الدكتور اسماعيل نوري الربيعي واسهاماته في مجال الكتابة التاريخية

الدكتور اسماعيل نوري مسير الربيعي مؤرخ عراقي معاصر، وباحث في الفكر السياسي ، والتاريخ الاقتصادي عرفته منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي عندما ناقش رسالته للماجستير في جامعة بغداد سنة 1989 وكانت بعنوان : " تاريخ العراق الاقتصادي في عهد الانتداب " . وقد قرأت بعد إجراء المناقشة الكثير مـن المقالات في الصحف والمجلات العراقية وكلها تدور حول أهمية تلك الرسالة وقيمتها في الكشف عن جوانب مهمة من جوانب التاريخ الاقتصادي للعراق المعاصر ، ولد في مدينة بغداد سنة 1960 ، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والأعدادية فيها ، ثم حصل على شهادة البكالوريوس في التـاريخ من جامعة بغـداد سنة 1982 . وبعـد نيله لشهادة الماجستير سافر إلى عمان وانتمى إلى الجامعة الأردنية ، وحصل على الدكتوراه سنة 1995 وكانت اطروحته بعنوان : " الفكر السياسي في العراق خلال فترة ما بين الحربين " .

عيّن مدرساً في قسم التاريخ بكلية التربية ـ جامعة الأنبار 1990 ـ 1992 ، وشغل منصب مقرر القسم ، وخلال السنوات 1995 ـ 1999 ، عمل استاذاً مساعداً في المعهد العالي لاعداد المعلمين بزلطن / ليبيا ، ثم انتقل منذ سنة 1999 إلى قسم التاريخ بجامع السابع من ابريل ـ الزاوية ـ ليبيا ، وقد أسهم من خلال عمله الأكاديمي والتربوي في نشاطات علمية وثقافية عديدة . كما كان عضواً عاملاً في مؤسسات نقابية ومهنية منها عضويته في جمعية المؤرخين والآثاريين العراقيين ، واتحاد المؤرخين العرب ، وقد مارس العمل الصحفي من خلال سلسلة مقالات ودراسات كتبها في صحف ومجلات عراقية وعربية عديدة منها جريدة المدى ( البغدادية ) وجريدة الزمان ( اللندنية ) وجريدة الرياض ( السعودية ) . وفي سنة 1986 كان عضواً في اللجنة القطرية الثقافية في وزارة التربية العراقية .وقد رشح سنة 1994 لجائزة شومان للعلماء العرب الشبان . حضر ندوات ومؤتمرات عديدة داخل العراق وخارجه منها ( ندوة التأثير والتأثر في الفكر العربي المعاصر ) التي نظمها اتحاد الكتاب العرب ( حزيران 1996 ) ، ومؤتمر الجمعية التاريخية العربية الليبية الذي نظم في جامعة قار يونس ببنغازي سنة 1997 ، والمؤتمر الثاني لمنتـدى التاريخ المعاصر بزغوان / تونس
( تموز 1999 ) .

من مؤلفاته المنشورة :

1 ـ العرب والاسلام من القبيلة إلى العقيدة ( عمان ، 2000 ) .

2 ـ مفهوم التاريخ عند العرب ( طرابلس ، 2000 ) .

3 ـ تاريخ الحضارة العربية الاسلامية ( الزاوية ، 2001 ) .

4 ـ العرب والاستعمار: اشكالية الهوية والوعي في تاريخ العرب السياسي الحديث
( الشارقة ، 2000 ) .

5 ـ تكوين أوربا السياسي المعاصر ( الزاوية ، 2001 ) .

6 ـ فلسفة التاريخ ( عمان ، 2002 ) .

7 ـ التاريخ والهوية ( عمان ، 2002 ) .

8 ـ العرب والمستقبل ( عمان ، 2002 ) .

9 ـ نبلاء ودراويش : تاريخ الحروب الصليبية ( عمان ، 2003 ) .

10 ـ العرب والاسلام : قراءات في سياقات الحضاري والمعرفي ( عمان،2002 ) .

11 ـ الاسلام وأفريقيا ( طرابلس ، 2001 ) .

وقد كتب قرابة ( 80 ) بحثاً ودراسة منشورة منها على سبيل المثال :

1 ـ " العرب والعولمة : جدلية الاستهلاك والتلقي " ، مجلة الرائد ، الشارقة ، فبراير
ـ شباط 2001 .

2 ـ " الجذور التاريخية للمشروع الديموقراطي في العراق العثماني "، المجلة العربية
التاريخية ، تونس ، اكتوبر ـ تشرين الأول 1991 .

3 ـ " التنافس على طريق رأس الرجاء الصالح " ، المجلة العربية التاريخية ،
تونس ، اكتوبر ـ تشرين الأول 1993 .

4 ـ " الرواية الشفوية كمصدر تاريخي " ، مجلة الوثيقة ، البحرين ، صيف 1992 .

5 ـ " مقدمة في التاريخ الحديث للنفط العراقي "، مجلة العرفان ، بيروت ، تشرين
الأول 1994 .

6 ـ " التجارة الايرانية في سنوات الأزمة الاقتصادية " ، مجلة العرفان ، بيروت ،
شباط 1995 .

7 ـ " فلسفة التاريخ عند شبنكلر " ، مجلة الفيصل ، الرياض ، اكتوبر ـ تشرين
الأول 1993 .

8 ـ " حول مفهوم الدولة في الفكر العربي " ، مجلة الفكر العربي ، بيروت ،
خريف 1993 .

9 ـ " العرب ومحنة النظام الدولي الجديد "، المجلة الثقافية،عمان ، نيسان ،1993.

10 ـ " العثمانيون والعرب " ، مجلة تاريخ العرب والعالم ، بيروت ، آذار 1994 .

توزعـت اهتمامات الدكتور الربيعي على عـدة ميادين ، فلديه اهتمامات أدبية ابداعية ، كما أن لديه كتابات في ( المنهجية التاريخية ) و ( التاريخ الاقتصادي ) و
( الفكر السياسي ) و ( فلسفة التاريخ ) ، فعلى سبيل المثال كتب عن " تفكيك الرواية : نص لفؤاد التكرلي " في مجلة كتابات معاصرة ( بيروت ، آذار 1993 ) . كما تفرغ فترة من الزمن لملاحقة منهج السيوطي التاريخي ، ومنهج البلاذري التاريخي ، ومنهج السخاوي التاريخية . وله بحوث في: " مرجعيات التكوين الفكري والمعرفي للنخبة العراقية " ، و" المثقف العراقي وتداعيات العثمنة والدستور " ، و " التاريخ والتأويل "، و " التاريخ والممارسة الاجتماعية " ، و " الوعي التاريخي : قراءة ما بعد الحداثة " .

يعد الدكتور اسماعيل نـوري الربيعي من الجيـل الثالث من المؤرخين العراقيين المعاصرين ، ويقف إلى جانبه عدد من المؤرخين الذين نعتز بانجازاتهم العلمية والفكرية باعتبارهم فد تدربوا على أيدي مؤرخين وباحثين عراقيين متميزين تخرجوا في الستينات من القرن الماضي،وكانت لهم رؤاهم الواضحة في مجال التاريخ ومنهجيته وفلسفته . ومن خلال القراءة الواعية لرؤية الربيعي التاريخية والفكرية يمكن القول بأنه من الباحثين العراقيين القليلين المهتمين بفلسفة التاريخ والفكر التحديثي والنهضوي، فهو لم يقف عند حدود ( الكتابة التاريخية ) التقليدية، وإنما تجاوز ذلك عندما سخّر ( معرفته التاريخية ) في تفسير الكثير من ظواهـر الحيـاة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية العربية المعاصرة .

ونستطيع أن نتلمس ذلك في كتاباته الأخيرة ، والتي تكشف عن ( أصالة فكره ) ، و ( انحيازه ) لكل ما هو ( نهضوي ) و ( تقدمي ) ، و( انساني ). فالحضارة الحالية ، برأيه ، ليست ( غربية ) بل هي حضارة ( انسانية ) و ( العقل ) ينبغي أن يكون العامل الرئيس في تفسير التاريخ ذلك أن " جعل العقل في آخر قائمة الاعتبارات التي يمكن النظر إليها ، أدى إلى انكفاء العالم نحو الكثير من التشظي والتشطير والانقسام " . ومما حرص على تأكيده في كتاباته " أنَ ليس ثمةَ تقاطع حضاري بين الغرب والعالم ، وإنما هناك تباعد واضح في الأهداف والغايات والاتجاهات " ؛فصورة العالم " تغيّرت … بعد انفراد القطب الواحد بصنع القرار على مستوى العالم . ومن تراكمات الوعي الداخلي ، يتم لهذه القوة من تحسس خطواتها بازاء الحاضر، انطلاقاً من تحديد موجهات الانضواء والتي تقـوم أصلاً على توسيع نطـاق التبعية من خلال تقديـم نموذج حريـة السوق والاعلان الواسع للعولمة،والحث على جعل العالم منخرطاً في تجلياته، فيما تكون قواسم الاخضاع وقد تحددت عند توصيفات الحريات العامة وتقديـم النموذج الديموقراطي ، وحرية المرأة والشرعية الدولية . ومن واقع تكريس النموذج ، يكون العالم وقد ولج في حالة اللااستقرار والتي توغل بتوسيع الحدة ما بين دول الشمال والجنوب ، هذا باعتبار ارتباط ارادة الفعـل من قبل الطرف الأقوى ، الذي يعمـد إلى تكريس مجال التقدم إلى صالحه ، فيما تكون الخيبة والخذلان من نصيب الضعيف " .

ويصل في بحث له عن ( الغرب والعالم ) إلى حقيقة مهمة مؤداها أن الغرب كان ولا يزال " يسعى من أجل تطمين مصالحه ومنافعه على حساب المضامين والقيم الانسانية الأساسية " . ويعد الغزو الانكلو ـ سكسوني للعراق ، والسعي باتجـاه اسقاط الدولة العراقية وتفكيكها مصداقاً على ذلك خاصـة وان المسؤولين عن هـذا الغزو لم يلتفتوا إلى الضمير العالمي ، ولم يستحصلوا على الشرعية الدولية لما قاموا به . وازاء ذلك يدعو الدكتور الربيعي إلى أهمية العودة إلى فكـرة العدالـة ، بعد أن " أُشبع العالم اخضاعاً وقسراً واستتباعاً " .

إنّ فقدان قيمتي ( العقـل ) و ( العدالة ) أدى إلى أن يعيـش العالم اليوم حالة من الصدام الدموي المباشر ، والذي لم يعد يتوقف عند مدرجات التأثير الفكري ، أو العداء التاريخي ، فالغرب وبكل تراثه العقلي والفلسفي المستند إلى التأصيل نحو فكرة الأنسنة والتحضير ، لم يعد يستطيع الافلات من ( هيمنة المصالح ) ، و ( النزعة الذاتية ) التي يستغرق بها من أجل تحقيق الغايات الكامنة في مشروعه الأمبريالي .

وللأسف ، كما يقول الدكتور الربيعي ، فإن الغرب ،لعوامل داخلية تتعلق بالاستبداد وشيوع الطغيان ، وسيادة الأنظمة الشمولية ، " نجح في غرس بؤرة الهدر والاضعاف في الجسد العربي " .

فيما يتعلق بالعرب وتفاعلات الواقع فإن رؤية الدكتور الربيعي التاريخية ، تستند إلى أن النخب العربية ، عانت ولا تزال مخاضات فكرية شديدة العسر، حيث حالة الشد والجذب التي طبعت توجهاتها ومساراتها ، وقد أدى ذلك إلى أن حالة التفاقم لأضطراب الأوضاع التي طبعت تفاصيل الحياة العربية،كانت المهماز الأصل الذي جعل من الواقع العربي أرضاً خصبة لاستقبال الاتجاهات والتيارات المستندة إلى المشروع الوطني الذي رفع شعار التنمية الاقتصادية ، حتى تبلور الاتجاه الوطني " . لكن " لوثة العُصاب الجماعي التي عنت على العرب في خمسينات القرن الماضي ، والعقود اللاحقة أدت إلى تبلور الاتجاهات العسكرية والتي حملت شعار التحرر ولعن الاستعمار وليس رفضه ‍‍ وقاد كل ذلك إلى التفرد بالسلطة ،، حيث غابت الجماهير عن المشاركة . وقد فشل المشروع الليبرالي كما فشـل المشروع الاشتراكي وأهـدرت الطاقات واستنزفت الامكانات " . وقد كانت من نتائـج ذلك كله " أن تحولت الممارسـة الشعبية إلى أكبر مهرجان تهريجي يتم فيه التقافز والتراقص وكيـل المديح للقائد الكاريزمي الـذي جاء لينقذ المستضعفين في الأرض !! " ‍‍.

ويعود الدكتور الربيعي إلى التأريخ والتأريخ الاسلامي بالذات ليكشف حقيقة مهمة وهي أن الحضارة العربية الاسلامية ما كان لها كل هذا الانتشار لو أنها انكفأت . بل بالعكس فهي " قد تزاوجت مع التيارات الفكرية الانسانية حتى استطاعت أن تجسد نموذجها الفكري الأصيل بتمثل قوامه التفاعل مع كل أطياف اللون الذي تفرده الحياة " . وهكذا فإن قيمة الاسلام الحضارية تبتدئ في هذه الفُسحة الهائلة من تراث " التسامح " و " الرغبة في التغيير " و " قبول الآخر " ورفض " الأيديولوجية " و " الدوغمائية " .

ولأن مؤسسات الدولة العربية اليوم باتت تعاني من ترهل فاضح نتيجة التركيز على ( الجانب السياسي ) و ( محاولة تجميل صورة النظام ) ،فإن هذه المؤسسات بحاجة إلى الاصلاح في كـل مجالات الحياة ، ولعـل من نتائج ذلـك الترهل والضعف،أن المجتمعات العربية باتت اليوم تواجه مشاكل بنيوية قاتلة لعـل من أبرزها هذه الأفواج الكبيرة من العاطلين المتعلمين الذين يعانون الاحباط ، والقهر ، وانكسار الأحلام على مطرقة الواقع ، الأمر الذي أدى إلى انخراط العديدين منهم " في بعض التنظيمات السياسية ذات التوجهات المتطرفة " .

ومن آراء الدكتور الربيعي أننا اليوم وازاء ما نواجهه من مشاكل ، أحوج ما نكون إلى " الوعي بالتأريخ " و " العمل على تغيير النظرة النمطية التي تلبست هذا المجال في حقل الخطاب الثقافي المعاصر " . و " من تلاحم العوامل التي تحدد مسار الفعل الواعي تبرز أهمية الوقوف عند تحليل العناصر الكامنة في المعطى الثقافي والاجتماعي والسياسي … " . وهنا يبرز دور المؤرخ بوضوح شديد فهو مسؤول عن " إقواء التاريخ ، وجعله أداة ووسيلة " لا للاتكاء على الماضي ، وإنما لاستلهام الماضي واستحضار رموزه من أجل النهوض والاصلاح والتغيير و " زحزحة الثوابت والتطلع إلى أهمية التفاعل … مع مكنونات التقدم ورفض المنطق القديم … والخروج من سطوة التحديدات الجاهزة " … والخضوع لمتطلبات المجتمع المدني ، حيث الجميع يستند إلى مرجعية القانون " . ويقيناً " أن المعترك الأصلي الذي يحفز الحداثة ، ويؤسـس لها هو العقل … والعلم والتقانة وسيادة الروح المدنية والمجتمع الأهلي " .

وأخيراً يحذر الدكتور الربيعي في أحـدث كتاباته التاريخية ، من " أدلجة التاريخ " ويرفض أن تكون " الدولة هي المسؤولة عن ترسيم معالم التغيـر التاريخي " فذلك يؤدي ، كما ظهـر لنا من التجربة السوفيتية ، إلى إهمـال النشاطـات الانسانية وتعرضها إلى " التعطيل والتوقف ، وضياع القدرات الذاتية إلى الحد الذي لم تستطع فيه خلق الاستجابة الفاعلة من أجل مواجهة التحديات التي لا تعرف الانقطاع أو التوقف " .