Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2968

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958
تاريخ الصّهيونيّتين: اليهودية والنصرانية الغربية؛ فهل من الممكن الحديث عن ثالثة؟

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: تاريخ الصّهيونيّتين: اليهودية والنصرانية الغربية؛ فهل من الممكن الحديث عن ثالثة؟

  1. #1
    أستاذ جامعي الصورة الرمزية جمال الأحمر
    تاريخ التسجيل
    10/07/2008
    المشاركات
    1,614
    معدل تقييم المستوى
    14

    Post تاريخ الصّهيونيّتين: اليهودية والنصرانية الغربية؛ فهل من الممكن الحديث عن ثالثة؟

    تاريخ الصّهيونيّة والصّهيونيّة المسيحيّة

    (
    الجزآن: الأوّل والثاني
    )

    عز الدّين بن عثمان


    تمهيد:
    الصّهيونيّة إيديولوجيا تتغنّى بنجاحها في تحقيق إنجاز شبيه بالحلم؛ هذا ظاهرها ولكنّ باطنها شيء آخر سأحاول توضيحه. أوّل من استعمل كلمة صهيونيّة، علنا، كان ناثان بيرنباوم Nathan Birnbaum في فيينّا ليلة 23 جانفي 1892 لكنّ الصّهيونيّة السـّـياسيّة بدأت مع نشر كتاب هرتزل يودنشتات (Judenstaat) سنة 1896 ثمّ أقيم المجلس الصّهيونيّ الأوّل لاحقا (في العام نفسه) إلاّ أنّ الفكرة والتـّـنظيم الصّهيونيّين كانا موجودين في أوساط الحاخامات والمثـقـّـفين اليهود قبل ذلك بكثير فقد سبق هارتزل في التـّـنظير لدولة إسرائيل الكبرى صهاينة عديدون كانوا يعيشون في ألمانيا وروسيا وبلدان أروبيّة أخرى. وتتمثـّـل كتابات الصّهاينة قبل وفي عهد هارتزل عن البحث عن طرق عمليّة يستطيعون بواسطتها بناء دولة في فلسطين وطرد الفلسطينيّين منها. وقد رسّخت تلك الكتابات فكرة "المشكل اليهوديّ" إذ زعمت أنّ حياة اليهود في أروبّا لم تكن طبيعيّة لكنّ الحقيقة هي أنـّـهم رأوا ضعف الامبراطوريّة التـّـركيّة وتخلـّـف المسلمين فأرادوا أن يفوزوا بنصيبهم من كعكة الرّجل المريض كغيرهم من البلدان الاستعماريّة. ولا يمكن فهم الصّهيونيّة إلاّ بالنـّـظر إلى الأوضاع الدّوليّة في سنوات 1800 ـ 1890 فقد استمرّ النـّـشاط الصّهيونيّ لتسع عقود قبل أن تتـّـخذ الصـّـهيونيّة شكل منظـّـمات عديدة متعاونة فيما بينها منتشرة في معظم بلدان أروبّا وفي أمريكا. لكنّ بعض الكتابات ترجع فكرة الصّهيونيّة إلى القرن الرّابع عشر وهذا قول حوله أختلافات كثيرة إلاّ أنّ الأمر المؤكـّـد أنّه كان يـُستعمل قبل هارتزل وفي روسيا بالتـّـحديد تعبير "هبة زايون" (Palestinofilstvo). وفي هذا النـّـصّ لن يكون بمقدوري الإتيان على تاريخ الصـّـهيونيّة بأكمله لأنّ الصّهيونيّة متشـعـّـبة إذ يقسـّـمها الدّارسون إلى صهيونيّة ما قبل تأسيس إسرائيل وصهيونيّة ما بعد تأسيسها ولأسباب أخرى منها:
    ـ أنّ الحركة الصـّـهيونيّة تتمثـّـل في منظـّـمات عالميّة عديدة يفوق عددها الإثني عشر واتـّـحادات كثيرة تنشط في كلّ بلد تقريبا، وهذه يصعب الإتيان عليها كلـّـها.
    ـأنّ المنظـّـرين لها كثر؛ يعدّون بالمئات أو الآلاف لئن حسبنا الصّهاينة المسيحيّين.
    ـ أنّ الصّهيونيّة فيها تيّارات مختلفة منها الصـّـهيونيّة الثـّـقافيّة التي ينظـّـر لها آشر غينزبارغ الذي يسمّى أيضا آهاد حاءام (Asher Ginsberg or Ahad Ha'am) والصّهيونيّة الاجتماعيّة التي ينظـّـر لها بر بوروشوف (Ber Borochov) والصـّـهيونيّة الدّينيّة التي ينظـّـر لها الرّبابنة (جمع ربّان Rabbi) والأحبار والحاخامات من أمثال كوك ورينس (Cook, Reines) والصـّـهيونيّة القوميّة أو المراجَـعـَــة التي ينظـّـر لها جابوتنسكي (Jabotinski).
    أمّا السـّـبب الرّئيسيّ الذي يجعل المهمّة التي اتـّـخذت على عاتقي عسيرة للغاية فهو أنّ الكتب والمنشورات الصـّـهيونيّة تعدّ بالملايين ولا يمكن الاطـّـلاع عليها جميعها أبدا، كما أنّ معظم المنـّـظمات والاتـّـحادات الصـّـهيونيّة تتوخـّـى السـّـريّة وتعتمد على نصوص غير منشورة وتقول بأفكار ليست معروفة سوى في أوساط المنتمين إليها. ولكي أوضـّـح هذا للقارئ أذكر ما يقوله الباحثون من أنّ أرشيف الصـّـهيونيّة في القدس يمتدّ ميلا أو أكثر. كلّ كتاب وكلّ مقال نشره صهيونيّ موجود في ذلك الأرشيف؛ بالتـّـالي نستخلص منذ الوهلة الأولى أنّ إسرائيل كيان صهيونيّ متمسّك بجذوره الصـّـهيونيّة. وأفيد القارئ أنّ من مؤرّخي الصـّـهيونيّة شوكولوف الذي كان يكتب إبـّـان الحرب العالميّة الأولى وكذلك بومه (Böhme) الذي وضع كتابا عنوانه "Zionishtische Bevegung" وفيه أرّخ للصّهيونيّة حتـّـى سنة 1920. وكلّ كتب التـّـاريخ التي درست الصـّـهيونيّة كانت متعاطفة معها وقليلا منها فقط أوضح طبيعتها العنصريّة كما أنّ الكتابات الحديثة تتغنـّـى بنجاح الصـّـهيونيّة وتقول إنـّـها لم تكن غريبة الأطوار أو مثاليّة. وفي كلّ سنة يجتمع اتـّـحاد الصـّـهاينة المسمّى "المنظـّـمة الصـّـهيونيّة العالميّة" ZIO في مدينة أروبيّة أو أمريكيّة ليناقش المخطـّـطات السـّـياسيّة والماليّة والثـّـقافيّة التي من شأنها أن توصل الصّهاينة إلى غزو العالم والسـّـيطرة عليه. وليعلم القارئ أنّ الصّهيونيّة صارت معقـّـدة جدّا بعد سنة 1917 ثمّ صارت منتشرة انتشارا واسعا في جميع أنحاء العالم لتشمل حركات دينيّة غير يهوديّة مثل المبشـّـرين البروتستانت الذي يسمّون أنفسهم الإنجيلييّن وحركات علمانيّة أو شيوعيّة تنادي بتوحيد العالم تحت قيادة واحدة. ويصعب الحديث عن الصـّـهيونيّة من دون التـّـعرّض لتاريخ فلسطين وذلك يجعل مهمـّـتي عويصة للغاية. لكنّي لن ألجأ إلى وضع تأريخ كرونولوجيّ كما يفعل البعض فذلك يحيـّـدني عن التـّـحليل.
    في الحقيقة كان الصـّـهاينة عبارة عن قبائل منغلقة على نفسها بالنـّـسبة لبقيّة العالم لكنـّـها متعاونة إلى أبعد الحدود وتزعم أنـّـها تمتلك الحكمة. أمّا وسائلها في فرض نفسها فتتمثـّـل في الانتشار عبر المال والتـّـحكـّـم بالأسواق الماليّة والتـّـجاريّة وتلجأ إلى الإجرام والقتل من أجل فرض سيطرتها. وفي مقابل النـّـشاط الصّهيونيّ المنظـّـم والمكثـّـف نجد العرب والمسلمين، وهم أكثر عددا، مشتـّـتين ومتصارعين ومهمـّـشين لأنـّـهم لا يتعاونون. اليهوديّ يناصر اليهوديّ ظالما أو مظلوما والعربيّ يحطـّـم أخاه العربيّ ولا حرج وهذا يصيب بالدّوخة. ويمكن القول إنّ عددا كبيرا من المثـقـّـفين العرب تبنـّـوا الأفكار الصـّـهيونيّة وصاروا يدافعون عن الصـّـهيونيّة لكونها، في نظرهم، فكرة جيّدة. أمّا الحكـّـام العرب فإن لم يعتنقوا الصـّـهيونيّة فلن ترضى أمريكا بالإبقاء عليهم في السـّـلطة. وليس لديّ شكّ في أنّ بعض الحكـّـام العرب يحضرون بعض جلسات المنظـّـمة الصـّـهيونيّة العالميّة. ولابدّ من الإشارة هنا إلى أنّ الصّهيونيّة اضطلعت، بعد تأسيس إسرائيل، بتطبيع ذلك الكيان العنصريّ ومنحه مكانة وهويّة بتصوير اليهود كشعب مضطهد لابدّ له من أن يستعيد كرامته في العالم كلـّـه حتـّـى أنّ حكومات البلدان الغربيّة تعمل على تحقيق الأهداف الصـّـهيونيّة كجزء لا يتجزّأ من سياساتها واستراتيجياتها. ومنذ سنة 1948 خرجت الصـّـهيونيّة من طور التـّـنظير إلى طور الفعل والعمل وكانت أولياتها جعل العرب يقبلون بإسرائيل بالرّغم من كلّ ما تفعله بالفلسطينيّين. وحين زار السـّـاداتالقدس قال إنّ حرب 73 هي آخر حروب العرب على إسرائيل وكأنـّـما اعترف أنّ العرب هم الذين كانوا يحاربون إسرائيل باطلا. وقبل السّادات أعرب الملك فيصل عن تأييده لوعد بلفور، خلال مؤتمر عقد بفرنسا سنة 1919 لمناقشة قضيّة سوريا. وتعمل الصـّـهيونيّة حاليا على فرض قبول إسرائيل وغضّ الطـّـرف عمّا تفعله وهذا القبول لن يتمّ إلاّ بتغلغل الفكر الصـّـهيونيّ في أذهان المسلمين والعرب وفي أذهان العالم بأسره.


    البدايات:
    يقول ولتر لاكور (Walter Laqueur) في كتابه "تاريخ الصـّـهيونيّة" إنّ الخاصّية الإعتذاريّة لليهوديّة كانت تقليديا من أهمّ أسباب ضعفها ولذلك كانت الصـّـهيونيّة الوسيلة في تصويب ذلك (في التـّـمهيد ص xxviii). وإن كان ولتر لاكور منحازا للصـّـهيونيّة ومعجبا بها فإنـّه يعترف أنّ تاريخ اليهود متأتّ من صفوف الصـّـهيونيّة (بالصـّـفحة ذاتها). وقبل الثـّـورة الفرنسيّة كان اليهود يعيشون في غطـّـوهات لكنّ تلك الغطـّـوهات لم يضعهم فيها المسلمون ولا العرب. وعندما جاءت الثـّـورة الفرنسيّة نادت بعدم التــّـمييز بين المواطنين بما في ذلك اليهود. ولا يخفى على القارئ أنّ آثار الثـّـورة الفرنسيّة قد مسّـت العالم بأسره. استثمر اليهود التـّـغييرات التي حدثت في العالم لتكثيف المطالبة بالتـّـشريعات التي تمنحهم مكانة فصدرت القوانين في بروسيا وفي بلدان أخرى تمنع التـّـمييز بينهم وبين باقي المواطنين. ولم يكن ملك بروسيا مشفقا عليهم وإنـّـما فعل ذلك من أجل تجنيدهم لمحاربة نابوليون بونابارت. وفي تلك الفترة كان اليهود مسيطرين على وسائل الدّعاية كما هو الحال اليوم فقاموا بالدّعاية المكثـّـفة لبروسيا ممّا جعل نابليون يتراجع عن الحقوق التي منحتها إليهم فرنسا. وكان اليهود مكروهين في أروبّا في ذلك العهد لأنـّـهم غير منخرطين في ثقافة أروبّا وكانوا يتاجرون في الخمور خاصّة في بولندا وهم يمتازون بمهارة فائقة في صناعة الخمرة ولم يكونوا ميـّـالين إلى الإختلاط بغيرهم. وفي تلك الفترة كان يعيش في أروبا 90 بالمائة من اليهود ولم يكن بفلسطين سوى أقلّ من واحد بالمائة منهم. وقد استغلـّـوا ظروف الحرب ليصنعوا الثـّـروة بكلّ الوسائل حتـّـى أنّ البعض منهم صار يملك البنوك منهم عائلة أوبـّـنهايم وعائلة روثشيلد وعائلة هيرش. وقد سيطروا على كلّ البنوك في برلين ثمّ دخل الكثير منهم تجارة الجملة والتـّـفصيل وكذلك المضاربة في الأسواق المالية وبالرّغم من السـّـيطرة على الثـّـروة في ألمانيا ظلـّـوا منغلقين على أنفسهم.
    عندما تركـّـزت الثـّـروة لديهم برزت نساء يهوديّات كثيرات تجمعن رجال الدّولة والأمراء والأثرياء والشـّـعراء في صالوناتهنّ منهنّ، كما يذكر وولتر لاكور، راشال فرنهاغن، هنريات هارتز، دوروثيا شليغل وفنـّـي آرنشطاين. وكانت تلك الصـّـالونات بعيدة كلّ البعد عن اليهوديّة بل كانت أماكن لتبادل الغرام. كما رافق ذلك اعتناق الانتلـّـيجنسيا اليهوديّة للمسيحيّة فحذّر الرّبابنة من موت اليهوديّة وتعالت أصوات تنادي بتفوّق الشـّـعب اليهوديّ على كلّ الأعراق. وفي سنة 1810 غيّرت أسبوعيّة سولاميت Sulamit اليهوديّة البرلينيّة عنوانها إلى إيزرائيليت (Israelit) وبعد ذلك صار المثقـّـفون يسمـّـون انفسهم "أصحاب الدّيانة الموسويّة". ثمّ عمل الرّبابنة على إحياء العبريّة واليهوديّة الأصوليّة فوُصف الدّاعون إلى اندماج اليهود في الشـّـعوب الأروبيّة بأنـّـهم أعداء لليهود. وفيما كان كارل ماركس ينظـّـر لثورة عالميّة فقد خدم اليهود بذلك إذ جعل انتشار الأحزاب الماركسيّة اليهود الذين يمثـّـلون حكومات في صلب الحكومات الأروبيّة جزءا من الجماهير الثـّـوريّة. وكان فيخته عدوّا لدودا لليهود إذ هو الذي كتب إنّ اليهود يجب تهجيرهم إلى فلسطين أو قطع رؤسهم. وفي تلك الفترة أي منذ 1903 صار كلّ من يكتب عن اليهود يوصف في الصـّـحافة اليهوديّة بأنـّـه معاد للسّامية واليهوديّة. بالرّغم من ذلك كانت الأصوات تنادي بتخليص أروبا منهم كما فعلت إسبانيا عندما قامت بطردهم وأنقذت نفسها قائلة إنّ اليهود قد أفسدوا المجتمعات الأروبيّة وذلك نظرا لأعمالهم السـّـيّئة. وفي مواجهة العنصريّة الأروبيّة التي كانت تـُـمارَس عليهم انقلب اليهود إلى عنصريّين في ظلّ النـّـزعة الرّومانسيّة التي كانت في أوجها في تلك الفترة أي منذ 1798 مع سامويل تايلر كولريدج وويليام ووردزوورث. وما جعل الأروبيّين يعادون اليهوديّة هي نظرتهم إلى اليهوديّة على أنّها تساوي الرّبح والأنانيّة، كما كتب ماركس. ولعلّ القارئ قد فهم أنّه في ظلّ الرّومانسيّة الصـّـاعدة واليهوديّة الأصوليّة نمت معاداة اليهود وكذلك الصـّـهيونيّة.
    في سنة 1858 دخل البرلمانَ الأروبيّ أوّل نائب يهوديّ، (Lionel Nathan de Rothschild) ـ (في الحقيقة تمّ انتخابه عدّة مرّات قبل ذلك لكنـّـه كان يُمنع من تولـّـي منصبه لرفضه القسم على الإنجيل). المهمّ لم يلبث أن تكوّنت في بريطانيا أقلـّـية يهوديّة محتكرة للثـّـروة فيها. وفي حقيقة الأمر سيطر اليهود في أروبا الشـّـرقيّة وفي كوبنهاغن وبوداباشت وأمستردام وفي روما، وفي سنة 1848 عمل يهوديّان كوزيرين في الحكومة الجمهوريّة الفرنسيّة، وفي ألمانيا ارتفع عدد النـّـوّاب اليهود إلى خمسة. أمّا في بريطانيا فقد كان الوزير الأوّل ديزرائيلي يهوديا لكنـّـه اعتنق المسيحيّة عندما كان صغيرا. ولعلّ القارئ يعلم أنّ ديزرائلي كان من أشدّ المؤيدين للتوسّع والمحافظة على الإمبراطوريّة البريطانية في الشـّرق الأوسط وآسيا الوسطى. وعلى الرّغم من اعتراض مجلس الوزراء ومن دون موافقة البرلمان حصل على قرض قصير الأجل من ليونيل دي روثشيلد لشراء 44 ٪ من أسهم شركة قناة السـّويس. وهو الذي قال بضرورة الإطاحة بالإمبراطوريّة العثمانيّة وهو الذي جعل ملكة بريطانيا ملكة على الهند.
    وتقول الرّوايات إنّه في سنة 1860 تكوّنت في فرنسا منظـّـمة Alliance Universelle Israelite "التـّـحالف العالمي الإسرائيليّ" وهي حكومة يهوديّة عالميّة كان هدفها المرحليّ إنشاء المدارس في المغرب حيث توجد جالية يهوديّة غير متعلـّـمة وكذلك في بلدان منطفة البلقان. وفي سنة 1870 تكوّنت الجمعيّة الأنغلويهوديّة، وفي سنة 1901 تكوّنت جمعيّة اسمها "Deutsche Hilfesverein" بألمانيا، (رابطة المعونة الألمانيّة) وفي سنة 1899 تكوّنت جمعيّة اسمها "ORT" في روسيا، وفي سنة 1871 تكوّنت منظـّـمة اسمها "L'Association Coloniale Juive"، أي الجمعيّة الاستعماريّة اليهوديّة، في باريس، وكان هدفها مساعدة يهود أروبّا على الهجرة إلى فلسطين وأمريكا. ومنذ 1848 برز مثقـّـفون يهود يمارسون التـّـأليب ويثيرون الشـّـغب من بينهم أذكر، على سبيل المثال، فيلهالم مار (1819-1904) (Wilhelm Marr) الذي وضع أوّل مرّة عبارة "معاداة السـّـامية". كان المثـقـّـفون واليساريّون اليهود ينشطون في صلب الحركات اليساريّة ليس من أجل تحرير الطـّـبقة العاملة بل من أجل أنفسهم وكانوا يستثمرون الحركات الإنسانيّة من أجل أنفسهم أيضا. وتتلخـّـص فكرة مار في أنّ اليهود لا يمكن أبدا أن يحرّروا أنفسهم من الألمان بالرّغم من سيطرتهم على المال والصـّـناعة في ألمانيا وقد ظلّ يردّد أنّ المشكلة اليهوديّة لا يمكن حلـّـها حتـّـى عن طريق الاستيعاب التـّـامّ لليهود وإنـّـما لن يُحلّ صراع اليهود مع الألمان إلا بإبادة أحد الطـّـرفين أي أنّ انتصار طرف يعني إبادة الطـّـرف الآخر وكان مار يفتخر بأنّ اليهود قد جعلوا الألمان عبيدا وصاروا يمارسون ديكتاتوريّة أمبراطوريّة. وبما أنـّـهم يسيطرون على الأسواق الماليّة فإنّ كساد 1873 قد زاد من مقتهم من قبل الألمان. ويقول بعض الكتـّـاب إنّهم هم الذين جعلوا هتلر يعمل على تصفيّتهم لأنّهم كانوا يتحدّثون عن صراع بين الألمان واليهود إثر صعود النـّـازية سنة 1920. وفي منشور سريّنشر سنة 1893 تساءل رافائيل لووينفالس (Rafael Lowenfels) عمّا إذا كان اليهود أقرب إلى البروتستنت منهم إلى المتعصّبين المؤمنين بحكمة التـّـلمود وصاغ شعارا ظلّ يردّده: "العام المقبل في القدس"، وقال إنّ هذا اعتقاد كلّ اليهود. وفي نفس السـّـنة أسس منظـّـمة تسمـّـى: الجمعيّة المركزيّة لمواطني ألمانيا ذوي الإقناع اليهوديّ التي تسمّى اختصارا "Centralverein" أو CV. صارت تلك المنظـّـمة أقوى منظـّـمة يهوديّة في ألمانيا إذ بلغ عدد المنتمين إليها 60000 سنة 1926 وكان هدفها القتال من أجل حقوق اليهود، فقد كانت إذا منظـّـمة صهيونيّة على عكس ما تقول بعض الدّراسات. ويمكن القول إنّ الأوساط الأصوليّة اليهوديّة تبنـّـت منذ ذلك العام مبادئ معادية للتـّـنوير وعقائد قائمة على العنف واللاّإنسانيّة.
    هذا ما تبنـّـاه الصـّـهيونيّ شايم عزرائيل وايزمان الذي قدم من بلاّروس إلى ألمانيا سنة 1890 ليصبح زعيما للمنظـّـمة العالميّة الصّهيونيّة. لم يحضر المؤتمر الصّهيوني الأول، الذي عقد في 1897 في بازل، سويسرا، لكنّه حضر كل مؤتمر بعد ذلك. وفي سنة 1902، اختلف مع تيودور هرتزل وأسّس الحزب الديمقراطيّ الصّهيوني في بداية 1903. وفي سنة 1904 أصبح أستاذا للكيمياء بجامعة مانشستر وسرعان ما صار زعيما للصّهاينة في بريطانيا. وفي ذلك الوقت قابل رئيس الوزراء آرثر بالفور ووعده بأن يساعده في الحملة الانتخابيّة لقاء وعده بدولة لليهود في فلسطين. زار وايزمان القدس وعندما كان هناك ساعد في تأسيس شركة تنمية الأراضي الفلسطينيّة لكي تقوم بالاستحواذ على الأراضي وتساعد على تحقيق المشروع الصـّـهيونيّ. كما أنـّـه تنقـّـل كثيرا ليقنع اليهود بالهجرة إلى فلسطين وليس الانتظار حتـّـى تتشكـّـل دولة يهوديّة هناك. وقد كان يقول إنّ الدّولة اليهوديّة لا يمكن أن تتأسّس سوى بالقوّة. وفي سنة 1917 تمكـّـن من الحصول على وعد بلفور. ولم يكن منحازا للصّهيونيّة العمـّـالية ولا لما يسمّى الصّهيونيّة المراجـَـعَـة التي أسـّـسها زيييف جابوتنسكي Zeev Jabotinsky وإنـّـما كان توفيقيّا بين الاثنين. وفي الثـّـالث من جانفي 1919 قابل فيصل ملك العراق وأمضى وإيّاه إتـّـفاقيّة صداقة بين العرب واليهود في الشـّـرق الأوسط لأنـّـه كان خائفا من أن تؤلـّـب هجرة اليهود القادمين من جميع أنحاء العالم إلى فلسطين العربَ عليهم. وبعد 1920 صار رئيسا للحركة الصّهيونيّة العالميّة مرّتين (1920-1931 ثمّ 1935-1946). وفي سنة 1921 عمل وايزمان مع ألبرت أينشطاين على جمع الأموال من أجل إنشاء جامعة القدس اليهوديّة. وخلال الحرب العالميّة الثـّـانية عمل مستشارا لوزارة التـّـموين البريطانيّة كما أنّ ابنه التحق بالحرب كطيّار في صفوف الجيش البريطانيّ ثمّ قتل عندما اسقطت طائرته فوق خليج بسكايا. وقد أصبح وايزمان أوّل رئيس لإسرائيل في عام 1949.


    وفي فلسطين تزعـّـم وايزمان منظـّـمة إرغون الصّهيونيّة (المنظمة العسكريّة الوطنيّة في أرض إسرائيل) وهي مجموعة مسلـّحة صهيونيّة نشطت في فلسطين بين 1931 و 1948. وقد أنشئت كفرع لعصابات اليهود المتشدّدين "هاغانا"، أكبر منظـّمة عسكريّة، " معناها الدّفاع". وهذه المنـظـّـمة لاتزال موجودة في الوقت الحاليّ في إسرائيل، ويُشار إليها بتسمية Etzel. وقد كانت إرغون الجناج العسكريّ للإيديولوجيا الصّهيونيّة المراجَـعـَـة التي أسـّسها زئيف جابوتنسكي الذي ذكرته في بداية هذا النـّـصّ. الصـّـهيونيّة المراجـَـعـَـة صهيونيّة عنصريّة متشدّدة. وكان جابوتنسكي ينادي بأنّ على كلّ يهوديّ أن يدخل فلسطين وأن يقيم فيها كما أنـّـه كان يقول إنّ الانتقام وحده هو الكفيل بردع العرب والبريطانيّين، وشعاره: القوّة المسلـّـحة تنشئ الدّولة اليهوديّة. وقد قامت إرغون بهجمات على الفلسطينيّن وارتكبت في حقـّـهم مجازر من أجل إجبارهم على الرّحيل. كما أنـّـها شنـّـت هجمات ضدّ الإنجلير من أجل إجبارهم على ترك فلسطين لهم. من تلك الهجمات الهجمة التي قامت بها إرغون ضدّ الإنجليز تفجير فندق الملك داود في القدس في 22 تموز جويلية 1946 ومذبحة دير ياسين (التي أنجزت بالتعاون مع عصابة شتيرن) في 9 نيسان، أفريل 1948. بالرّغم من سفكها الدّماء لم تعتبرها الحكومات الغربيّة الرّسميّة منظـّـمة إرهابيّة. وقد ظلّ جابوتنسكي قائدا للمنظـّـمة إلى أن مات. ومعظم عناصر إرغون قادمون من منظـّـمة صهيونيّة مراجَـعـَـة اسمها بيطار تكوّنت في ريغا عاصمة لاتفيا سنة 1923. ومن منظـّـمة إرغون تكوّن الحزب السـّـياسيّ اليمينيّ المتطرّف هيروت أو الحرّية الذي صار لاحقا حزب اللـّـيكود.
    ولعلّ القارئ قد فهم أنّ الصّهيونيّة الثـّـقافيّة تنادي بعدم اندماج اليهود في المجتمعات الغربيّة وبضرورة تمسـّـكهم بهويّة خاصّة وتقول إنّ على اليهود أن يصنعوا حضارة خاصّة بهم. وللتـّـدليل على أنّ الصّهيونيّة لم تكن سوى حركة استعماريّة أذكر ما قاله الصـّـهيونيّ فريديريك أوبـّـنهايمر من أنّ 95 بالمائة من ثقافة اليهود تتكوّن من عناصر غربيّة وبالتـّـالي لا توجد ثقافة يهوديّة مختلفة. وقد ولد أوبّنهايمر بألمانيا ثمّ ارتحل إلى جنوب إفريقيا ليكوّن شركة أنجلو أمريكان. وقد كان رئيسا لشركة المناجم دا بيرز (Da Beers) التي تحتكر استخراج الماس في جنوب إفريقيا. وهو الذي عمل دون كلل على ضمان تدفـّـق الماس الخام لإسرائيل وكذلك منتجات شركة دا بيرز وهمـّـه في ذلك أن تصبح إسرائيل مركز صقل الماس في العالم وأكبر البلدان المصدّرة للأحجار الكريمة. إلاّ أنّ الحقيقة هي أنّ الصّهيونيّة بعد تأسيس إسرائيل صارت تعمل على دمج اليهود في المجتمعات الغربيّة وذلك لكي يجد الصّهاينة سبلا مؤدّية إلى السـّـلطة وطرقا تمكـّـنهم من التـّـحكـّـم بالمجتمعات. وقد أدرك الصـّـهاينة منذ بداية تكوّنهم أنّ الهيمنة تقتضي احتكار الأموال والسـّـيطرة على وسائل الدّعاية وكذلك السـّـيطرة على الإقتصاد. وهذا ما فعلته الصّهيونيّة بالتـّـحديد: تمكين اليهود من هذه الأشياء الثـّـلاثة حتـّـى أنّ الدّولة التي قد تفكـّـر في طردهم لن تستطيع تعويض الضـّـرائب التي يدفعها اليهود. لهذا السـّـبب نرى البلدان الغربيّة مساندة للصّهيونيّة تعمل على إرضاء اليهود مهما فعلوا وتسعى إلى الإبقاء عليهم. وما قام به الصّهاينة في حقيقة الأمر هو تحويل اليهوديّة إلى حركة سياسيّة أجتماعيّة دينيّة.
    في فرنسا استثمر اليهود قضيّة درايفوس (Dreyfus Trial) منذ سنة 1894 ليشنّوا حملات دعائيّة شرسة شارك فيها برنار لازار وهو اشتراكيّ نشط جدّا اعتنق الصّهيونيّة لاحقا. وقد ركـّـزت الصّهيونيّة في فرنسا وغيرها من البلدان على أنّ اليهود كانوا عبيدا للشـّـعوب الغربيّة وقالت إنّ اليهوديّ يجب عليه أن يكون يهوديّا لأنّ الآخرين يريدونه أن يكون كذلك. وفي هذا القول تلاعب لفظيّ إذ المقصود به أنّ اليهود يريدون الاندماج ولكنّ الآخرين لا يريدون ذلك. وهكذا تمثـّـل تكتيك الصّهيونيّة في إتـّـجاهين: رفض الاندماج عمليّا والاستعداد للقتال من أجل الانفصال ومن ناحية أخرى اتـّـهام الآخرين بأنـّـهم هم الذين رفضوا دمج اليهود. نفس الشـّـيء الذي حدث في بلدان اروبّا الغربيّة حدث في روسيا أيضا وفي أروبّا الشـّـرقيّة. في روسيا لئن لم يكن تروتسكي يولي أهمـّـية لديانته اليهوديّة فإنـّـه مثل المئات من أمثاله لم ينسى أصوله اليهوديّة.
    العمل الميدانيّ: الاستيلاء على الأراضي والإستيطان:
    كان الزّعيم الصّهيونيّ آرثر روبين (Arthur Ruppin)(1876-1943)الملقـّـب بأبي علم الإجتماع اليهوديّ من مؤسّسي مدينة تل أبيب وكان عالمَ اجتماع يهوديّا اضطلع بتسيير مكتب برلين للإحصاء اليهوديّ والدّيموغرافيا من سنة 1902 إلى سنة 1907. وفي 1926 انضمّ إلى جامعة القدس اليهوديّة وأسّس بها قسم علم الإجتماع. وقد لعب دورا بارزا في تعزيز عمليـّـات الاستيطان الصّهيوني على أرض الواقع وفي المؤسّسات الأكاديميّة وقد انضمّ إلى المنظـّـمة الصّهيونيّة العالميّة سنة 1905. وفي 1907 بعثه دافيد فولفزون Wolfsohn رئيس تلك المنظـّـمة إلى فلسطين لدراسة أوضاع الجماعة اليهوديّة المسمّاة ييشوف (Yishuv) وللبحث في إمكانيات إنشاء زراعات وصناعة هناك لكنّه عاد بتقرير متشائم وعرض الحلول للمشاكل التي تعرّف عليها. وفي سنة 1908 قرّر التـّـجمـّـع الصّهيوني الثـّـامن إرساله ليعيش في فلسطين ففتح مكتبا للصّهيونيّة في فلسطين ما إن وصلها Eretz Yisrael Office وكان هدف ذلك المكتب ضمان عمليّات الاستيطان. وقد أسمى عمله ذلك "تطبيق الصّهيونيّة". وكان ذلك المكتب يستقبل أفواج المهاجرين اليهود القادمة من جميع أنحاء العالم ويمكـّـنهم من الأراضي. ونتيجة لعمله صار روبين أكبر وكيل للأراضي وتمكـّـن من الحصول على قرض من أحد البنوك ليبني به مدينة تل أبيب التي كانت قبل ذلك قرية تسمّى أهوزات باييت Ahuzat Bayit. واستطاع الحصول على أراض بطرق مختلفة في عفـّـولة وفي القدس بنى عليها مستوطنات يهوديّة. وقد حوّل اليهود من عاملين زراعيّين إلى ملاّكي ما يسمّى كيبّوتز وهي تعاضديّات صارت أهمّ دعامة في بناء الدّولة الصّهيونيّة. وقد ساعد لاحقا يوهوشوا هانكن Yehoshua Hankin في الاستيلاء على مساحات كبيرة من الأراضي في الجليل.
    لقد تعرّضت هنا لآرثر روبين لأبـيـّـن أنّ الصّهيونيّة كانت في جوهرها تنشط لأغراض مصلحيّة تتمثـّـل في الاستيلاء على الأراضي وجمع الثـّـروة أو افتكاكها من الفلسطينيّين الذين كانوا عاجزين عن فعل أيّ شيء. وكان آرثر روبين ينادي كغيره من الصّهاينة باستحالة إدماج اليهود في المجتمعات الغربيّة لكنّ الكثير من الكتـّـاب الصّهاينة كانوا ينادون بضرورة أن يخضع اليهود للمجتمعات الغربيّة من أجل تحقيق طموح أكبر وهدف تاريخيّ. وتجدر الإشارة إلى أنّ الصّهيونيّة الثـّـقافيّة قد تبنّت العولمة لكنـّـها تشدّد على أنّ اليهود يجب أن يكونوا الممسكين بزمام الثـّـقافة العالميّة التي هي بصدد التـّـشكـّـل. وبما أنّ الصّهيونيّة قائمة على الفكرة القائلة بأنّ اليهود هم شعب الله المختار فإنّها تقول بأنّ اليهود يجب عليهم أن يكونوا شعبا خالدا مكلـّـفا بمهمّة خالدة. ولم يكن الجمهور الواسع من اليهود مقتنعا بضرورة الصّراع ونبذ الاندماج لذلك اضطلعت الصّهيونيّة بمختلف تيّاراتها بترغيبهم في الرّحيل إلى فلسطين. وفي أمريكا لم تكن عامّة اليهود تفكـّـر في الرّحيل إلى فلسطين إذ كانوا ينوون تكوين ولاية يهوديّة خاصّة بهم فقط لكنّ الصّهيونيّة أقنعت الآلاف منهم بالهجرة إلى فلسطين عبر الإغراء.
    الصّهاينة الأوائل:
    تجمع كلّ الكتب والموسوعات على أنّ الصّهيونيّة حركة سياسيّة عالميّة أطلقها تيودور هرتزل سنة 1897 لكن سبقت هذا التـّـاريخ نشاطات شملت جميع البلدان وجميع الميادين تمثـّـلت في إحياء ما يسمّى القوميّة اليهوديّة وهي قوميّة لجموع مختلفة الأعراق واللـّـغات والمذاهب السّياسيّة متفرّقة في جميع أنحاء العالم لا تنطبق عليها تسميّة أمـّـة إطلاقا. ونظرا لإثارة الشـّـغب التي اعتمدها الصّهاينة كأسلوب في تحقيق الأغراض فقد اقتنع حكـّـام البلدان الأروبيّة بضرورة توطينهم في فلسطين وقد وضعت كلّ من حكومتي فرنسا وبريطانيا مشروعين لذلك لكنّ الصّهاينة مضوا في تحقيق مشروعهم بطريقتهم هم. وتعمد الكتابات الصّهيونيّة إلى الزّعم بأنّ الشـّـعار الذي وضعه رفائيل لووينفالس الذي ذكرته آنفا "العام المقبل في القدس" كان حاضرا في الثـّـقافة اليهوديّة وفي صلواتهم لكنّ رافائيل لورينفالس وضع ذلك الشـّـعار سنة 1893 فكيف كان حاضرا في أذهان اليهود قبل ذلك؟ وبما أنّ اليهود قد ساعدوا بروسيا في حروبها ضدّ نابوليون فإنّ نابوليون نفسه نادى بضرورة جمع اليهود في القدس. وممّا ساعد الصّهاينة في حملاتهم الدّعائيّة وفي تحقيق مشاريعهم الشـّـلل الذي أصاب الأمبراطوريّة التـّـركيّة، الرّجل المريض في ذلك الزّمان فقد كان السّلاطنة الأتراك يولــّـون باشاوات غير صالحين لممارسة السـّـلطة حتـّـى أنّ الإمبراطوريّة التـّـركيّة لم يعد لها أيّ نفوذ إداريّ على الأقاليم التـّـابعة لها. وقد نجحت الصّهيونيّة في التـّـرويج لدولة يهوديّة في فلسطين، منذ منتصف القرن التـّـاسع عشر، بالتـّـحديد نتيجة الضّعف والوهن الشـّـديدين الذين أصابا الإمبراطوريّة العثمانيّة. وقد سارعت البلدان الغربيّة وأمريكا إلى إنشاء قنصليّات في القدس بهدف تمكين اليهود من الاستقرار في فلسطين.
    لكنّ بريطانيا اتـّـخذت المبادرة الأولى لأنّ إنشاء دولة لليهود في فلسطين يشكـّـل حاجزا بين مصر والأتراك ويضمن هيمنه بريطانيا السّياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة على الشــّـرق الأوسط وكذلك الإجهاز على الرّجل المريض. وقد وجدت الحركة الصّهيونيّة الدّعم الدّعائيّ من البروتستنت البريطانيّين الذي رأوا أنّ من واجب بريطانيا أن تعمل على إعادة اليهود إلى "أرضهم". ولقد ذكرت سابقا الوزير الأوّل ديزرائيلي فبالرّغم من اعتناقه المسيحيّة ظلّ وفيّا ليهوديّته إذ كان يتحسّر على ضياع القدس ويقول إنّ الشـّـعب اليهوديّ شعب قويّ فلو مُنح قيادة قويّة لتمكـّـن من تحقيق كلّ شيء. وفي روايتها "دانيال دوروندا"، 1876، (Daniel Deronda) وضعت جورج إيليت (George Elliot) برنامجا صهيونيّا وقالت إنّ لليهود رسالة لابدّ من القيام بها: الإستيلاء على فلسطين. لقد تعدّدت المشاريع الصّهيونيّة قبل مجيئ هرتزل وتعدّدت الشـّـعارات الصّهيونيّة التي كان هدفها ترسيخ هويّة لليهود منها على سبيل المثال: اليهود ليسوا ألمانا ولا سلافيّين. كما أنّ الحركات الصّهيونيّة مذ أصدر هرتزل كتابه "الدّولة اليهوديّة" عملت على كسب الحكومات العالميّة وإقناع شعوب العالم بضرورة تأسيس دولتهم في إسرائيل.


    موسى هاس:
    يجمع كلّ الصّهاينة على أنّ موسى هيس Moses Hess كان من الممهـّـدين الأوائل للصّهيونيّة. ولد في بون ، التي كانت تحت السّيادة الفرنسية في ذلك الوقت. اسمه في شهادة الميلاد الفرنسيّة، "Moises". تلقـّـى تعليما دينيّا من جدّه ثمّ درس الفلسفة في وقت لاحق بجامعة بون. وكان في وقت مبكر من دعاة الاشتراكية، لكنّ جذور الصّهيونيّة نجدها في كتابه "روما والقدس" (1862). كما أنـّـه عمل كمراسل لـ"Rheinische Zeitung" وهي صحيفة راديكاليّة أسسها رجال الأعمال (عمل فيها كارل ماركس أيضا). عاش في باريس، ثمّ فرّ الى بلجيكا ثمّ إلى سويسرا مؤقتا بعد قمع ثورة 1848. دعا موسى هيس أصلا اليهود إلى الاندماج في الحركة الاشتراكية العالميّة، وكان صديقا لكارل ماركس وفريدريك Engels ومتعاونا معهما. وفيما بين 1861 و 1863 كان يعيش في ألمانيا فعاد لاستعمال أسمه اليهوديّ واعتنق الدّين من جديد وصار من المعارضين لاستيعاب اليهود. نشر كتابه "روما والقدس" سنة 1861 وفيه فسّر التـّـاريخ على أنـّـه دائرة من الكفاح العرقيّ والطبقيّ. وقد تأمـّـل صعود القوميّة الايطالية والألمانيّة فتوصّل إلى فكرة إحياء القوميّة اليهوديّة. وقد دعا في كتابه إلى إنشاء قوميّة يهوديّة إشتراكيّة في فلسطين، وذلك تماشيا مع الحركات الوطنية الناشئة في أوروبا وباعتباره السّبيل الوحيد للرّد على معاداة السّامية وتأكيد الهويّة اليهوديّة في العالم الحديث. لم يكن لعمله ذاك أيّ تأثير ولم يحفـّـز اليهود على النـّـشاط السّياسيّ لكنّه أصبح مهمّا بعد تشكـّـل الصّهيونيّة فقط. قال تيودور هرتزل إنّه قد كتب Judenstaat (الدولة اليهودية) عندما قرأ روما والقدس. كما أنّ فلاديمير زئيف جابوتنسكي قد تأثـّـر به فأثنى عليه في صلب الفيلق اليهوديّ إبّان الحرب العالميّة واعتبره واحدا من الصّهاينة الذين جعلوا وعد بلفور بتحقـّـق مثله مثل هارتزل وبنسكر Pinsker وروثشيلد. وقد نقل رفات موسى هيس من باريس في عام 1961 ليدفن في مقبرة طبرية في اسرائيل مع غيره من الصّهاينة مثل Nachman Syrkin, Ber Borochov, Berl Katznelson.
    ويمكن القول إنّ موسى هاس قد أخضع الماركسيّة لليهوديّة في محاولة منه لخدمة اليهود إذ لم يكن معنيّا بقوى التـّـاريخ الموضوعيّة مثل ماركس بل بما يسمـّـى المشكل اليهوديّ الذي ذكرته في بداية هذا النـّـصّ. وقد افتتح كتابه ذاك باعتراف قال فيه إنـّـه قد عاد إلى شعبه بعد عشرين عام من الإغتراب. ويتمسّك به الصّهاينة لأنـّـه يستشهد كثيرا بالقصص القديمة ولأنـّـه اعتبر اليهود روحا بلا جسد وقال إنّ من ينفي هويّته يبقى إنسانا مقيتا إلى الأبد. وقد عاد الصّهاينة إلى أعماله لأنـّـه يتحدّث عمّا أسماه الوطنيّة اليهوديّة والأمـّـة اليهوديّة. وبالرّغم من أنّ الكثير من الكتابات غير اليهوديّة تقول إنّ معاداة السّامية قد خفـّـت حدّتها فإنّ الصّهاينة ظلـّـوا متمسّكين بها ويصوّرون أوضاعهم بطريقة مأساويّة متشائمة وبالفعل صوّروا اليهود في مأزق أو في متاهة ليؤكـّـدوا على ألاّ مخرج لهم سوى بتأسيس دولة في فلسطين ولكي يقنعوا العالم بدعواهم. ويقول هاس إنّ القضيّة القوميّة تستوجب العمل على إيجاد الإحترام لليهود كعرق وبذلك جعل قضيّة اليهود الرّافضين للإندماج قضيّة إثنيّة لا يمكن حلـّـها.
    وبما أنّ الصّهيونيّة قائمة على إحياء اليهوديّة وصبغها بفلسفة عرقيّة فإنّ المصلحين الدّينيّن الذين يريدون إصلاح اليهوديّة لجعلها دينا منفتحا على باقي الحضارات قد اعتبروا خونة لقبيلتهم وعرقهم وقيل إنّ الحركات العلمانيّة اليهوديّة والإصلاحيّة قد قضت على اليهوديّة وأفرغتها من محتواها. وكان ذلك موقف الصّهاينة لأنـّـهم يعلمون أنّ اليهود متفرّقون ومنحدرون من أعراق متعدّدة؛ اليهوديّة وحدها هي الكفيلة بجمعهم. ولم يكن الغرض من كلّ ذلك سوى التـّـركيز على أنّ العلمانيّة اليهوديّة لن تجعل الغربيّين متسامحين مع اليهود. ولخدمة أغراضهم الاستعماريّة، كما قلت، استبعدت الصّهيونيّة الدّينيّة من حساباتها كلّ المبادئ الإنسانيّة والأخلاقيّة الشـّـموليّة وقالت إنّ الرّسالة اليهوديّة هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق أمـّـة يهوديّة منظـّـمة سياسيّا لا تؤمن سوى بأخلاقياتها اليهوديّة. وقد قال هاس إنّ الرّابط بين النـّـيهيليّة والرّبابنة الإصلاحيّين وكذلك الأورثودوكسيّة اليهوديّة لن يتمّ سوى في أرض فلسطين. ذلك في رأيه يمكـّـن اليهود من تكوين هويّة كشعب بإمكانها أن تـُـبقي عليهم أحياء. وكان موسى هاس قد تحدّث في برنامجه عن إيمانه بأنّ أروبّا سوف تساعد اليهود على إنشاء مستعمرات تمتدّ من قناة السـّـويس حتـّـى القدس ومن ضفـّـة الأردن حتـّـى البحر الأبيض المتوسّط. ولازال هذا هو طموح الصّهيونيّة العالميّة إلى يومنا هذا. وفي الوقت الذي كان يكتب فيه موسى هاس كانت قناة السّويس بصدد الحفر فآمن بأنّ اليهود لئن سيطروا عليها سيطروا على أروبّا وآسيا.


    ليو بنسكر: Leo Pinsker
    كان ليو بنسكر Leo Pinsker 1821-1891طبيبا وناشطا صهيونيّا رائدا، ومؤسسا وزعيما لمنظـّـة Hovevei Zion (أحبّاء صهيون). وقد ضمـّـت منظـّـمته مجموعات من الأروبيّين الشـّـرقيّين تعمل على تهجير اليهود إلى فلسطين. وقد أنشأت منظـّـمته سنة 1880 أوّل مستوطنة يهوديّة في فلسطين اسمها Rishon LeZion .
    ولد Yehudah Leib أوPinsker في مدينة بولنديّة كانت تحت السـّـيطرة الرّوسيّة. درس القانون بحامعة أوديسّا ثمّ درس الطـّـبّ وصار طبيبا بعد ذلك. وكغيره من الصّهاينة أعتبر أنّ المشكلة اليهوديّة لا يمكن حلّها كما أنـّـه لم يكن مؤمنا بالفلسفات الإنسانيّة وبدور التـّـنوير في إدماج اليهود. زار أروبّا ولمّا عاد منها كتب كرّاس "التـّـحرّر الذاتي" ونشره باسم مجهول 1882 وفيه حثّ اليهود على السـّـعي إلى الإستقلال واعتناق المبادئ الوطنيّة وفيه دعا إلى إنشاء وطن لليهود في فلسطين وشدّد على أنّ اليهود في أروبّا يعيشون كأجانب. ثمّ أنشأ حركة Hovevei Zion بدعم من البارون ادموند جيمس دي روثشيلد. في 1890، وقد وافقته السلطات الروسية على إنشاء "جمعية لدعم المزارعين والحرفيين اليهود في أرض فلسطين وسوريا. توفّي بنسكر في أوديسّا سنة 1891. وقد نقل رفاته إلى القدس في عام 1934 وأعيد دفنه في كهف نيكانور Nicanor المقابل لجبل المكبر.
    لم يضف بنسكر أيّ جديد للفكر الصّهيونيّ سوى تشديده على الفكرة القائلة بأنّ اليهود إن لم يعملوا على تحرير أنفسهم لن يساعدهم أيّ كان في ذلك. وعلى القارئ أن يتنبـّـه إلى أنّ الصّهيونيّة مذ ظهرت بما في ذلك كتاباتها القديمة كانت تشدّد على كون اليهود يعيشون مأساة أو أزمات متتاليّة أو إشكالا لا حلّ له سوى بتأسيس وطن في فلسطين. إلاّ أنّ بنسكر نظرا لكونه طبيبا استعمل علمه ليبيّن أنّ معاداة السّامية والخوف من اليهود وراثيّ لدى الأروبيّين وبالتـّـالي لا علاج له. أن يصارع اليهود معاداة السّامية في نظره عبر الحوار مضيعة للوقت لن تؤدّي لشيء وبذلك بدا له أنـّـه ضرب دعوات الإدماج نهائيّا. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المجتمعات الغربيّة كانت تتـّـهم التـّـلمود بممارسة القتل الطـّـقوسيّ وبأنّ اليهود غير مستعدّين لتحمـّـل المسؤوليّات المدنيّة غير أنّ الإدّعاء بأنّ التـّـلمود يمارس القتل الطـّـقوسيّ أمر مستبعد. المهمّ؛ بالرّغم من الأصوات العديدة التي قالت إنّ العالم سوف يخرج من الوطنيّة الضـّـيقة وأنّه لا محالة ماض نحو أخوّة عالميّة خاصّة مع انتشار الأحزاب الماركسيّة ظلّ الصّهاينة رافضين لفكرة الإندماج. ليو بنسكر لم يؤمن كغيره من الصّهاينة لا بالأفكار اللـّـيبراليّة ولا بالأفكار الاشتراكيّة وإنـّـما جعل معاداة السـّـامية داء وراثيّا لا يمكن القضاء عليه. لكنّ الغرض من كلّ تلك الدّعوات هو جعل هويّة وطنيّة لشتات اليهود. وقد صوّر بنسكر اليهود على أنـّـهم متسوّلون وليسوا ضيوفا في البلدان الأروبيّة. بهذه الطـّـريقة ربطت الصّهيونيّة بين "مطلب" تمثـّـل في إعادة الكرامة لليهود وبين مزاعمهم باضطهاد اليهود. لكنّ الفكر الصّهيونيّ منذ نشأته بني على وهم وتمّ إنجاز مشروعه بقوّة السـّـلاح. ولم تكتفي الصّهيونيّة بذلك الطـّـرح بل ربطت "مشكل اليهود" بالتـّـحرّر من الاضطهاد ومن عدم التـّـسامح.


    تيودور هارتزل:
    ولد هرتزل Theodor Herzl في باشت Pest (اليوم النصف الشـّرقي من بودابشت)في عائلة يهوديّة ناطقة بالألمانيّة قدمت إلى هنغاريا من زيمون (توجد اليوم في صربيا). ثمّ انتقلت عائلته إلى فيينّا عندما كان تيودور في الثـّـامنة عشرة من العمر. هناك، درس القانون، لكنه كرّس حباته بشكل حصري للصحافة والأدب. وكغيره من الصّهاينة كان رافضا لإدماج اليهود في المجتمعات الغربيّة ويعتقد أنّ اليهود يجب أن ينأوا عن أوروبا وأن يقيموا دولة مستقلة. وعندما نشر كتابهJudenstaatعام 1896أصبح النـّـاطق الرّسميّ باسم الصّهيونيّةالعالميّة. ولم يكن كتابه ذلك كتابا بل نشريّة لا تتعدّى الخمسين صفحة لكنّه أشار فيها إلى ضرورة تعزيز العمل الصّهيونيّ على السّاحة الدّوليّة. وقد أصبح يُـقابـَـل بالتـّـرحيب من قبل جموع الصّهاينة أينما حلّ في البلدان الأرويبّة. زار أسطانبول مرّة أولى سنة 1896 وعندما عاد تلقـّـى قيادة الحركة الصّهيونيّة من صهاينة لندن. وفي جوان، حزيران من عام 1896، التقى للمرّة الأولى سلطان تركيا وطلب منه أن يبيعه أرض فلسطين، لكنّ السلطان محمّد علي رفض التـّنازل عن فلسطين للصهاينة ، وقال : "عندما تنهار الدّولة الإسلاميّة انهيارا كاملا بإمكان اليهود أن يأخذوا فلسطين ببلاش. أمّا الآن وما دمت على قيد الحياة فأفضـّـل أن أقطـّـع إربا على أن أفرّط في فلسطين". وفي سنة 1897 عقد المؤتمر الصّهيونيّ الأوّل ببازل فتمّ انتخابه رئيسا للمنظـّـمة الصّهيونيّة العالميّة وظلّ بمركزه ذاك إلى أن مات بسكتة قلبيّة سنة 1904.
    في سنة 1902 ـ 1903 دعته اللـّـجنة الملكيّة البريطانيّة للإدلاء بشهادته أمامها عن هجرة اليهود إلى فلسطين وقد مكـّـنه ذلك من بناء علاقات وثيقة مع أعضاء من الحكومة البريطانيّة لا سيما مع جوزيف تشامبرلاين وزير المستعمرات البريطانيّ الذي تفاوض من خلاله مع حكومة مصر من أجل توطين اليهود في منطقة العريش وفي سيناء المتاخمة لجنوب فلسطين. فشل مخطـّـط توطين اليهود في العريش وسيناء لكنّ الحكومة وعدته بتسهيل كبير للصّهاينة من أجل بناء مستعمرة لهم في شرق إفريقيا مع الحكم الذّاتي لهم تحت سلطان الإمبراطوريّة البريطانيّة. رفض هارتزل العرض البريطانيّ المسمّى مشروع أوغندا ورفضته الحركة الصّهيونيّة في المؤتمر الصّهيونيّ السّادس الذي انعقد ببازل في أوت 1903. وفي سنة 1905 رفض الكنغرس الأمريكيّ العرض البريطانيّ وتمسّك بمشروع تكوين دولة يهوديّة للصّهاينة في فلسطين.
    وفي كرّاسه "الأرض القديمة الجديدة" Altneuland المكتوب بالألمانيّة تنبّأ بتحقيق المشروع الصّهيونيّ سنة 1923 وتحدّث عن ضرورة نشر قصّة حبّ بني صهيون في العالم بأسره وشدّد على ضرورة بناء معبد داود وقال إنـّـه لن تكون هناك صراعات بين اليهود والعرب لأنّ العرب متشكـّـرين فضل اليهود في ازدهار الإقتصاد لديهم. بالطـّـبع كانت كلّ هذه الأقوال مجرّد ادّعاءات وحجب للواقع. لكنّ ما يجب التأكيد عليه هنا هو أنّ الصّهيونيّة استعملت كلّ الوسائل وأظهرت دهاء لا يضاهى وقد ساعدهم في تحقيق مشروعهم، كما أسلفت، تجزّؤ الإمبراطوريّة العثمانيّة حتـّـى أنّ الكثير من الصّهاينة كانوا يقولون إنّ الإستيطان في أرض تعود لأقوام جاهلة متخلــّـفة أمر يسير التـّـحقيق وليس حلما رومانسيّا. وبما أنّ تحقيق المشاريع يستدعي وسائل من أجل إنجازه فإنّ الصّهاينة عملوا على تكوين الفرق المقاتلة وتدريبها في البلدان الأروبيّة من قبل أن تبدأ الهجرة إلى فلسطين.
    لم يضف هارتزل أيّة جديد للاستدلالات التي قدّمتها الصّهيونيّة من قبله وليس هناك ما يمكن إضافته سوى تبنـّـي الأفكار الدّينيّة المتطـرّفة كالقول بضرورة الاستقلال من أجل المحافظة على ديانة الأجداد أو رفع شعارات لا تنطبق على اليهود أبدا كشعار المحافظة على الهويّة الوطنيّة مثلا وكذلك صياغة تسمية أرض إسرائيل (Eretz Yisrael) أو وطنيّة الشـّـتات. كلّ هذهالأساليب لم يكن لها من هدف سوى تبرير الأستعمار الصّهيونيّ لأرض لا تعود إلى اليهود إلاّ بما تذكره كتبهم الدّينيّة. ثمّ إنّ الحديث عن ثقافة متميّزة لليهود لا أساس لها من الصّحـّـة لأنّ عامّة اليهود كانت تعيش في المجتمعات الغربيّة منذ آلاف السّنين فأيّة ثقافة وطنيّة أو يهوديّة كانت لديهم؟
    تبقى الصّهيونيّة إذا مستندة إلى التـّـقليد الدّينيّ والأساطير الدّينيّة التي تزعم أنّ اليهود كانوا شعبا لهم هويّة وطنيّة تعود إلى قبل 1200 سنة قبل ميلاد المسيح؛ شعب سكن فلسطين منذ ذلك التــّاريخ واستمرّ بها حتـّـى بناء المعبد الثـّـاني، معبد سليمان الذي شيّد سنة 716 قبل ميلاد المسيح واستمرّ إلى سنة 70 ق.م. عندما قام الرّومان بتهجير اليهود قسرا من مملكتهم. وتستند الصّهيونيّة في أطروحاتها إلى التـّـوراة التي تقول إنّ أرض فلسطين أرض موعودة لشعب يهوا المختار. ولقد جعل هارتزل المطالب الصّهيونيّة أمورا عاجلة وأسّس مع ناثان بيرنباوم المنظـّـمة العالميّة الصّهيونيّة سنة 1897 وبذلك أوجد التـّـيّار السّياسيّ للحركة الصّهيونيّة، كما صار يعرف في صلب الصّهيونيّة، لأنـّـه يزعم أنـّـه يريد التـّـوصّل إلى حلّ سياسيّ مع الفلسطينيّن. وفي 1917 أفتكـّـت بريطانيا فلسطين من الإمبراطوريّة العثمانيّة لتسلـّـمها إلى الصّهاينة سنة 1948 وقد كانت بريطانيا منذ 1917 مؤيّدة لإنشاء دولة يهوديّة في فلسطين، وفي سنة 1948 أعلنت الوكالة اليهوديّة التي كان يتزعـّـمها بن غوريون إقامة الدّولة الإسرائيليّة.


    تاريخ الصّهيونيّة والصّهيونيّة المسيحيّة:
    قلت في الجزء الأوّل إنّ اليهود كانوا يعشون في أروبّا منذ آلاف السـّـنين وكانت الأغلبيّة منهم مندمجة في المجتمعات الأروبيّة وقد جاء أكثر من النـّـصف منهم إلى الوجود نتيجة الزّواج المختلط بين اليهود والمسيحيّين. لكنّ يهود الغطـّـوهات كانوا ممقوتين نتيجة الأعمال الإجراميّة التي كان يقوم بها الكثير منهم. ولمّا جاءت الثـّـورة الفرنسيّة رفعت شعار الحرّية والمساواة والإخاء، وبما أنّ الثـّـورة الفرنسيّة كان لها تأثير عالميّ تقريبا فقد وضعت البلدان الأروبيّة التــّـشريعات كخطوات عمليّة من أجل إحقاق المساواة بين الأروبيّين واليهود. غير أنّ الصّهاينة وهم حفنة من المثقـّـفين اليهود استغلـّـوا تلك الأوضاع ليرفضوا الإندماج وراحوا يتحدّثون عن وجود صراع بينهم وبين الأروبيّين لا يمكن حلـّـه البتـّـة. صاغوا مصطلح "المشكل اليهوديّ" وصوّروا في الصّحافة حياة اليهود على أنـّـها مأساة ورفعوا شعار "العام المقبل في القدس" وقالوا إنّ المشكل اليهوديّ لا حلّ له سوى بتكوين دولة يهوديّة في فلسطين. وقد راح الصّهاينة يكوّنون العصابات المسلـّـحة استعدادا للقتال من أجل الانفصال عن المجتمعات الغربيّة ويثيرون الشـّـغب في كلّ البلدان الأروبيّة، مستغلـّـين الأحزاب اليساريّة بمختلف اتـّـجاهاتها وخاصّة منها الأحزاب والتـّـنظيمات الفوضويّة، لكي يجبروا الأروبيّين على منحهم وطنا في فلسطين. وبما أنّ اليهود كانوا ينتمون لأعراق مختلفة ومتفرّقين في جميع أنحاء العالم فقد أخذ الرّبابنة على عاتقهم إحياء اليهوديّة والعبريّة ونشرهما بين صفوف اليهود. وكحلّ لمسألة اليهود الذين ولدوا نتيجة الزّواج المختلط، اليهوديّ المسيحيّ، قال الرّبابنة إنّ اليهوديّ هو كلّ شخص أمـّـه يهوديّة. ولم يكن همّهم في ذلك سوى جمع ذلك الشـّـتات الذي لا يشترك سوى في الدّيانة لما كانوا ينادون به.
    لم يكن الصّهاينة سوى عناصر تسعى لمصالحها الشـّـخصيّة: تكوين الثـّـروة وتحصيل الشـّـهرة والمجد من خلال السـّـيطرة على فلسطين أوّلا ثمّ الهيمنة على العالم بأسره فوضعوا عبارة "معاداة السّامية" ولازالوا يستعملونها إلى اليوم. وسرعان ما أدركت الحكومات الأروبيّة الإستعماريّة أنّ الصّهيونيّة وسيلة فعـّـالة في تحقيق أهدافها التـّـوسّعية وفي القضاء على الإمبراطوريّة التـّـركيّة التي كانت تسمّى آنذاك "الرّجل المريض". تبنـّـت بريطانيا وفرنسا وأمريكا مطالب الصّهاينة لكنّ الصّهيونيّة كان لها مخطـّـط مختلف عن مخطـّـطات البلدان الأروبيّة.
    عودة إلى تيودور هارتزل:
    لم يكن تيودور هارتزل كاتبا مرموقا ولا منظـّـرا أو فيلسوفا بل كان مجرّد صحفيّ يعمل بجريدة "الصّحافة الحرّة الجديدة" (Neu Freie Press) الفينـّـية اليهوديّة لا همّ له سوى تحقيق الشـّـهرة والثـّـروة. لقد اعترف هارتزل صراحة أنّ معاداة السّامية لم تكن شيئا باطلا أو غير عادل فيهود الغطـّـو كانوا يجسّدون خصائص لا اجتماعيّة في سلوكهم. وقد شدّد على أنّ تحرير اليهود من الغطـّـو (بالرّغم من أنّ تحريرهم قد حدث فعلا) لن يفيد شيئا لأنّ تركيبة اليهود ظلـّـت في الواقع تركيبة رجال قضـّـوا فترات طويلة في السـّـجن، وفي سنة 1893 اقترح القتال من أجل تحسين أوضاع اليهود. وفي العام نفسه نادى بضرورة أن يعتنق اليهود المسيحيّة لكي يرسّخوا أنفسهم في المجتمعات الأروبيّة من أجل خدمة المصالح الصّهيونيّة. وفي العام نفسه وجـّـه نداء إلى البابا جاء فيه: ساعدنا على حلّ المشكل اليهوديّ وفي المقابل نتزعّم حركة يهوديّة تحقـّـق اعتناق اليهود للمسيحيّة. وهذا يدلّ على أنّ إدماج اليهود لم يكن في واقع الحال قضيّة بل إنّ الصّهيونيّة استعملته كوسيلة في تبرير مطالبها الإستعماريّة. وهذا يدلّ أيضا على أنّ هارتزل كان هدفه الزّعامة وأنـّـه كان متذبذبا في أفكاره حتـّـى أنّ اليهود أنفسهم كانوا يعتبرونه مصابا بجنون العظمة.
    هذه الدّعوة التي وجـّـهها للبابا لم تجد آذانا صاغية من طرف اليهود أنفسهم لأنّ القضيّة التي يتحدّث عنها الصّهاينة (المشكل اليهوديّ) لم يكن لها أيّ وجود واقعيّ فتخلـّـى تيودور هارتزل سريعا عن الاستعانة بالبابا ووضع مخطـّـطات عمليّة بديلة في كرّاسه الذي عنوانه "يوميات الصّهيونيّة". قال في مقدّمة ذلك الكرّاس إنّ المخطـّـط الصّهيونيّ له طابع الحلم ولذلك يجب عليه أن يطلب العون من أثرياء اليهود لكي يساعدوه في تحقيق حلمه. اتـّـصل في جوان 1895 بالبارون هيرش وقابله وبمعيّته صاغ مخطـّـطا صهيونيّا جديدا. في تلك الفترة كان هارتزل يعتبر نفسه زعيما لليهود فقال للبارون هيرش: "أنت رجل المال العظيم وأنا أمثـّـل الرّوح اليهوديّة". رفض هيرش مساعدته بادئ الأمر إذ أنّ بعض أثرياء اليهود لم يكونوا مهتمّين بمثل تلك القضيّة التي تتحدّث عنها الصّهيونيّة. لكنّ هرتزل أقنعه بأن يقدّم له قرضا ضخما يموّل بواسطته هجرة اليهود إلى فلسطين وقال له إنّ ذلك القرض سيكون قرضا وطنيّا تتكفـّـل الدّولة اليهوديّة التي لم تقم بعد والتي سوف ينشئها بتسديده لهيرش وأكـّـد إنـّـه قرض من أجل عـَـلــَــم، من أجل دولة. قال له هيرش العـَـلـَـم عمود خشبيّ في أعلاه خرقة من القماش فردّ هرتزل: العلم أكثر من ذلك؛ بفضله يُـقاد النـّـاس ومن أجله يعيشون وفي سبيله يموتون. ولعلّ القارئ قد فهم أنّ مخطـّـط هرتزل الجديد تمثـّـل في المضيّ قدما نحو السـّـيطرة الفعليّة على أرض فلسطين عن طريق القوّة.
    "It is essential that the sufferings of Jews. . . become worse. . . this will assist in realization of our plans. . . I have an excellent idea. . . I shall induce anti-semites to liquidate Jewish wealth. . . The anti-semites will assist us thereby in that they will strengthen the persecution and oppression of Jews. The anti-semites shall be our best friends".
    From Herzl's Diary
    كان جدّ هارتزل، سايمون لوب هرتزل، من المعجبين بأعمال الحاخام ألكلاي Alkalai الذي يُعتبر من أوائل الصّهاينة، وقد نقل بعضا من أفكاره الدّينيّة لحفيده. ولم يكن هارتزل موهوبا، كما يؤكـّـد ذلك ولتر لاكور. ويذكر هارتزل نفسه أنّه لم يستطع الإجابة عن سؤال يتعلـّـق بما يسمّى النـّـزوح الكبير الذي تتحدّث عنه التـّـوراة حين كان طالبا لكنّه قال بعد ثلاثين عاما إنـّـه يستطيع، وقتئذ، الإجابة على أيّ سؤال متعلـّـق بخروج اليهود من مصر. وكان هرتزل معجبا بالإمبراطوريّة الألمانيّة وبالقيصر الألمانيّ القويّ ولذلك نظـّر لدولة أرستقراطيّة في فلسطين لإيمانه بأنّ الحكم ينطلق من القمّة نحو القاعدة.
    المهمّ أوضح هارتزل مخطـّـطه الجديد في مذكــّـرة كتبها في جويلية 1895 وسـّـع فيها ما طرحه في كرّاسه الذي عنوانه يودنشتات (Judenstaat) وشدّد على أنّ تحقيق دولة يهوديّة يستدعي المال من أثرياء اليهود الذي سيستعمله في تهجير اليهود إلى فلسطين واتـّـصل مرّات عديدة بعائلة روثشيلد طلبا للمال. وفي مذكـّـراته كتب إنـّـه لم يشكّ أبدا في عظمته ورسالته وأنّ اسمه سوف يُسجـّـل في التـّـاريخ ضمن أعظم النـّـاس الذين خدموا الإنسانيّة. وفي هذا الكلام دليل على إصابته بداء العظمة النـّـاتج عن البارانويا والسكيزوفرينيا. وما يثبت أنّ أطروحاته كانت استعماريّة مرضيّة في جوهرها هو قوله إنّ تكوين دولة يهوديّة ضرورة عالميّة. وتجمع كتابات الصّهاينة أنفسهم على أنّ هارتزل كان يعاني من حالات إحباط ويأس وتشنـّـج جعلت زواجه يفشل. يذكر الصّهيونيّ ولتر لاكور (Walter Lqueur) في كتابه "تاريخ الصّهيونيّة" ص 90 أنّ هرتزل كان يقول لجماعات الصّهاينة المتصارعة على الزّعامة: "لست أذكى من أيّ واحد منكم، لكن بما أنـّـي مصمّم (أي متشبّث بمخطـّـطه) فتصميمي يجعل الزّعامة ملكا لي". ويقول أيضا إنـّـه لم يكن زعيما على أحد ولم يكن يعلم ببيانه (Der Judenstaat) الذي كان بصدد كتابته سوى أقلـّـية كانت واثقة من أنـّـه مصاب بالجنون نتيجة الإفراط في العمل. ولمّا نشر ذلك البيان أكـّـد فيه على أنّ العالم في حاجة إلى دولة إسرائيليّة تقوم في أرض فلسطين واستبعد فكرة الإدماج. لكنّه يناقض نفسه فيقول إنّ اليهود مندمجون أصلا في فرنسا وبريطانيا وألمانيا لكنّهم لن يخسروا شيئا إذا ما تأسّست دولة إسرائيل. وإنّي أستشهد بولتر لاكور لأنـّـه أستاذ بارز في التـّـاريخ عاش في ظلّ الاستعمار البريطانيّ لفلسطين بين سنوات 1930ـ 1953 وانخرط في تثبيت الصّهاينة على أرض فلسطين ثمّ ارتحل إلى بريطانيا ثمّ إلى الولايات المتـّـحدة الأمريكيّة ليشغل مناصب مرموقة في الجامعات البريطانيّة ثمّ الجامعات الأمريكيّة، وله مؤلـّـفات فاق عددها الخمسين.
    لكنّ الأمر الذي شرحه هارتزل والذي به أقنع باقي الصّهاينة المتردّدين هو قوله إنّ بناء الدّولة اليهوديّة وكذلك الإستحواذ على الاراضي سيتـّـخذان شكل عملـيـّـات تدريجيّة. وقد اعتمد أسلوب الدّمغجة فكان يقول إنّ تكوين الدّولة اليهوديّة حلّ بسيط لأنّ الأوضاع مواتية، في نظره، وكان يؤكـّـد إنـّـها سوف ترفع اليهود إلى قمّة المجد. وفي حقيقة الأمر كان الصّهاينة طامعين في الاستيلاء على الأراضي والأنهار والممرّات البحريّة لأنّهم يعلمون أنّ فلسطين والشـّـرق الأوسط يمثـّـل قلب العالم ويربط أروبّا بآسيا وفيه تتركـّـز الخيرات والمعادن والنـّـفط. لهذا السـّـبب كان المشروع الصّهيونيّ مشروعا استعماريّا لا غير. عقد هارتزل المؤتمر الأوّل في بازل لمناقشة مخطـّـطه فتمّ الإتـّـفاق على أنّ الأدوات اللاّزمة لدفع النـّـشاط الصّهيونيّ تتمثـّـل في شيئين أساسيين: المال والدّعاية.
    تماشيا مع ذلك الطـّـرح أنشأت الصّهيونيّة منظـّـمات عديدة:
    أوّلا: الجمعيّة اليهوديّة (Jewish Society) التي ستصوغ المخطـّـط السّياسيّ للمشروع الصّهيونيّ وتشرحه بالتـّـفصيل وتوفـّـر له الدّعم السّياسيّ.
    ثانيا: تكوين الصّندوق القوميّ اليهوديّ (Otzar Hityashvut Hayehudim) سنة 1902، وهي شركة مساهمة ابتدأت برأسمال قدره 50 مليون جنيه استرليني.
    ثالثا: إنشاء جريدة صهيونيّة (Die Welt) ستعمل على نشر الأفكار الصّهيونيّة.
    رابعا: إنشاء المنظـّـمة الاستئمانيّة الصّهيونيّة (Jewish Colonial Trust) عند وفاه هارتزل فترأسها دافيد فولفزون (David Wolfsohn). هذه المنظـّـمة الإستئمانيّة ستصبح لاحقا البنك الإسرائيليّ البريطانيّ (Anglo-Eretz-Israel Bank Ltd). ثمّ تصبح بعد ذلك بنكا إسرائيليّا تولـّـى تمويل الإستيطان (Bank Leumi Le-Israel).
    وبما أنّ هارتزل قد درس المحاماة فإنـّـه كان يعلم كيف تـُـنشأ المؤسّسات الماليّة، وفي كرّاسه يودنشتات فسّر كيفيّة جمع الأموال وكيفيّة نتظيم الهجرة اليهوديّة وتحدّث عن تكوين ملكيّة ديموقراطيّة شبيهة بالملكيّة البريطانيّة أو جمهوريّة أرستقراطيّة موضّحا أنّ كلّ المجتمعات تحكمها الأرستقراطيّات. وفي حقيقة الأمر كان الصّهيونيّ الصّربيّ النـّـمساوي ميناحيم أيسلر (Menahim Eisler) قد كتب كتابا سنة 1885 نشر في فينـّا وضع فيه أسس الدّولة الصّهيونيّة ووضع لها دستورا يتكوّن من 1500 بندا. استثمر هارتزل ذلك الكتاب ليتحدّث بطريقة مقتضبة، في يودنشتات، عن تأميم البنوك وبناء الطـّـرق وإنشاء شركات التـّـأمين وكيفيّة تهجير اليهود وكيفيّة نقل البضائع لهم وعن تكوين جيش يهوديّ يقاتل من أجل الإستيلاء على الأرض ووصف حتـّـى الملابس التي سوف يرتديها رجال الدّين والرّجال والنـّـساء والعساكر.
    ومن المعلوم أنّ الصّهيونيّة قبل هارتزل كانت قد اتـّـخذت أسلوب التـّـنويت أي زرع النـّـواتاة اليهوديّة على الأرض الفلسطينيّة لكي تكون تلك النـّـواتات مستعمرات لاحقا يتمّ توسيعها شيئا فشيئا لكنّ هارتزل قال إنّ التـّـنويت أسلوب غير عمليّ ولذلك يجب الإستعاضة عنه بالتـّـهجير المنظـّـم لليهود وإنشاء المؤسّسات في فلسطين التي من شأنها أن تستولي على فلسطين وكذلك ضمان الموفقة الدّوليّة على انتزاع فلسطين. وبما أنّ هارتزل والصّهاينة جميعا يريدون الإستيلاء على الأراضي العربيّة الممتدّة من البحر حتـّـى الفرات فإنـّـهم قد جعلوا تأسيس دولة في فلسطينمنطلقا لتوسّعهم على مرّ السـّـنين. ولا زال هذا الطـّـموح يمثـّـل قلب المشروع الصّهيونيّ إلى اليوم. وبما أنّ المشروع الصّهيونيّ مشروع استعماريّ في جوهره فقد راح الصّهاينة يقولون إنّ تأسيس الدّولة اليهوديّة سوف يكون جدارا منيعا يحمي البلدان الأروبيّة والعالم المسيحيّ ويضمن لهم النـّـفوذ في الشـّـرق الأوسط وفي آسيا ويضمن لهم الهيمنة على العالم بأسره. وقد كتب هارتزل إنّ الصّهيونيّة تحتاج إلى ملايين الفقراء المعدمين من اليهود لكييرتحلوا بسهولة لإسرائيل وقال إنّ الرّجال المتشائمين الذين لا أمل لديهم هم المستعمرون بامتياز. ما فعله هارتزل في حقيقة الأمر هو إحياء اليسوعيّة اليهوديّة التي تعود إلى تلمود القرون الوسطى تقوده في ذلك نرجسيّة وأطماع لا حدود لها.
    إسرائيل زانغفيل: Israel Zangwill
    ولد إسرائيل زانغفيلIsrael Zangwill (1864 - 1926) لمهاجرين من لاتفيا (أمّه من لاتفيا وأبوه من بولندا). كرس حياته لخدمة الصّهيونيّة والدّعاية لتحرّر اليهود وفي كتاباته أعطى للصّهيونيّة معنى جديدا إذ ربط ما يسمـّـيه الصّهاينة "تحرّر اليهود" بالأرضويّة (territorialism) وراح يوسّع منها ليجعلها حركة تحرّر وطنيّة، وكما قال ولتر لاكور، كان الصّهاينة في عهد هارتزل يتحدّثون عن دولة لا أرض لها أو وضعوا الأسس النـّـظريّة لدولة غير موجودة (نظريّة) وآلوا على أنفسهم أن يقوموا ببنائها. وكان لابدّ للكتـّـاب الصّهاينة أن يقوموا بترسيخ ما يسمّونه القوميّة اليهوديّة والأرض اليهوديّة في الأذهان لكي يضربوا نهائيّا فكرة إندماج اليهود في المجتمعات الغربيّة. كواحد من أولئك الكتـّـاب، كان إسرائيل زانغفيل أوّل من استعمل مصطلح "البوتقة المنصهرة" (The Melting Pot) لبعبّر عن استيعاب اليهود في المجتمع الأمريكيّ. كان ذلك عنوان رواية للأطفال عنوانها "أطفال الغطـّـو"، وعندما تمّ تحويلها إلى مسرحيّة شاهدها روزفلت وأعجب بها شديد الإعجاب. وسرعان ما تبنـّـت الولايات المتـّـحدة الأمريكيّة ذلك المصطلح للتـّـعبير عن أرض تنصهر فيها كلّ القوميّات والإثنيّات هي الأرض الأمريكيّة.وتقول بعض المصادر الصّهيونيّة إنّ زانغفيل قد صاغ شعار: "أرض بلا شعب لشعب بلاأرض" كوصف ليس فقط للطـّـموح الصّهيونيّ إلى الأرض التـّـوراتيّة بل أيضا لإيهام العالم بأنّ أرض فلسطين لم تكن مأهولة. وفي حقيقة الأمر لم يكن زانغفيل هو الذي صاغ ذلك الشـّـعار بل إنــه نقله عن اللـّـورد شافتزبوري، Lord Shaftesbury إلاّ أنّ الصّهيونيّة سرعان ما تبنـّـت ذلك الشـّـعار وفسّرته أحيانا بأنّ فلسطين كانت أرضا فارغة أي فيها عدد قليل من السـّـكـّـان under-populated.
    كان شافتزبوري ينتمي لحزب المحافظين. وفي سنة 1838 أقنع وزير الخارجيّة البريطاني بالمرستون Palmerston بضرورة إرسال قنصل بريطانيّ إلى القدس. وقد كان شافتزبوري مسيحيّا متعاطفا مع الصّهيونيّة لما وجد فيها من المزايا السّياسيّة والاقتصاديّة التي تعود على بريطانيا بالمنفعة وكان يقول إنّ عودة اليهود هي تجسيد لمشيئة الله. ولتحقيق تلك المشيئة قام شافتزبوري بإطلاق حرب القرم سنة 1854 زاعما أنّها كانت حربا غرضها التـّـصدّي لمحمّد علي السـّـلطان العثمانيّ. في سنة 1853 كتب شافتزبوري لرئيس الوزراء آبردين (Aberdeen) بأنّ سوريا دولة بلا أمـّـة وأنـّـها بحاجة إلى أمـّـة مقترحا إرسال اليهود إليها. وفي مذكـّـراته كتب إنّ تلك المناطق الشـّـاسعة والخصبة كانت بدون حاكم وقال إنـّـها ستكون أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض.
    سرعان ما راحت الصّهيونيّة تستعمل ذلك الشـّـعار ونسبته لواحد منها؛ وهكذا ربطت الصّهيونيّة ما يسمّى "المشكل اليهوديّ" بالأرض على لسان زانغفيل الذي كان مؤيّدا لتيودور هارتزل. لكنّه جعل للصّهيونيّة توجـّـها جديدا ثمّ انشقّ عن حركة هارتزل ليؤسّس منظـّـمته الخاصّة التي أسماها "Territorialist" سنة 1905. وقد جعل كهدف لتلك المنظـّـمة العمل على خلق وطن لليهود في كلّ ما يمكن الحصول عليه من الأراضي في العالم. وقد عملت منظـّـمته على توطين اليهود في كندا وأستراليا وبلاد ما بين النـّـهرين وفي إفريقيا وسريلنكا. أمّا ما نفهمه من هذا أيضا فهو الطـّـبيعة الاستعماريّة التي اتـّـخذتها اليهوديّة إذ لم تعد تكتفي بالتـّـنويت، اي بزرع النـّـواتاة الإستيطانيّة في فلسطين، كما أسلفت ولكنـّـها صارت تعمل على الاستيطان في الأراضي علنا.


    فيليب مايكل نيفلينسكي:
    أدّى تعاون إسرائيل زانغفيل مع هارتزلإلى تغيير ذلك الأخير من محتوى المخطـّـط الصّهيونيّ إذ صارت الصّهيونيّة تعمل بالفعل على امتلاك الأراضي وتهجير اليهود إلى فلسطين. ولكي يضمن هارتزل الشـّـرعيّة الدّوليّة لدولته التي أصبحت فكرة ثابته تعذب ذهنه إلتقى فيليب مايكل فون نيفلينسكي Michael Philipp Von Nevlinski ، وهو الذي كان يعمل كديبلوماسيّ بولنديّ في آسيا الصّغرى. في المراحل الأولى كان هرتزل يسترشد من نيفلينسكي في كلّ عمل يقوم به في القسطنطينيّة واعتمد عليه خصّيصا في أن يرتـّـب له الأجواء وأن يضمن له مقابلة السـّـلطان محمّد علي. ذهب إلى اسطامبول في يونيو، 1896 لكنّه لم ينجح في مقابلة السـّـلطان. كان هرتزل يعتقد، بناء على المعلومات التي قدّمها له نيفلنسكي، أنّ الخزينة التـّـركيّة تعاني من المصاعب فكان يأمل أن يوافق السـّـلطان محمّد علي على أن يسدّد الصّهاينة جزءا من ديون الإمبراطوريّة العثمانيّة التي بلغت في سنة 1881 مائة وستـّـين مليون جنيها استرلينيّا لقاء منحهم فلسطين. تلك الدّيون جعلت الدّول الأروبيّة تتدخـّـل في شؤون تركيا ومكـّـنت الدّيبلوماسيّين البريطانيّين من أن يضمنوا له مقابلة السـّـلطان في السـّـرّ.
    عاد هرتزل إلى لندن في صيف 1896 حيث تم التـّرتيب لعقد لقاء مع زعماء اليهود البريطانييّن. التقى كلود مونتيفيوري Montefiore وفريدريك موكاتـّـي Mocatte ، وممثـّـلين عن الرّابطة الإنجليزيّة الصّهيونيّة. لم تكن تلك القيادات متعاطفة معه لكنّه تمكـّـن من التـّـأثير على السير صمويل مونتاغو Montagu الذي كان يملك بنكا والعقيد جولدسميث Goldsmid فوافقا على التـّـعاون معه في مسعاه لإنشاء دولة يهوديّة تحت سيادة تركيا وكان للبارون دي هيرش 10000000 جنيه استرليني وضعها تحت تصرّفه من أجل إنجاح خطـّـته؛ وقد أصبح البارون إدموند دي روثشيلد عضوا في اللـّجنة التـّـنفيذيّة للجمعيـّة اليهوديّة المقترحة آنذاك. أمّا العقيد غولدسميث فقد كان من وايلز ويروى أنـّـه قال لهرتزل: "أنا دانيال دوروندو، (بطل رواية جورج إيليوت) وُلدت يهوديّا لكنّي اعتنقت المسيحيّة؛ أمّا الآن فسأكرّس حياتي لخدمة القضيّة اليهوديّة". كما أنّ روثشيلد أعرب عن تشبـّثه بفكرة هارتزل المنادية باستعمار فلسطين، لكنّه أوصى بالحرص على عدم إثارة العداء. وكما قلت اضطلعت المنظـّـمة اليهوديّة بتنظيم اليهود وتنظيم هجرتهم إلى فلسطين.
    كان نيفلينسكي قد حضر المؤتمر الصّهيونيّ الأوّل وكان قد أنشأ بعد إفلاسه جريدة تصدر في تركيا تحت اسم "مراسلات الشـّـرق" (Correspondance de l'Est)، وكان هرتزل قد عزم على استعماله كآداة مذ قابله (تاريخ الصّهيونيّة لولتر لاكور ص 99)، وعندما مات نفلينسكي سنة 1899 اتـّـضح أنّ جريدته كانت خديعة تـُـستعمل في ابتزاز الأموال ولم يكن لديها سوى اثني عشر من المشتركين. وفي الحقيقة كان نيفلينسكي يعمل جاسوسا لصالح تركيا ويقول الصّهاينة إنـّـه خدع هارتزل وصار يتجسّس على الصّهيونيّة لصالح العثمانيّين.
    شيئا فشيئا انضمت مجموعات صهيونيّة لهارتزل خاصّة من غاليسيا ورومانيا والنـّـمسا، ومن بينهم اللـّـيطوانيّ فولفزون Wolfsohn الذي صار تاجر أخشاب في مونيخ وزعيما للمنظـّـمة الصّهيونيّة "أحبّاء زايون" Hovevei Zion التي تحدّثت عنها في الفصل الأوّل. ومن بين الصّهاينة الذين ساندوا هارتزل كذلك الهنغاريّ ماكس نورداو Max Nordau. توجّه هارتزل مرّة أخرى إلى اسطامبول وعاد منها خائبا لكنّ الصّهاينة نشروا بين صفوف اليهود قصصا مبالــَـغا فيها مفادها أنّ السـّـلطان محمد علي قد وافق على مطلب هارتزل لكي يجمعوا شتات اليهود ويجعلوهم مؤمنين بالمشروع الصّهيونيّ. تلك القصص جعلت اليهود يقابلونه في محطـّـة القطار ويقبـّـلون يديه في بلغاريا وفي هنغاريا. ولعلّ فكرة الاعتماد على عامـّـة اليهود قد خطرت بباله عندما عاد من تركيا في المرّة الأولى لكنّ عامّة اليهود لم تكن مهتمـّـة بخطـّـة الصّهاينة؛ للتــّـدليل على ذلك أذكر أنّ جريدة "دي فالت" التي أسّستها الصّهيونيّة لم يشترك فيها سوى يهوديّان بعد عددها الأوّل لكنّ عدد المشتركين ارتفع إلى 280 بعد 10 أشهر. لكنّ صهاينة أروبّا صاروا يسمّون أنفسهم حكومة اليهود السـّـرّية؛ هذا الأمر جعل الأروبّيّين يعتبرون أعمالهم خيانة ونشرا للتـّـفرقة إلاّ أنّ المنظـّـمات الصّهيونيّة، التي ارتفع عددها من 117 منظـّـمة كانت موجودة من قبل سنوات قليلة إلى 918 منظـّـمة خلال المؤتمر اليهوديّ الثـّـاني (1898)، مضت في التـّـمويه ناشرة قصّة مصطنعة تقول إنّ السـّـلطان التـّـركيّ قد وافق على منح اليهود أرض فلسطين. كما أنـّـها راحت تشيد بأنّ فلسطين سوف تصبح عاصمة ثقافيّة.
    أمّا الأسلوب الثـّـاني الذي توخـّـته الصّهيونيّة فقد تمثـّـل في التـّـركيز على وصف مدى التـّـخلـّـف الذي كان ينخر المدن والقرى الفلسطينيّة فزعمت الصّحافة بأنّ شوارع القدس الضّيـّـقة كانت قذرة تفوح منها روائح نتنة لا تحتمل وأرجعت ذلك إلى مائتي سنة من الحكم العثمانيّ المتعفـّـن. وقد ركـّـزت الصّهيونيّة على ذلك لأنّ القدس عاصمة دينيّة ووصفها بتلك الكيفيّة يجلب المساندة للمشروع الصّهيونيّ الذي يزعم أنّه سيخرج فلسطين من التـّـخلـّـف ويجعلها عاصمة ثقافيّة. بالرّغم من الدّعاية المكثـّـفة لم ينجح هارتزل في استمالة السـّـلطان العثمانيّ ولذلك وجـّـه جهوده نحو الإمبراطوريّة البريطانيّة منذ المؤتمر الصّهيونيّ الرّابع الذي انعقد سنة 1901 خاصّة بعد فشله في استمالة الإمبراطور الألمانيّ. منذ ذلك العام اتـّـخذت الصّهيونيّة منحى جديدا إذ ربطت نفسها بالإستعمار البريطانيّ وقبلت بأن تكون آداة في يده. كتب ولتر لاكور : "كان لهرتزل طموح مستعر بأن يحقـّـق الشـّـهرة ككاتب ومسرحيّ لكنّه في تلك الميادين لم يكن موهوبا وكان منغمسا في الحياة الغير يهوديّة الأرستقراطيّة ويمقت المثـقـّـفين اليهود مقتا بالرّغم من كونه واحدا منهم. لكنّ الشـّـهرة جاءته عن طريق العمل. كان نرجسيّا، وحيد الفكر كلـّـية ويطلب من أتباعه الانصياع التـّـامّ" (تاريخ الصّهيونيّة ص 132). ويجمع كثير من النـّـقـّـاد على أنـّـه لم يكن يحيا حياة يهوديّة على الإطلاق وهذا يدعم ما ذهبنا إليه من أنّ المشروع الصّهيونيّ كان في جوهره مشروعا استعماريّا. كان هرتزل في أسلوبه ارستقراطيّا ويفضّل الدّيبلوماسيّة السـّـرّية وبعد موته تخلـّـت الصّهيونيّة عن الصّهيونيّة السـّـياسيّة وعادت إلىالصّهيونيّة العمليّة التي تمثـّـلت في الاستعمار الفعليّ لفلسطين.


    بعد هارتزل:
    كان الصّهاينة في عهد هارتزل يومنون بأنّ استعمار فلسطين على نطاق واسع لا يمكن أن يتمّ إلاّ إذا حصلت الحركة الصّهيونيّة على الدّعم الدّوليّ وعلى موافقة السّلطان التـّـركيّ وكانت ذلك مذهب الصّهيونيّة السّياسيّة، لكن قبل موت هارتزل بقليل دبّ تململ في صفوف الصّهاينة وخرج عنه الصّهاينة الرّوس لأنـّـهم ارتأوا أنّ سياسة هارتزل وأساليبة لم تحقـّـق شيئا. في تلك الأجواء من الغضب عقد المؤتمر السّابع الصّهيونيّ سنة 1905 في بازل فقرّر رفض مشروع أوغندا الذي تقدّمت به الحكومة البريطانيّة ممّا أغضب "الأرضويّين" الذين كان يقودهم زانغفيل وجعلهم يقاطعون المؤتمر. أكـّـدت اللـّـجنة الصّهيونيّة الرّوسيّة التي يقودها يوسّيشكين (Ussishkin) بأنّ الدّيبلوماسيّة السـّـريّة لهارتزل لم تؤدّي إلى نتيجة وطالبت بضرورة وضع استراتيجيا جديدة. وكانت النـّـتيجة أن تمّ إعادة الصّهيونيّة نحو الممارسة العمليّة المتمثـّـلة في إنشاء المستوطنات في فلسطين. رفض المؤتمر السّابع الصّهيونيّ إذن الاستعمار على نطاق صغير أو ضيّق وتبنـّـى الاستعمار على نطاق واسع الذي من شأنه أن يعزّز المستعمرات الصّغيرة أو النـّـواتاة التي تمّ إنشاؤها حتـّـى ذلك العام وخرج بمقرّرات تهتمّ بتطوير الزّراعة والصّناعة اليهوديّة في فلسطين. تمّ انتخاب لجنة تنفيذيّة جديدة في ذلك المؤتمر تمثـّـلت في الأسماء التـّـالية:
    ـ ثلاث من دعاة الصّهيونيّة التـّـطبيقيّة: ووربورغ (Warburg)، يوسيشكين (Ussishkin)، وكوغان برنشطاين (Kogan-Bernstein).
    ـ ثلاث من الصّهيونيّة السـّـياسيّة: ليوبولد غرينبارغ (Leopold Greenberg)، جاكوبوس كان (Jacobus Kann) وألكسندر مارموريك (Alexander Marmorek).
    وقد انتخب دافيد فولفزون رئيسا للجنة العمل الدّاخلي ورئيسا للمنظـّـمة الصّهيونيّة ككلّ. وقد أشاد في خطاب له بأنّ أزمة الصّهيونيّة قد أنتهت عندما اتـّـخذت اتجاها جديدا خلال ذلك المؤتمر.
    دافيد فولفزون: David Wolfsohn
    ولد بليتوانيا على الحدود الألمانيّة وتلقـّـى تعليما دينيّا تقليديّا. دخل تجارة الأخشاب في ألمانيا فصنع ثروة كبيرة وقد انتمي لجمعيّة "أحبّاء زايون" مذ كان شابّا وكان من المساندين المتشدّدين لهارتزل، وفي حقيقة الأمر كان هارتزل هو الذي أوصى قبل موته بأن يخلفه فولفزون. لم يكن فولفزون مثقـّـفا ولم يكن صاحب أفكار جديدة ولكنـّـه أظهر تفوّقا على هارتزل في التـّـنظيم. وكان الصّهاينة الرّوس المطالبين بضرورة اتـّـخاذ الخطوات العمليّة، أي الاستعمار، قد رضوا به رغم علمهم بأنـّـه كان من أتباع هرتزل الأوفياء لأنـّـهم يعلمون أنّ وجود يوسيتشين ووايزمان وكذلك شوكولوف الصّهيونيّ البولنديّ سوف يرجّح الكفـّـة لصالحهم. أولى فولفزون اهتماما خاصّا بالعلاقات العامّة فواصل اتـّـصالاته بروثشيلد في باريس ونجح في الحصول على دعمه وفي سنة 1908 أرسل ثلاثة عناصر صهيونيّة إلى اسطامبول لكي يقيموا فيها ويعملوا على الدّعاية للحركة الصّهيونيّة ولجعل الحكومة العثمانيّة تتراجع عن قانون منع الهجرة اليهوديّة.
    تقدّم دافيد فولفزون بمشروع صفقة جديدة للحكومة التــّـركيّة تنصّ على توطين خمسين عائلة يهوديّة في فلسطين في مكان غير القدس على أن يكونوا رعايا عثمانيّين مقابل إعفائهم من دفع الضّرائب لمدّة خمس وعشرين عاما. طلب الأتراك 26 مليون فرنك لكنّ الصّهاينة عرضوا عليهم مليونين فقط وبذلك لم تنجح المفاوضات. وبالرّغم من صعود "الأتراك الشـّـبّان" في تلك السـّـنوات (الذين سمّيت حركتهم "تركيا الفتاة" وهي حركة مؤيدة لإصلاح الإدارة في الإمبراطورية العثمانية لم يشأ فولفزون التـّـفاوض معها لأنّ الصّهاينة كانوا ماضين في ما أسموه الاستعمار على نطاق واسع. كانت حركة تركيا الفتاة، مذ ظهرت، حركة دستورية متصدّية للسّطلة المطلقة للسلطان عبد الحميد الثاني. وعند تأسيس جمعية الإتـّحاد والتـّرقي في 1906، ضمّت تلك الجمعية أعضاء كثر من تركيا الفتاة لكنّ الصّهاينة قد استبعدوا نهائيّا فكرة التـّـفاوض واكتفوا بنشر جريدة "Le Jeune Turc" في تركيا للدّعاية لمخطـّـطهم. في تلك السّنوات كان الدّكتور نوسّيش (Dr Nossig) من الصّهاينة الأوائل الذين خرجوا عن الحركة لاستبعادها التـّـفاوض مع تركيا فأعدمه الصّهاينة، لاحقا، في غطـّـو وارسو وعمره ثمانين متـّـهمين إيّاه بأنـّـه كان يعمل لصالح الغستابو إبّان الحرب العالميّة الأولى. وقد تولـّـى بعض الصّهاينة مهمّة إعلام الأتراك بأنّ نوسّيش لم يكن يمثـّـل سوى نفسه. قد ارتأى الصّهاينة أنّ الحوار مع الأتراك لا طائل من ورائه وبالتـّـالي ركـّـزوا جهودهم على تهجير اليهود إلى فلسطين مشدّدين على أنّ فلسطين يجب أن تكون العاصمة الثـّـقافيّة اليهوديّة. وفي ذلك الوقت ذهب الصّهيونيّ الألماني ليختهايم ليعمل في تركيا فتنبـّـأ بقرب سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة. رأى الصّهاينة أنّ الحرب الإيطاليّة التـّـركيّة حول ليبيا لسنة 1911 التي فازت فيها إيطاليا بطرابلس وفزّان وزرنيكا إلىجانب جزر تقع على ساحل الأناضول وكذلك حروب البلقان التي خاضتها اليونان وسربيا وبلغاريا ضدّ تركيا (1912 ـ 1913) قد أضعفت الإمبراطوريّة العثمانيّة إلى أبعد الحدود. كثـّـفوا من تهجير اليهود إلى فلسطين لأنّ الأمبراطوريّة العثمانيّة لم تعد قادرة على منعهم من ذلك. وقد كانوا يتعلـّـلون بحماية الأقلـّـية اليهوديّة المسمـّـاة ييشوف التي ذكرتها في الجزء الأوّل.
    لم تكن الصّحافة البريطانية بغافلة عن أفواج الهجرة اليهوديّة ولذلك كتبت إنّ الصّهيونيّة آداة في يد الإمبراطوريّة الألمانيّة ما دامت معظم منظـّـماتها موجودة بألمانيا فاتـّـخذ عزرائيل وايزمان على عاتقه مهمّة إقناع البريطانيّين. قابل بلفور سنة 1906 وجاء شوكولوف إلى بريطانيا سنة 1912 ليقابل عددا من أعضاء الحكومة البريطانيّة. وبما أنّ فرنسا قد رأت أنّ صراعا سيندلع لا محالة بينها وبين بريطانيا في منطقة الشـّـرق الأوسط فقد أعرب وزير الخارجيّة الفرنسيّ لماكس نورداو Max Nordau المقيم بفرنسا عن تأييده للصّهاينة في محاولة منه لجذب اليهود نحو فرنسا. لكنّ جهود فولفزون تركـّـزت حول توحيد صهاينة الشـّـرق فقام باتـّـصالات عديدة في روسيا وأروبا الشـّـرقيّة لكي يضمن للصّهاينة حرّية النـّـشاط. وكنتيجة لجهودة تمكـّـن 13 صهيونيّا من التـّـرشـّـح للدّوما ففاز منهم خمسة في 10 ماي 1906. وقد عرفت فترة رئاسة فولفزون للحركة الصّهيونيّة منذ سنة 1905 بتكوين نواة أعضاؤها متفرّقون في سبع مناطق أروبيّة سمّيت "لجنة العمل الدّاخليّ": كولونيا، لندن، باريس، لاهاي، برلين، أوديسّا وييكاتيرينوسلافا (Yekaterinoslav). جعل تفرّق تلك اللـّـجنة فولفزون يقود المنظـّـمة بكلّ ديكتاتوريّة ولذلك واجه نقدا شديدا. وقد وجـّـه له عزرائيل وايزمان النـّـقد الشـّـديد وأسمى صهيونيّته بالصّهيونيّة الاصطناعيّة. وخلال المؤتمر العاشر الذي انعقد بهانبورغ سنة 1911 وجّه له المؤرّخ الصّهيونيّ بومه (Böhme) نقدا لاذعا أيضا. في ذلك المؤتمر سيطر الصّهاينة الرّوس على لجنة العمل الدّاخليّ:
    ‹Victor Jacobson, Shmariyahu Levin, Nahum Sokolov›
    تزعـّـم القيادة الجديدة البنكي الهامبورغيّ أوتـّـو ووربورغ فوجـّـه اهتمامه حصريّا للإستعمار في فلسطين. انتهى الصّراع في صلب المنظـّـمة بهيمنة الصّهاينة الرّوس فأرسلوا الخبراء الزّراعيّين لفلسطين لمساعدة المستوطنين اليهود ولمساعدة روبين (Ruppin) الوكيل العقاريّ في مشاريعه الاستيطانيّة. لكنّ جناح الصّهيونيّة السّياسيّة ظلّ ينقد القيادة العمليّة الجديدة متـّـهما إيّاها بالإفتقار إلى الخيال السيّاسيّ والعمل الدّيبلوماسيّ.


    المؤتمر الحادي عشر:
    عُقد المؤتمر الحادي عشر في سبتمبر 1913. حضر ذلك المؤتمر روبين الذي كان متـّـهما بكثرة الإنفاق على المستوطنات فدافع عن نفسه قائلا إنّ الصـّـهيونيّة العمليّة ما دامت في بداياتها كان لا بدّ لها من الإنفاق لتوسيع المستوطنات لأنّ يهود الشـّـتات سوف يعتمدون هم أيضا على المستوطنات اليهوديّة. وفيما بين سنوات 1905 ـ 1914 عرفت فلسطين أمواجا كثيرة من الهجرة اليهوديّة إذ بلغ عدد اليهود الذين قدموا إلى فلسطين عشرات الآلاف وفي سنة 1914 وحدها حلّ بفلسطين ما يقارب السّتّ آلاف من اليهود. وكما قلت في الفصل الأوّل بدأت الصّهيونيّة العالميّة الإستيطان بفلسطين منذ أسّس روبين المكتب الصّهيونيّ في يافا سنة 1908. وعند اندلاع الحرب العالميّة الأولى تمتـّـع الصّهاينة باستقلاليّة تامّة فبنوا المدارس وأصدروا جريدتين في القدس ناطقتين بالعبريّة ووسـّـعوا المستوطنات وعندما احتلّ البريطانيون فلسطين وجدوا اليهود قد ثبـّـتوا أنفسهم فيها. ولعلّ القارئ قد تبيّن من خلال التـّـاريخ المقتضب أنّ الأقلـّـية من اليهود العرب الذين كانوا يعيشون من قبل في فلسطين لم يكونوا هم الذين سعوا إلى الإطاحة بالأمبراطوريّة العثمانيّة أو إلى إقامة دولة يهوديّة بل إنّ الصّهيونيّة الأروبيّة التي ارتبطت بالإستعمار هي التي سعت إلى استعمار فلسطين.
    الصّهيونيّة إبّان الحرب العالميّة الأولى:
    وجدت الصّهيونيّة التي كانت عبارة عن عصابات مافياوية محكمة التـّـنظيم في اندلاع الحرب العالميّة الأولى فرصة سانحة لتمضي قدما في استيلائها على فلسطين. جمعت تلك الحرب ألمانيا والإمبراطوريّة النـّـمساويّة المجرية والأمبراطوريّة العثمانيّة ضدّ بريطانيا وفرنسا وروسيا. أمّا الدّور الذي لعبته الصّهيونيّة في ذلك الوقت فتمثـّـل في العمل على جرّ الولايات المتحدة الأمريكيّة إلى دخول تلك الحرب الأروبيّة الدّمويّة لأنّ الألمان والنـّـمساويين المجريّين والأتراك كانوا على وشك كسب الحرب منذ سنة 1916. روسيا كانت تعاني من الإضطرابات الدّاخليّة وعلى وشك أن تقتلع الفيصرَ الحاكم فيها الثـّـورة البلشفيّة، وفرنسا كانت خسائرها فادحة أمّا بريطانيا فقد كانت تحت الحصار الألمانيّ التـّـامّ. أبرمت الحكومة البريطانية مع زعماء الصّهيونية صفقة وعدت بموجبها زعيم الصّهيونيّة العالمية حاييم وايزمان الذي أصبح أوّل رئيس لدولة إسرائيل فيما بعد. وقد تمثـّـلت الفكرة الصّهيونيّة في استخدام نفوذها لجرّ الولايات المتـّـحدة إلى الحرب كما قلت إلى جانب بريطانيا مقابل أن تمكـّـنها هذه الأخيرة من إقامة دولة في فلسطين. وقد ارتأت بريطانيا أنّ تحالفها مع الصّّيهونيّة ورقة قويّة في الإجهاز على الإمبراطوريّة العثمانيّة وحلفائها. وقد أدرك الصّهاينة أنّ استيلاء بريطانيا على الشـّـرق الأوسط سوف يسمح لهم بتكثيف الهجرة نحو فلسطين.
    توجـّـه كثير من الصّهاينة (برنارد باروخ ، لويس برانديز ، بول واربورغ أب الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة وغيرهم) إلى الولايات المتـّـحدة الأمريكية لمقابلة وودرو ويلسون. وقام البقيّة بدعاية في الصّحافة الصّهيونيّة حاثـّـين الولايات المتـّـحدة على دخول الحرب. وفي سنة 1916 دخلت أمريكا الحرب تحت ذريعة جعل العالم أكثر أمنا.
    وفى الوقت نفسه ، في ألمانياحيث القوة الصّهيونية متركـّـزة وتمارس تأثيرا هائلا عبر الصّحافة وجّه العمـّـال وقادة النـّـقابات والأحزاب الماركسيّة بتوجيه من الصّهيونيّة ضربات لمصانع الأسلحة الألمانية عاملين على تخريب ألمانيا من الدّاخل. وما إن دخلت أمريكا الحرب حتـّـى حسمت الحرب لصالحها ولصالح بريطانيا فتمّت إعادة رسم الخريطة العالميّة من جانب الدّول المنتصرة من خلال معاهدة فرساي سنة 1918. وقد حضر مناقشات فرساي وفد صهيونيّ ترأسه حاييم أو تشايم وايزمان. وقد كانت بريطانيا العظمى أصدرت وعد بلفور في تشرين الثاني، نوفمبر 1917، قبل عام واحد من نهاية الحرب. لكنّ وعد بلفور كان في الواقع قد تمّ إعداده منذ سنة 1916 وقد تضمّن إعلانا يسمح بالهجرة الجماعيّة اليهوديّة إلى فلسطين في حين احتلّت بريطانيا فلسطين لتمكين اليهود من بناء دولة لهم. احتجّ الفلسطينيّون لكن لم يكن هناك شيء يمكن أن يقوموا به لوقف الأفواج اليهوديّة القادمة من جميع أنحاء العالم. وكانت هذه الخطوات الأولى سببا فيما سوف يصبح دولة اسرائيل سنة 1948.
    عند اندلاع الحرب العالميّة الأولى ، لم يتوقـّع الصّهاينة انهزام الامبراطوريّة العثمانيّة الضّعيفة فحسب بل عملوا على إسقاطها ففوز بريطانيا يجعلها تدعم الهجرة اليهوديّة،كما قلت، كخطوة أولى نحو تحقيق الهيمنة اليهوديّة في نهاية المطاف. وحتـّـى في سنة 1914 بعد الهجرة المكثـّـفة لم يبلغ عدد اليهود سوى 12 بالمائة فقط من مجموع سكّان فلسطين. فهم حاييم وايزمان ، وكان داهية ورجل دولة محنـّـك أنّ خريطة الشـّـرق سوف تحدّدها القوى المنتصرة في الحرب ولذلك عمل على أن يجعل بريطانيا هي الرّابحة. وإذا ما ملكت بريطانيا قناة السـّـويس فإنّ ذلك يجعلها تلعب دورا مهيمنا في مصر وفي الهند وآسيا. وكانت بريطانيا تجري في ذلك الوقت اتـّـصالات مع شريف مكـّـة حسين، جدّ الملك الأردني الذي يزعم أنـّـه ينحدر من سلالةعلي بن أبي طالب. وفي شهر فيفري، شباط، 1914، ذهب الأمير عبد الله ، بن الشـّريف حسين، الى القاهرة لزيارة اللورد كيتشنر، وكيل القنصل البريطانيّ العامّ في مصر، حيث طلب أن توفـّـر له بريطانيا دعما في تمرّد ينوي القيام به ضدّ الأمبراطوريّة العثمانيّة. ظلـّـت بريطانيا، عن طريق اللـّـورد السّير هنري ماكماهون، تماطل شريف مكـّـة حسين وتعده بمملكة في الجزيرة العربيّة لا تشمل اليمن والهلال الخصيب. وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى في أوت، أغسطس 1914، صار اثنان من أبناء حسين ملكين، عبد الله، في الأردن ، وفيصل، في سوريا (طرد من قبل الفرنسييّن في 1920) والعراق (1921-33) وهو الذي قابل وايزمان كما قلت في الفصل الأوّل، وأبرم معه اتـّـفاقيّة صداقة بين العرب واليهود.
    وبتشجيع من بريطانيا، ابتدأ شريف مكـّـة حسين، يوم 5 جويلية، 1916 ما أسماه الثـّـورة العربيّة ضدّ تركيا وأعلن نفسه "ملكا على العرب". وبعد هزيمة بريطانيا في الدّاردنيل سنة 1915، راحت تفاوض فرنسا حول تقاسم الشـّـرق الأوسط بعد الفوز في الحرب سعيا منها لطمأنة فرنسا بنواياها الحسنة. وفي شباط فيفري 1916 عقدت وإيّاها اتـّـفاقيّة سايكس بيكو التي اتـّـفق فيها الطـّـرفان على تفاسم الشـّـرق الأوسط، وقد نصّت تلك الأتـّـفاقيّة على أن تـُـدار فلسطين من قبل بريطانيا وفرنسا وروسيا. إلاّ أنّ اللـّـويد جورج الذي صار وزيرا أوّل في بريطانيا وكذلك وزير خارجيّته جيمس بلفور رأيا أنّ توطين اليهود في فلسطين يخدم الأهداف الإستراتيجيّة البريطانيّة. وقد عملت بريطانيا على السـّـيطرة على فلسطين لقربها من قناة السـّـويس حيث بلغت الحامية البريطانية هناك أكثر من 300000 رجل. بدا الصّهاينة كحليف لبريطانيا يعملون على إدخال أمريكا الحرب وكذلك على الإبقاء على البلاشفة في الحرب بعد ثورة 1917. لكنّ وعد بلفور أحدث تغييرا جذريّا إذ سرّع هجرة اليهود والمنظـّـمات الصّهيونيّة بأجنحتها العسكريّة فقتـّـلوا الفلسطينيّين وأجبروا أغلبيّتهم على ترك أراضيهم، مقتسمين الغنائم فيما بينهم، متجاهلين ما أوصت به بريطانيا من ضرورة المحافظة على المواطنين العرب في أراضيهم.وفي 24 جويلية تمّوز 1920 وافقت عصبة الأمم على شروط الانتداب البريطانيّ على فلسطين وتكوين وطن لليهود فيها. وفي 30 جويلية، حزيران 1922 وافق الكنغرس الأمريكيّ على ضرورة توطين اليهود في فلسطين. وقد اعترفت وثيقة الانتداب البريطاني على فلسطين بالحقّ التـّـاريخيّ لليهود في فلسطين وأكـّـدت التزام بريطانيا بضمان إنشاء وطن "قوميّ" لليهود عبر التـّـعاون مع المنظـّـمة الصّهيونيّة العالميّة؛ لهذا السـّـبب كتب اليهوديّ شلومو زند إنّ بريطانيا كانت متعاطفة مع الصّهيونيّة.
    أرجو أن أكون قد وضـّـحت كيف أنّ الصّهيونيّة كانت تتغذّى من كذبة اسمها "معاداة السـّـامية" وكذبة أخرى اسمها "اضطهاد اليهود" وأرجو أن يكون القارئ قد كوّن فكرة عن مراحل الصّهيونيّة: الصّهيونيّة الحالمة ـ الصّهيونيّة السـّـياسيّة ـ الصّهيونيّة العمليّة أو التـّـطبيقيّة ثمّ الصّهيونيّة الاستعماريّة. وأؤكـّـد في الختام أنّ الصّهيونيّة لم تنتهي مع بناء الدّولة الإسرائيليّة بل إنّ المشروع الصّهيونيّ مازال مستمرّا إلى يومنا هذا لكي يضمن توسّع إسرائيل لكي تلتهم الأراضي العربيّة وتمتدّ من البحر إلى النـّـهر كما تقول الصّهيونيّة.
    الفصل القادم: الاتـّـجاهات الصـّـهيونيّة والصـّـهيونيّة المسيحيّة.

    المرجع
    :


    http://www.arabrenewal.org/categorie...1%C7%D3%C7%CA/


  2. #2
    طبيب / أديب الصورة الرمزية د- صلاح الدين محمد ابوالرب
    تاريخ التسجيل
    13/10/2006
    العمر
    65
    المشاركات
    4,923
    معدل تقييم المستوى
    19

    افتراضي رد: تاريخ الصّهيونيّتين: اليهودية والنصرانية الغربية؛ فهل من الممكن الحديث عن ثالثة؟


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    موضوع دسم جدا يحتاج الى قراءة لاكثر من مرة ويحتاج لان يقرأه الجميع وبالذات الشباب
    اشكرك
    تحية

    الدكتور صلاح الدين محمد ابوالرب
    طبيب-كاتب وباحث
    drosalah@hotmail.com

  3. #3
    عـضــو الصورة الرمزية احمد خميس
    تاريخ التسجيل
    09/07/2008
    العمر
    57
    المشاركات
    58
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي رد: تاريخ الصّهيونيّتين: اليهودية والنصرانية الغربية؛ فهل من الممكن الحديث عن ثالثة؟

    يوجد كتاب رائع قريب جدا من هذا الموضوع

    (المسيحيه والحرب قصه الاصوليه الصهيونيه الامريكيه والصراع على الشرق الاسلامى )

    المؤلف دكتور رفيق حبيب

    وبه افكار جديدة ومفاجئات اكثر خطورة

    احمد خميس نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    مصر

    مطروح


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  4. #4
    أستاذ جامعي الصورة الرمزية جمال الأحمر
    تاريخ التسجيل
    10/07/2008
    المشاركات
    1,614
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي رد: تاريخ الصّهيونيّتين: اليهودية والنصرانية الغربية؛ فهل من الممكن الحديث عن ثالثة؟

    أخي الطبيب اللبيب؛ د- صلاح الدين محمد ابوالـرُّب

    أسعدني مروركم العطر بصفحتي...

    إن نصيحتكم هذه للشباب غالية؛ ذلك أن هذا الموضوع هو سر الفهم السياسي لكل المشكلات الحاصلة في العالم اليوم...

    تحية أندلسية غير غافلة عن الصهيونية...


  5. #5
    أستاذ جامعي الصورة الرمزية جمال الأحمر
    تاريخ التسجيل
    10/07/2008
    المشاركات
    1,614
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي رد: تاريخ الصّهيونيّتين: اليهودية والنصرانية الغربية؛ فهل من الممكن الحديث عن ثالثة؟

    الأستاذ أحمد خميس
    تحية طيبة

    1- أشكرك على الإضافة اللامعة للموضوع...

    2- اسنح لي أن أنسج على منوالك؛....

    المسيحية والحرب قصة الأصولية الصهيونية الأمريكية والصراع على الشرق الإسلامى
    المسيحية والحرب: قصة الأصولية الصهيونية الأمريكية والصراع على الشرق الإسلامى، د.رفيق حبيب, دار يافا للدراسات, 1991
    Christianity and War: the story of American Zionist Fundamentalism and the conflict over the Islamic Middle East. Dr. Rafik Habib
    المؤلف: د. رفيق صمؤيل حبيب.

    - الجنسية: مصري.
    - دكتوراه الفلسفة في الآداب، تخصص علم نفس اجتماعي، كلية الآداب، جامعة عين شمس، 1988. ورسالة الدكتوراه: عنوانها "التطور النفسي للشخصية المصرية في خمسين قرنا" وهي دراسة في تحليل مضمون الفن التشكيلي منذ العصر الفرعوني وحتى العصر الحديث، وتمت الدراسة بإشراف الأستاذ الدكتور محمد السيد أبو النيل.
    - ماجستير في الآداب، تخصص علم نفس، كلية الآداب، جامعة عين شمس، 1985. ورسالة الماجستير: عنوانها "المسلمات الأساسية في التنظير التكنولوجي وعلاقتها بأحد أبعاد الشخصية، وهي دراسة عن السمات الشخصية لعالم النفس، وعلاقتها باتجاهاته النظرية العلمية، وتمت من خلال تطبيق استمارات على علماء النفس الأمريكان، وتمت الدراسة بإشراف الأستاذ محمود السيد أبو النيل.
    - ابن الرئيس السابق للطائفة الإنجيلية بمصر.

    المؤلفات:
    - سيكولوجية التدين لدى الأقباط، القاهرة، دار الثقافة، 1986.
    - الاحتجاج الديني والصراع الطبقي في مصر، القاهرة، سينا للنشر، 1990.
    - المسيحية السياسية في مصر، القاهرة، يافا للنشر، 1990.
    - المسيحية والحرب: قصة الأصولية الصهيونية الأمريكية والصراع على الشرق الإسلامي، القاهرة، يافا للنشر، 1991.
    - الإحياء الديني: ملف اجتماعي للتيارات المسيحية والإسلامية في مصر، القاهرة، الدار العربية، 1991.
    - اغتيال جيل: تجربة ذاتية، القاهرة، يافا للنشر، 1992.
    - تاريخ الكنيسة المصرية، تأليف مشترك مع د. محمد عفيفي، القاهرة، الدار العربية، 1994.
    - من يبيع مصر، الدولة.. النخبة.. الكنيسة، القاهرة، مصر العربية، 1995.
    - مصر القادمة بين التغريب والتكفير، القاهرة، دار الشروق، 1996.
    - تفكيك الديمقراطية، القاهرة، دار الشروق، 1997.
    - الشخصية المصرية: التطور النفسي في خمسين قرنا، القاهرة، مركز المحروسة 1997.
    - القدس والحرية، القاهرة، دار الشروق، 1998.
    - التغيير: الصراع والضرورة القاهرة، دار الشروق، 1999.
    - الأمة والدولة: بيان تحرير الأمة، القاهرة، دار الشروق، تحت الطبع.
    - حضارة الوسط، نحو أصولية جديدة، القاهرة، دار الشروق، تحت الطبع.
    - إحياء التقاليد العربية، القاهرة، دار الشروق، تحت الطبع.
    - طريق النهضة: جدول أعمال الأمة، القاهرة، دار الشروق، تحت الطبع.
    الدراسات:
    1- الشخصية المصرية: التجديد والإحياء والاستمرار، في: لويس كامل مليكة، قراءات في علم النفسي الاجتماعي في الوطن العربي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990.
    2- العلوم الاجتماعية بين التحديث والتغريب: نموذج علم النفس، في: ندوة إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، القاهرة، 1992، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ونقابة المهندسين، 1995.
    3- أوراق حزب الوسط مقدمة لأوراق تأسيس الحزب القاهرة 1996.
    4- ثقافة الهزيمة في تحالف كوبنهاجن، قراءة نقدية في خطاب التطبيع، المحرر أمين إسكندر، القاهرة، يافا للنشر، 1998.
    5- الجماعات الوظيفية: نموذج للتعاقد الاجتماعي دراسة، في موضوع اليهود واليهودية والصهيونية، للدكتور عبد الوهاب المسيري، تحت الطبع.
    المراجع:


    http://www.islamonline.net/LiveDialo...GuestID=2vlHGL
    http://mideastchristians.virtualactivism.net/faq.htm


  6. #6
    أستاذ بارز/ كاتب وصحفي الصورة الرمزية عبدالقادربوميدونة
    تاريخ التسجيل
    28/07/2007
    المشاركات
    4,243
    معدل تقييم المستوى
    18

    افتراضي رد: تاريخ الصّهيونيّتين: اليهودية والنصرانية الغربية؛ فهل من الممكن الحديث عن ثالثة؟

    الأخ المجاهد المعاند جمال الأحمر المحترم :
    تحية مساندة مجددة معاودة ..استفدنا من عرض هذا الموضوع الهام الذي ينيركثيرا من الدهاليزالمظلمة والسراديب شديدة العتمة ..والذي أعطى كل باحث عن الحقيقة طريقة لكشف المستوربتسليط النور ..واستسمحك أخي الكريم لأن أعلق بطرفة مخرجة تخريجا..معنى
    " الصهيونية " لغة واصطلاحا:
    ألف ولام التعريف وضعوها كما..
    - آل.. كذا وكذا ..الصاد والهاء.. معناها
    - صه.. أيها المعترض على تنفيذ مشاريعنا وأهدافنا..
    - يو ..وتعني أنتم أعداؤنا وغايتنا في التدميروالإزالة والمحو الأبدي.
    - نية.. وتعني أننا أصحاب عمل خيري يتسم بالنية لا غاية ولا غرض خبيثا مما نفعل بالعالم..
    آل..صه..يو..نية....
    أيها القاريء الكريم لا تنزعج مما نفعل فنحن أشراف وآل نسب ..ولا نقصد أحدا غيركم ..
    نحن في خدمتكم بنية خالصة..فانضموا إلينا ولا تعارضوا أعمالنا.. إنها خيرفي خير.. أما الجبل جبل صهيون فقد سمعنا عندكم ولا سيما في الجزائر..أن كلمة صهيون تطلقونها على الكلب ..أليس كذلك ؟
    أما اصطلاحا فهي مضمون الموضوع.. شكرا لك .



    أنا ابن أمي وأبي *** من نسل شريف عربي ..
    الإسلام ديني ومطلبي *** الجزائروطني ونسبي..
    أتريد معرفة مذهبي؟*** لا إله إلا الله حسبي ..
    محمد رسوله الأبي *** سيرته هدفي ومكسبي....
    تلك هويتي وأس كتابي *** حتى أوسد شبرترابي.
    هنا صوت جزائري حر ..:

    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=37471
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=14200
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=30370
    http://ab2ab.blogspot.com/
    http://ab3ab.maktoobblog.com/
    http://pulpit.alwatanvoice.com/content-143895.html
    http://www.jabha-wqs.net/article.php?id=5569
    http://www.jabha-wqs.net/article.php?id=7433
    http://www.albasrah.net/pages/mod.ph...der_020709.htm

  7. #7
    أستاذ جامعي الصورة الرمزية جمال الأحمر
    تاريخ التسجيل
    10/07/2008
    المشاركات
    1,614
    معدل تقييم المستوى
    14

    Arrow رد: تاريخ الصّهيونيّتين: اليهودية والنصرانية الغربية؛ فهل من الممكن الحديث عن ثالثة؟


    أخي الكبير الفاضل؛ المجاهد، وابن أسرة الجهاد والمجاهدين؛
    الأستاذ عبد القادر بوميدونة

    1- أسعدني حضوركم الكريم...

    2- كعادتك؛ أضحكتني بصوت مسموع وأهلي نيام...لقد فُـقتني في العناد.

    3- تخريجاتكم رائعة،،،وأسأل الله تعالى أن يعيد إلينا ويرزقنا أياما أسعد في الجزائر،،،وأن نقرأ لك من جديد ما كنا قد قرأناه من إبداعكم في "الـديمقراطيات الفكاهية" في مطلع التسعينيات، ونحن نضحك بملء أشداقنا...سعداء.

    تحية أندلسية تتمنى السعادة لكل العرب والمسلمين؛ وخاصة لأهل فلسطين والعراق والأندلس...


  8. #8
    عـضــو الصورة الرمزية مراد حركات
    تاريخ التسجيل
    23/12/2008
    المشاركات
    398
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي رد: تاريخ الصّهيونيّتين: اليهودية والنصرانية الغربية؛ فهل من الممكن الحديث عن ثالثة؟

    بسم الله الرحمن الرحيم


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أخي الأستاذ الحبيب جمال الأحمر
    أشكرك على هذا العرض المفصّل عن الصهيونية الملعونة..
    موضوع يستحق القراءة تلو القراءة..

    بارك الله فيك وفي موسوعيتك..

    مودتي.

    مراد حركات
    مسؤول الإعلام والاتصال
    شاعر وكاتب وسيناريست ومصمم شعارات
    http://www.ouleddjellalcity.webs.com
    BiTotal – New PC Services
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

+ الرد على الموضوع

الأعضاء الذين شاهدوا هذا الموضوع : 0

You do not have permission to view the list of names.

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •