثٌ وثلاثون سنةً، ثم يدخل في حدَّ الكهولةِ، ويحتمل أَن يكون بلوغُ الأَربعين غايةَ الاستِواء وكمالِ العقل. ""
    "" قال أَبو الهيثم: السَّوِيُّ فَعيلٌ في معنى مُفْتَعلٍ أَي مُسْتَوٍ، قال: والمُستَوي التامُّ في كلام العرب الذي قد بلغ الغاية في شبابِه وتمامِ خَلْقِه وعقلِه. ""
    ""واستَوى الرجل إذا انتهى شَبابه""
    أكرر شكري للأخ أبو هواش وكما تفضل فيه فإن اللغة حكم ... وهي التي أحتكم إليها؛ أي إلى استعمال العرب لها في المرتبة الثانية بعد استعمال القرآن الكريم لها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وهو أفصحهم، وأوتي مجامع الكلم.
    ويجب ملاحظة ما روعي فيه شطر الاستعمال أو بعضه، أو على التشبيه له بصفات أخرى لا علاقة لها باللفظ نفسه، والاكتفاء بإشارة اللفظ إلى ذات الشيء دون مراعاة سبب تسميته.

    التعديل الأخير تم بواسطة أبو مسلم العرابلي ; 11/08/2018 الساعة 09:48 PM

  5. #5
    أستاذ بارز الصورة الرمزية أحمد الحاج محمود الحياري
    تاريخ التسجيل
    08/11/2008
    العمر
    57
    المشاركات
    439
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي رد: حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء

    الأستاذ الفاضل أبو مسلم العرابلي الموقر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
    جزاك الله خيرا على ما قدمت وأود السؤال عن دليك في تالي ما قلت :
    (( وعرش الرحمن خلق من خلق الله خص به نفسه فلم يملك شيئًا منه لأحد، ولم يسخره لأحد من خلقه، لذلك سمي بعرش الرحمن ))
    فإن كان دليلا عقليا فهل يصح أن يكون الخبر بإثبات الفعل ونفي الفعل عن الله تعالى استنتاجا عقليا في الذي تخبرنا به بقولك عن العرش : ( خص به نفسه فلم يملّك شيئا منه لأحد ،ولم يسخره لأحد من خلقه ) ؟

    ولدي أسئلة كثيرة أود طرحها وأنتظر جواب السؤال الأول شاكرا تكرمك بالتوضيح.

    وأقول لك ولنفسي فلنتق الله في كل حرف حين نكتب في العقيدة فهناك واد زلق قد يودي الحرف فيه إلى المهالك.

    التعديل الأخير تم بواسطة أبو مسلم العرابلي ; 03/10/2016 الساعة 07:28 PM

  6. #6
    باحث إسلامي في علوم القرآن واللغة الصورة الرمزية أبو مسلم العرابلي
    تاريخ التسجيل
    26/04/2007
    العمر
    63
    المشاركات
    2,845
    معدل تقييم المستوى
    15

    Lightbulb رد: حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد الحاج محمود الحياري مشاهدة المشاركة
    الأستاذ الفاضل أبو مسلم العرابلي الموقر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
    جزاك الله خيرا على ما قدمت وأود السؤال عن دليك في تالي ما قلت :
    (( وعرش الرحمن خلق من خلق الله خص به نفسه فلم يملك شيئًا منه لأحد، ولم يسخره لأحد من خلقه، لذلك سمي بعرش الرحمن ))
    فإن كان دليلا عقليا فهل يصح أن يكون الخبر بإثبات الفعل ونفي الفعل عن الله تعالى استنتاجا عقليا في الذي تخبرنا به بقولك عن العرش : ( خص به نفسه فلم يملّك شيئا منه لأحد ،ولم يسخره لأحد من خلقه ) ؟

    ولدي أسئلة كثيرة أود طرحها وأنتظر جواب السؤال الأول شاكرا تكرمك بالتوضيح.

    وأقول لك ولنفسي فلنتق الله في كل حرف حين نكتب في العقيدة فهناك واد زلق قد يودي الحرف فيه إلى المهالك.
    أخي الكريم أحمد الحياري
    أتشرف بمروركم على ما أنشر من مواضع متعلقة بالقرآن الكريم، واللغة العربية.
    وأرحب بكل استفسار أو نقاش في الموضوع من قِبلكم، ومن قِبل أي عضو كريم.
    أشكر لك ابتداء نصيحتك ... وأرجو أن لا أكون غافلا عن أمر عظيم كهذا ..
    فالغفلة عن أمر كهذا أو الجهل فيه من المهلكات.
    والاستنتاج العقلي إذا لم يبن على دليل من القرآن أو من السنة، أو من لغة العرب الذي نزل بها القرآن؛ لا يعد عقلا للمسألة.. وسيكون هراء وأضغاث أهواء.
    أما من حيث خلق الله للعرش؛ فكل ما دون الله تعالى مخلوقًا؛ كان ماديًا، أو كان ذا روح، أو دون روح.
    فكل شيء في الوجود لا يعود إلا إلى الله عز وجل.
    قال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَـاـلِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) غافر.
    وقال تعالى: (قُلِ اللّهُ خَـاـلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّـاـرُ (16) الرعد
    والعرش شيء مادي محدود يقع عليه الحس ويرى؛
    عرف ذلك بما أخبر الله تعالى عنه؛
    قال تعالى: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـاـنِيَةٌ (17) الحاقة.
    فمهما بلغ اتساع المحشر يوم القيامة يظل محدودًا وفوقه العرش
    وقال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ..(7) فصلت
    وقال تعالى: (وَتَرَى الْمَلَـاـئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـاـلَمِينَ (75) الزمر.
    وهذه الآيات أكثر وضوحًا في بيان رؤية العرش، ومحدودية العرش والتي بعدها.
    وقال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَـاـوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء..(7) هود.
    وليس من الصعب بعد هذا استنتاج أن الله سبحانه وتعالى لا يحد عرشه بحدود .
    ولا القول بأن العرش أمر معنوي وليس بمادي مما لا تقع عليه العين ولا يمكن إبصاره.
    العرش لا يبصر في الحياة الدنيا لأنه مكانه ليس في الأرض ولا قريبًا منها.
    هذا من حيث خلق العرش
    أما من ناحية خصوصية العرش
    فإن الاستعمال العربي لمادة عَرَشَ كانت في خصوصية الشيء، وثباته، واعتماده على غيره.
    والحديث في ذلك فيه شرح طويل لكل مفردات هذا الجذر... وإن أحببتم عدنا إليها بالتفصيل.
    واعتماد وجود العرش هو على الله تعالى، وليس اعتماد الله عز وجل على وجود العرش.
    والعرب خير من يحسن التقدير على ما كان بهم من جهالة فيما يخص لغتهم..
    ويدركون أن كل صاحب ملك يجعل له ما يخصه به نفسه،
    ومن الأمور البدهية أن يكون لصاحب ملك عظيم هو رب السموات والأرض؛ ما يخص به نفسه، ولو لم ير هذا الشيء أحد منهم.
    قال تعالى: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَـاـوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) المؤمنون.
    أقروا بذلك وهم لم يروا عرش الله العظيم ولن يروه في الدنيا.
    والعرش عند الناس؛ هو الكرسي الذي يخص به الملك نفسه، ويدير ملكه وهو جالس عليه، ولا يجوز لأحد استعماله، ولا الجلوس عليه في غيابه، ويجعل صناعته وما يزين به؛ فوق قدرة أحد من رعيته، استحضارًا لهيبة الملك، أما بقية الكراسي في حاضرة الملك فتكون دون عرش الملك بكثير، ويتقلب عليها وزراؤه وضيوفه.
    وقد جاء في ذكر عرش ملكة سبأ؛
    قال تعالى: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) النمل.
    وقال تعالى: (قَالَ يَـاـأَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) النمل.
    وقال تعالى: (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ..(42) النمل.
    وأما بالنسبة لله تعالى فقد كتب المقادير منذ أن خلق القلم، وجعل ذلك عنده، وليس له مكان خاص ويشرفه غير عرش الرحمن، ومنه يؤخذ الأوامر، وترفع له الأعمال. وليس من جديد على الله سبحانه وتعالى.

    التعديل الأخير تم بواسطة أبو مسلم العرابلي ; 11/08/2018 الساعة 09:43 PM

  7. #7
    باحث إسلامي في علوم القرآن واللغة الصورة الرمزية أبو مسلم العرابلي
    تاريخ التسجيل
    26/04/2007
    العمر
    63
    المشاركات
    2,845
    معدل تقييم المستوى
    15

    افتراضي رد: حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء

    ارتباط ذكر استواء الرحمن على العرش بالتدبير الذي يكون بعد الاستواء وجوبًا،
    لأن الفعل استوى دل على أنه انتهى من شيء وأصبح جاهزًا لما بعده؛

    وقد جاء ذكر استواء الرحمن على العرش في سبع آيات؛
    ثلاثة منها صرح بالتدبير تصريحًا؛
    الأولى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ {3} يونس.
    الثانية : { اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ {2} الرعد.
    الثالثة : {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ {4} يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ {5} السجدة.
    زآيتان آيات ذكر من أفعال التدبير ما ينوب عن التصريح بالتدبير؛ كتسخير الشمس والقمر، والعلم بما ينزل من السماء وما يعرج فيه، وما يلج في الأرض وما يخرج منها، وتقليب الليل والنهار، والعلم بما يجهر من القول وما يسر به، وكلها متابعات لفعل ما يلزم من التدبير.
    الرابعة : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {54} الأعراف.
    الخامسة: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {4} الحديد.
    وآية ذكر فيها الله تعالى باسمه الرحمن الدال على عطائه للجميع، وانه له ما كل شيء حتى ما تحت الثرى، ويعلم كل قول حتى ما كان سرًا وما خفي في صدور عباده؛
    السادسة : { تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى {4} الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى {6} وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى {7} طه.
    وآية ذكر الله تعالى باسمه الرحمن الذي جعل في السماء بروجًا وسخر الشمس والقمر من آيات التدبير، وهو الخبير في كل شيء؛
    السابعة : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا {59} وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا {60}تبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا {61} وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا {62} الفرقان.
    فارتباط استواء الرحمن على العرش بالتدبير ارتباط وجوب، والاستواء ليس نهاية فعل، بل هو لأجل فعل بعده هو التدبير بعد تمام الخلق للسماوات والأرض والانتهاء من خلقهما. وأنهما لم يتركا بعد الخلق بلا متابعة، فلم يخلقا من باب اللعب واللعب والعبث، فقد جعلا لأجل من سيعيش فيهما؛
    : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {13} الجاثية.
    : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {29} البقرة.
    : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {56} الذاريات.


  8. #8
    باحث إسلامي في علوم القرآن واللغة الصورة الرمزية أبو مسلم العرابلي
    تاريخ التسجيل
    26/04/2007
    العمر
    63
    المشاركات
    2,845
    معدل تقييم المستوى
    15

    افتراضي رد: حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء

    لما لم يذكر الله تعالى أن يستوي على العرش
    ولا أنه مستوٍ على العرش ؟


    فعل "يستوي على العرش" المضارع؛ يفيد انه ما زال في الفعل ولم يخرج منه،
    ومعنى ذلك أنه لم يبدأ بتدبير أمر السماوات والأرض.
    وهذا مخافًا ومنافيًا لفعل الله القائم في التبير.

    والاسم "مستوٍ على العرش" والاسم يفيد الدوام والاستقرار لأنه ليس حدث،
    ويترتب على ذلك أن الله لن يدخل في تدبير أمر السماوات والأرض وما فيهن أبدًا.

    ولذلك لا يصح أن يوصف الله تعالى بأنه يستوي على العرش ولا انه مستو على العرش.
    لما يترتب على ذلك من فساد المعنى.

    فلم يذكر الله تعالى إلا أنه "استوى على العرش"؛ لأنه أتم خلق السماوات والأرض،
    وبدأ بعدها بتدبير أمرهما وما فيهما.

    ولذلك يجب أن يكون الإيمان بأسماء الله وصفاته بالألفاظ التي وردت في كتاب الله تعالى،
    وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم والصحيحة،
    وعدم الاشتقاق منها، فالاشتقاق يولد معانٍ جديدة قد تكون قبيحة ولا تليق بالله عز وجل


  9. #9
    باحث إسلامي في علوم القرآن واللغة الصورة الرمزية أبو مسلم العرابلي
    تاريخ التسجيل
    26/04/2007
    العمر
    63
    المشاركات
    2,845
    معدل تقييم المستوى
    15

    افتراضي رد: حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء

    لم يأتي الفعل المضارع "يستوي" في القرآن الكريم ،
    إلا في النفي الأبدي لالتقاء متضادين؛
    وأن ليس للأول من تمام وكمال الصفات ما للثاني
    ولأن إفادة المضارعة في "يستوي" أنه لم يبدأ بما بعده.


    ومن الأمثلة على ذلك:
    : {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ{12) فاطر.
    : {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ {19 وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ {20} وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ {21} وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ {22} فاطر.


+ الرد على الموضوع

الأعضاء الذين شاهدوا هذا الموضوع : 0

You do not have permission to view the list of names.

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •