Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958
قصص من أمريكا اللاتينية

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 27

الموضوع: قصص من أمريكا اللاتينية

  1. #1
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي قصص من أمريكا اللاتينية

    قصص من أمريكا اللاتينية

    الباب

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    للكاتبة الأرجنتينية لويزا فالينزويلا


    حلت الأيام الأولى ليوليوز في سانتياغو ديل إيسترو، حاملة معها رياحا باردة صفيرها ينذر بشتاء أشد قسوة من المعتاد.
    غبار رمادي كان كما لو أنه معلق في الهواء، و الأشجار العارية كانت تنحني لكل عصفة ريح حد الانكسار.
    وحدها أشجار الشوك السامقة كانت تتحدى الزوبعة بوجهها الشائك المسطح ثم في النهاية ترضخ للسقوط، كاشفة عن أن الشجاعة مهما بلغت من ذروة ، و رغم السيقان الضاربة جذورها عميقا في التربة ، فإن لا حول لها و لا قوة أمام الهجمة الشرسة للرياح.
    الكل كان شاحبا كمشهد ثلج وسخ، لكن لم يكن هناك ثلج و لا خضرة.
    أنين البراري و الأشجار الشوكية ضاعف من حدة هذا البرد الذي كان يتزحلق على هياكل يابسة هي الأخرى بيضاء لحيوانات نافقة.
    داخل كوخ متداع محاط بسياج من الكاكتوس المهمل، كانت الريح تضرب كما لو أنها غزوة ريفية. و
    لم يكن إغلاق الباب الخشبي المنقوش الذي هو مدعاة فخر و اعتزاز كل أفراد العائلة ، بقادر على صد
    هجماتها: سقف القش و الجدران المكونة من صفائح معدنية متماوجة و خرق غليظة، لم تكن كافية لتمنح أدنى حماية.
    متحولقين حول نار تلفظ أنفاسها الأخيرة، أوروصمان (الأب) ، بيليصاريا (الأم)، الأطفال الثمانية و الجدة، كلهم كانوا يبحثون عن حرارة أكبر من حرارة جمرات شبه مطفأة، إنها الحرارة الإنسانية.
    كان الرضيع ابن الأربعة عشر شهرا يبكي داخل سلة من قصب مخصصة لنقل الثمار، و كانت بيليصاريا تتساءل عما ستفعله بالآخر الذي على وشك الخروج إلى الحياة. و أتى صوت أكبر أولادها، أوريصتي منبعثا من عمق الصمت، كما لو أنه يرد على تساؤلها:
    ـ لا يمكن أن نستمر على هذه الحالة.. لنذهب إلى توكومان
    ـ أجل إلى توكومان، إلى توكومان.. ردد الأطفال بصوت واحد..
    ـ قيل لي إن في المدينة إنارة ، و البيوت كبيرة و متينة و الريح لا تدخلها.
    و في عصبية ، أردف أوريصتي:
    ـ دون زويلو قال إن العمل هناك متوافر. و الحاجة إلى السواعد كبيرة في حقول السكر.
    قال أيضا إن المال هناك كثير.
    ـ دون زويلو ذهب السنة الفارطة لجني القصب. يقول إنه صار عجوزا و لم يعد يستطيع العودة إلى هناك، و هو يبيعك عربته مقابل المعزات و النعجتين. إذ هناك لن نحتاج إليها.
    و يرد أوروصمان محتجا:
    ـ أو سنذهب مع أمنا و نحن في هذه الحالة؟
    و كما لو أنها غير مهتمة بما يدور حولها من كلام، قالت بيليصاريا:
    ـ أنا سأذهب على كل حال.
    ـ و الجدة الطاعنة في السن.
    ـ أنا أريد الانتقال إلى المدينة، الجو دافئ هناك و أريد أن أعيش أيامي الأخيرة في ظروف حسنة.
    في تلك الليلة، نام الجميع ،داخل الكوخ ، نوما عميقا يدثرهما الأمل مثل غطاء.
    و في صباح اليوم التالي، بلغت الحركة ذروتها. بداية كان الحديث مع دون زويلو الذي إضافة للمعزات و النعجتين، أراد الباب أيضا بديلا للعربة. كان ذلك عملية مستحيلة، لأن الانفصال عن الباب كان خروجا عن الأعراف و التقاليد: حفر على سطح الباب خمسة عفاريت و فوقهم عاليا شكل ملاك يطارهم. كان الملاك أكثر بشاعة من العفاريت، لكن ذلك كان خطأ أوروصمان الذي نقشه هناك في دير المبشرين، دون أن يكون على دراية بالنقش على الخشب. و رغم ذلك فالرهبان اثنوا على عمله بقولهم إن بابه جميل جدا،و سيضعونه في المصلى، و بدل أن يفتخر بذلك، فر هاربا في نفس مساء ذلك اليوم على حصانه ، و الباب في السرج، إذ أنه لم يرد أن يكون الباب في ملك الرب بل في ملكه هو و عائلته. و اليوم لن ترغمه عربة مهترئة ذات خشب غليظ مستدير و دون غطاء للبضائع على التفريط فيه ، و لو أن في سانتياغو ديل إيسترو ليس هناك أفضل منها لجني قصب السكر.
    و أسفرت المبادلة في نهاية الأمر على أن تكون العربة لهم مقابل الماشية فقط.
    الجياد تقفز جذلانة تحت ثقل الرحل الذي لخمس سنوات و هو مركون في ناحية من المسكن الخرب. السياط الجلدية الطويلة المستعمل لطرد الذباب تدغدغ مؤخرات الجياد التي كانت تسترجع نشاطا افتقدته زمنا طويلا.
    أوروصمان و الأطفال ينقلون دون تلكؤ أكياس الذرة و كل ما تعثر عليه أيديهم في الكوخ. و شيئا فشيئا، أخذت العربة تمتلئ، إلى أن صار المتاع كله يجثم على عجلاتها: الخرق التي كانت تعضد جدران الكوخ استعملت في تلفيف الأواني و أشياء أخرى، قش السقف الذي كان يسد الثقب حول إلى فراش. وحدهما عمودان، ظلا واقفين، مثل صليب مغروس على قبر الكوخ المتداعي الذي أبدا لن يعودوا إليه.
    خاطبهم دون زويلو و هو جالس القرفصاء ، يشرب جعته المحلية:
    ـ اعملوا بنصيحتي، ارحلوا إلى المدينة، هناك يُشغل الناس، و ستتقاضون أجورا جيدة. لا تقبلوا العمل في الحقول، اذهبوا إلى داخل المدينة.
    كانت تلك كلمة وداعه.
    فرقع أوروصمان الكرباج في الهواء فاهتزت العربة متحركة. نزل الليل صقيعيا في عمق الطريق، فاضطروا إلى التوقف. سخنوا طعامهم على نار تؤججها الريح، ثم ناموا داخل العربة، متكومين بين العلب و القش. وكما لو كان وعدا منها، قادتهم شمس الفجر الشاحبة إلى الطريق المؤدية رأسا إلى المدينة. الجبل الغابوي و القاحل توارى بعيدا خلفهم بيد أن مشهد النباتات المتفرقة كان يأبى أن يتغير.
    السماء، و مع نزول المساء تدريجيا، شرعت تأخذ لها درجة من اللون الرمادي المثير للتقزز، إلى حد أن على خط الأفق، مزج الضباب السماء بالأرض. أطبق عليهم الليل، على جوعهم و برودة أجسادهم.
    حين واصلوا طريقهم، شاهدوا الحقول على جانبي الطريق، تتحول إلى خضرة و زرع: المدينة كانت قريبة. فجأة، سمع ذوي انفجار هائل ، اهتزت له فرائصهم. ثم انفجار آخر، و آخر .
    ـ إنها المدافع، قال أوريصتي بصوت خافت جدا. قيل لي إن المدافع هي التي تحدث مثل هذا الذوي فيرتعد الجميع.
    ـ لا تنطق بالتفاهات، أيها الصغير، إنه ضجيج المدينة الكبيرة، قال أوروصمان..
    و ضرب الجياد بالسياط حاثا إياها على الإسراع.و أفضوا إلى الشارع الكبير المحفوف بالمنازل و الحدائق.حشد من الناس على الأرصفة كانوا يتجهون بخطى واثقة نحو وسط المدينة. العربة تتبعهم، لفت على ساحة، دخلت دربا ضيقا، و فجأة، و عند ملتقى طرق، وجدت العربة نفسها خلف ثلة من جنود، تحركوا سائرين بناء على أمر.
    ساروا خلفهم.
    الدور العالية كانت تزينها أعلام زرقاء و بيضاء، و كان هناك حشد كبير من الناس، كما لو أن العالم كله اتفق على موعد للهتاف و الغناء. سيارات و موتوسيكلات كانت تدفع العربة نحو الساحة الكبرى، أصاب الخوف الشديد أوروصمان و أفراد عائلته، فاستسلموا للتيار المندفع. واتسعت حدقات أعينهم رعبا لمرأى دبابات تتجه نحوهم. صاح فيهم جندي:
    ـ تحركوا، تحركوا، أنتم ترون جيدا أننا لا نستطيع التوقف هنا.
    فرقة الموسيقى العسكرية تحرك الطبول في شكل دائري، و التيار البشري يقودها. اقترب منهم رقيب عسكري يمتطي صهوة حصان و صرخ فيهم أن يغادروا المكان سريعا..
    ـ ألا ترون أن المرور هنا ممنوع؟..
    لم تعد الجياد تستجيب تماما للقيادة، و الأطفال يبكون مختبئين تحت القش.
    مروا من أمام لافتات كبيرة كتب عليها"الذكرى المئة و الخمسون.." كانت الكلمات صعبة لم يتمكنوا من قراءتها،و أجهشت بيليصاريا باكية في صمت، ذلك لأن المكان كان أشد قسوة من الجحيم ، و تمنت أن تصلي للعذراء ماريا كي تخلصهم من هناك.
    و أخيرا أفضوا إلى درب يبتعد عن الساحة، رغم أن ذلك تطلب شق الطريق وسط الحشد. مروا من أمام باب بيت في أعلاه نافذتان طلي شباكيهما بالأخضر، و يبدو أن البيت كان مركز الجلبة و الصخب.
    ـ انظروا إلى هذا الباب يكاد يكون جميلا مثل بابنا
    صاح واحد من الأطفال.
    غير أن لا شيء كان بمستطاعه إثارة انتباههم، بما في ذلك شعلة الضوء التي انفجرت فجأة في الظلام راسمة ما يشبه دائرة حول محيط الكاتدرائية.
    في السماء،أشكال سيئة،شريرة، حمراء و خضراء، تشتعل و تنير وجوههم التي كانت تشبه أرواحا معذبة.
    و العربة، هي الأخرى مثل روح متألمة، استسلمت للانقياد وسط زوبعة الهتاف و الألوان التي اجتاحت المدينة.
    ذوت المدافع من جديد. صمهم الصخب، و ما أن تحررت الجياد من الزحام الذي كان يعيقها، حتى حزمت أمرها و أسرعت تضرب بحوافرها على الإسفلت راكضة.
    و لم يتمكن أوروصمان من ثنيها عن الجري و السيطرة عليها، إلا حين اقتربوا من القرية و صارت المدينة مجرد بقعة حمراء في السماء تشبه غروب شمس. لم يتوقفوا و لكن أبطؤوا في السير، و واصلوا سباقهم إلى أن بلغوا الصليب الذي يقوم بحراسة المكان حيث كان ينتصب الكوخ. كان البرد لهم بالمرصاد كما لو كان في انتظارهم، و إيقاد نار بدا لهم ضروريا بعد كل ما بذلوه من سير شاق دام ليلة و يوما و ما يقرب ليلة أخرى. كانوا في حاجة إلى نار لطرد الأرواح. و قال واحد من الأطفال و هو يئن:" لنحرق الباب"
    محاولا دون جدوى إيقاد نار مستعينا ببعض الجذوع الصغيرة التي تنش نشا ضعيفا.
    ـ إلا الباب..
    صاحت بيليصاريا محتجة ..
    ـ ليس لدينا سواه، هو رفيقنا. و إذا ما أحرقناه فقد يجلب لنا ذلك الشقاء.
    خيم صمت طويل و حارق.
    ـ سيجلب لنا الشقاء إذا ما ماتت الجدة بردا، قال أوروصمان مصمما.
    ودعوا الباب وهم يصلون، بيد أن اللهيب سرعان ما صار كبيرا و شرعت العفاريت تكشر لهم جميعا و للملاك متهكمة.
    و رغم ذلك، وجدوا في الحرارة عزاء و مواساة.
    و حين مر دون زويلو من هناك في اليوم التالي صباحا، كانت الجمار لا تزال محمرة . و كم كانت دهشته كبيرة و هو يرى أوروصمان ، زوجته، أمه و كل الأطفال، يصلون حول الصليب، الشاهد الوحيد على الكوخ.
    ـ ماذا تفعلون هنا؟.. سألهم دون أن يترجل من على صهوة جواده. سيتوجب عليكم البدء بكل شيء من جديد...
    ـ أجل ، البدء بكل شيء من جديد، رد أوروصمان. و بدون باب يحمينا. لكننا فضلنا العودة، حتى
    و إن متنا بردا.
    و هو ينظر في يديه، أضاف:
    ـ لأن في توكومان، هناك الحرب.

    ـــــــــــــــــ
    *من مواليد بوينس إيرس عام 1938.
    ابنة الكاتبة لويزا مرسيدس ليفنسون. زاولت العمل الصحفي ، و عاشت لسنوات بين باريس، برشلونة، و مكسيكو و في نيويورك زاولت مهنة التدريس.
    أصدرت ست روايات آخرها سنة 1990، و خمس مجاميع قصصية آخرها سنة 1983، و نص بوليسي سنة 1991.
    أعد النص للغة العربية: عبد الحميد الغرباوي


  2. #2
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي قصص من أمريكا اللاتينية: من مواليد برج الحوت

    من مواليد برج الحوت

    ماتيلدي بيانكي

    ( الأوروغواي)

    ترجمة: عبد الحميد الغرباوي

    أصلي

    أهدي هذه الكلمات التي تحمل الجمال و المأساة إلى الذي أحببت حبا أخويا هو في الغالب أقوى من الكل.
    هذا الإهداء المشبع بالبحر الذي أحببناه كلانا كما لو كان بيتنا، إليه أهديه.
    بيد أن أكسول سبقني، ذلك لأنه و بصرامة أنجز قدره ؛ فقد ذراعيه و ساقيه ثماني سنوات مباشرة بعد أن كتبت إليه هذه الأسطر.
    إذا ما بتأن قرأ قارئي المحترم ما سيلي ، فسيعرف في النهاية ما حدث لرائعي أكسل.

    نسخة مصورة

    يأتي من البحر
    كان أتى من البحر
    أتى من البحر
    لا يزال
    مدثرا بهالة زرقاء، بلآلئ الزبد السرمدية، بكل أصدافه و أخيرا، الطحالب الخضراء أو قناديل البحر المتلألئة المنتشرة في القاع، بالأسماك المتوازنة ذوات المنشار ، رسل الحقائق المحرمة على البشر.
    بحر النجوم المكتنفة بالأسرار، الصخور المتآكلة من الانتظار، القواقع الصدفية، بحر قوارب الرعب.
    كان لابتسامته، حين يجتاز عوما المضيق الشاسع ، ألق لا حدود له كمضيق بويرتو دو لا بالوما الذي لا ينسى، هناك، على الجبهات الشرقية للأوروغواي الشرقية.
    و سرعان ما كان أكسول ينطلق في حواره الأرضي، ذلك لأنه هناك، في الوحدة المعدنية للماء، الذي ينساب على جسده، كان يتلو مزامير النبوءة، تلك التي لم تكن سوى الواقع المشتهى للمحيطات.
    قلنا إنه كان يأتي من البحر، مستعدا لكل شيء، مسرورا، موزعا حركات حفاوة، حنونا يمد ذراعيه الطويلتين إلى إيميليا و هو يردد:
    ـ لا تستطيعين تصور ما أشعر به هناك، لا، أنتِ لا تستطيعين.
    تذكرتْ أن الوقت كان زوالا، و بحنان قدمت له فخذ حمل مشوي، يقطر دما. جائعا، تناول أكسول الغنيمة بين يديه، تشممها، لكن اندفاعه أخذ شيئا فشيئا يتلاشى، تردد، أهمل قطعا ريانة في صحنه.
    ترك المائدة و قد فقد الشهية، ذلك لأن تلك الخفة، و تلك اللقاءات مع ذاته، و تلك الرغبة الرائعة في الحياة ( في العوم) هجرته، تاركة إياه تائها وسط أشياء يومية،على مقربة من الأرض و الأحجار.
    و تأتي ساعات الشمس و القيلولة. يتأمل أميليا غافية إلى جانبه، شديدة الاستدارة، كثيرة الحيوية،مدثرة بأكثر من حجاب، مذهبة بهذه الشمس و هذه الأرض، حالمة و بكل تأكيد، بفواكه و أشجار، أو بأفخاذ حملان. و متسللا، فر أكسول، تاركا ذاته تنزلق في حرص على الأرض المعشوشبة،و حينها كان يرشف اليود و الملح. كان النسيم البحري يوقظ فيه ضميره الفاتر النشاط. كان يشعر بأطرافه واحدا واحدا و بكثافة ، و يودعها في النهاية إلى تلك الفسقية الهائلة و الشاسعة، ما وراء بحار الأحلام في جنان الطفولة.
    كان أكسول قد أخذ يسترجع نشاطه. التجديف بالذراعين بداية،ثم مصب المضيق،الفضاء العريض و ها عرض البحر كله في ملكه، غياب تلك اللحوم المدماة، نسيان الأجساد الممتلئة، و الحجب، و أيضا المتع اليومية العذبة، توديع تلك الألوان الآسرة، للزهور، لفروع الشجر، للعصافير، للثياب، مزينات البيوت، الأدوات غير المستعملة التي تفرض علينا تواصلا يوميا، و التي تولد فينا الاحتياجات.
    أكسول ، الآن، يمرح، يغطس، يشق برأسه خارجا سطح الماء، يبتعد، يسبح في اتجاه عرض البحر، يلتحق بالأحواض المتتابعة، يترك ذاته، دون حركة، تطفو على الماء، يتأمل المضيفات الشفافات ، الكائنات الذهبية و الفضية، قناديل البحر العمياء ذوات الرؤوس الرائعة و الشعور من الخيوط
    الحصوية، و التي لا تزال دلالتها منيعة عليه.
    كان أكسول لا يعود إلا مع نزول الليل، مرددا، مسميا، مناديا وجوها غير معروفة. كان محميا بالسماء، بقلنسوة قطنية شديدة الزرقة بحيث أن أكسول يتعذر عليه رؤية الظل.
    كانت أميليا جزعة. شيء ما غريب كان يحدث ، شيء لم تتمكن بعد من معرفة كنهه. كان أكسول يردد تلك الأسماء، لكن لم تكن ترى سوى ظله مشكلا بقعة على الحائط الحجري، و أما حديثه المنفرد فكان
    غير مفهوم. اعتقدت أنها تبينت وسط تلك الأسماء كلمة نيبتون. لكن ربما لم يكن ذلك سوى مجرد وهم.
    أما أكسول فلم يكن يزعجه إلا أنفه، ذقنه و عيناه الجاحظتان. كان لا يسمع سوى أصوات آتية من إيمليا
    التي لا مثيل لها، و لا يرى إلا حركات منعزلة. حينئذ تقبل عليه. و يثور ضد يد النار تلك التي تلمس كتفه، ضد رؤية تلك الحفيرات، الأعين المتلهفة و أكيدا الممتلئة بفكرة عقد مقارنات، بأطعمة، بأطاييب متنوعة، بحيطان أو بـبـيوت من طين و حجر.
    كم هو صعب اكتشاف إلى أي حد يمكن لليل أن يجعل الروح ملولبة، و إلى أي مدى هي السماء
    معتمة و النجوم في الأعالي تفتح ممرات، و تقدم إلينا، في سخاء، ليلها الخالص، ساكبة إياه خلسة على
    الشرم إلى أن تصير المشاهد مشهدا واحدا.
    أكسول جامدا و أكثر فأكثر غير ذي بال، متمددا على ملاءات غريبة، يتحسس جلده الخشن. كان قد نام،و حلم بأن حراشف صلبة نبتت له تقيه من البرد، تعزله عن العالم.
    عندما استفاق، مرعوبا، لم يستطع أن يحيد ببصره عن النافذة المشرفة على الشاطئ. و قرر الهروب مثل سارق ليجد نفسه على مبعدة أمتار من الضفة الصامتة. و بصيحة فرح كبيرة، احتفى بارتماءة في الماء أثارت شرارات فسفورية مضيئة. سبح إلى أن وصل صخور الرأس. هناك،كان المحيط يطقطق بوداعات الزبد، بأعمدة إشارات السفن وصواري مقدمتها المائلة الساطعة، بالسفن التي لم تصل في الواقع أبدا،برفات الطيور التي تحضن البحر و ترقص في ألعاب ضوئية، في شكل نجوم دقيقة زاعقة.
    و هذه المرة، عاد أكسول إلى الشاطئ منهكا، العينان شبيهتان بالزجاج، غريبتان عن طبيعتهما. أسرعت أميليا إلى أحضانه باكية، كما يفعل الناس. يـبصر أكسول البيت جوار الماء. يريد الوقوف. كان أصلا يجد صعوبة في المشي. و بجهد جهيد يصل إلى العتبة الحجرية. كان يكشف و باستمرار عن ساقه اليمنى، محاولا رسم ابتسامة لم تكن سوى عبوسا أو في كل الأحوال ابتسامة زرقاء.
    كانت ساقه تنحف، من البطة و إلى القدم، و البشرة تخضر،تفقد نسيجها. والعروق، مثل شعرات، تتزاحم في كتلة خضراء شفافة ترسل رائحة الملح، اليود، و الرخويات.
    لم تنطق أميليا ببنت شفة و هي تراه. و سرعان ما جمعت متاعها، الأشياء المحببة لديها.تنورات داخلية، أعشاب، زهور و قدور تحت ذراعها،و انطلقت تركض متفوهة بأشياء لم يتمكن أكسول من فهمها.
    و تجنبا للكثير من التعاليق، تم المناداة على أطباء و أخصائيين. فحصوه، جعلوه يعتمد أشكالا من الوضعيات، صوروه، استشاروا مختلف الأصدقاء في المهنة. هيأوا وصفات طبية ألغيت بعد ذلك، سألوه في مسائل عمومية، خصوصيات، أشياء حميمة.
    منذ زمن طويل، و أكسول يبحث عن عبرات لا تأتي. ينساب عبر النافذة عطر النجوم و المد و الجزر. عبر النافذة شفرات لا حصر لها كانت قد استعملت.
    أراد أكسول أن يتركوه لحاله، العينان اللتان يحمل الآن تستعطفان. كان يعرف جيدا أن في الخارج رداء الغروب الأقرب للنهار ينتظر هابطا على الشرم. وأن الأمواج الصغيرة سيكون لها ألق يتراوح ما بين الوردي و الأزرق الغامق.
    وصل أكسول الضفة بصعوبة، و قد أصيب بجروح في أكثر من موضع إلى أن غطاه الماء.
    عاد الغسق إلى حالاته الأولى، شعر بها أكسول في وضوح. هو الآن ، يسبح من الحسن إلى الأحسن. يذهب و يعود، و يقضي وقتا طويلا في الماء و يستطيع تأمل المدى الشاسع، اللعب مثل سمكة حقيقية، التخلص من كل السنوات المنصرمة. عندئذ، انسابت خلسة ذكرى نشأت خارج ذاته. و قرر أن يبحث عنها جدفا بالذراعين قليلا، لكنه لم يجد الذراعين. و سابحا في تموج، اقترب من الساحل. أبصر المنشآت البشرية، النساء و الأطفال في أعمالهم اليومية.
    كان أكسول سيد حركاته. هذا العالم لم يعد ينتمي إليه.


    ــــــــــــــــــــــــــــ
    ماتيلدي بيانكي 1932ـ ....
    شاعرة و روائية و كاتبة قصة قصيرة من مواليد مونتيفيديو بالأوروغواي.
    أصدرت ـ حسب المصدر المتوفر لدي ـ ثمانية دواوين شعرية، و روايتين،و مجموعة قصصية واحدة.


  3. #3
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي بورخيس: كتاب الرمل

    كتاب الرمل

    Le livre de sable

    خورخي لويس بورخيس



    ....حبل من رمال
    جورج هيربرت

    (1593-1633)


    السطر يتكون من عدد لامتناه من النقاط؛ و المخطوط، من عدد لامتناه من السطور؛ والكتاب المجلد، من عدد لا متناه من الصفحات؛ والسفر، من عدد لامتناه من الكتب المجلدة...
    لا، حتما، ليس هنا، أكثر تخطيطا، و أفضل طريقة للشروع في كتابة قصتي. لقد غذا اتفاقا اليوم الإقرار بأن كل قصة عجائبية هي قصة حقيقية؛ و مع ذلك فقصتي أنا حقيقية.
    أعيش بمفردي، في الطابق الرابع من عمارة بشارع "بيلغرانو". حدث ذلك منذ أشهر، ذات مساء، سمعت طرقا على بابي. فتحت فدخل شخص غريب . كان شخصا جسيما، ذا ملامح غير مضبوطة. ربما قصر بصري هو الذي جعلني أراه على تلك الشاكلة.مظهره كله كان يعكس فاقة محتشمة. يرتدي لباسا رمادي اللون ويحمل في يده حقيبة. أدركت للتو أنه شخص غريب.
    في البداية اعتبرته عجوزا؛ فيما بعد تأكدت من أنني أخطأت من خلال شعر رأسه المشتت، الأشقر، الذي يكاد يكون أبيض، مثل ما هو عند أهل الشمال. خلال حوارنا ، الذي لم يستغرق أكثر من الساعة، عرفت أن أصله يعود إلى الأوركاديين.
    قدمت إليه كرسيا، ترك الرجل لحظة تمر قبل الكلام. كان ينبثق عنه نوع من الكآبة، مثلما أنا عليه الآن.
    ـ إنني أبيع الأناجيل،
    قال لي.
    أجبته من غير ادعاء المعرفة:
    ـ توجد عندي هنا العديد من الأناجيل إنجليزية، بما فيها أول إنجيل، إنجيل "جون ويكليف". عندي أيضا إنجيل"سيبريانو دي فاليرا"، وإنجيل "لوتير"، الذي هو من الناحية الأدبية الأكثر سوءا، و أيضا نسخة بلاتينية "فولكات". وكما ترى ، فليست الأناجيل بالضبط هي ما ينقصني.
    بعد لحظة صمت رد علي قائلا:
    ـ أنا لا أبيع الأناجيل فقط.بإمكاني أن أريك كتابا مقدسا قد يفيدك ربما. اشتريته من حدود "بيكانير".
    فتح حقيبته ووضع الكتاب على الطاولة. كان عبارة عن مجلد ضخم مغلف بالقماش. لا شك أنه مر عبر أياد كثيرة. فحصته؛ فاجأني ثقله المخالف للمألوف. قرأت على ظهره في الأعلى "الكتابة المقدسة" وفي أسفله "بومباي".
    ـ قد يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر، قلت معاينا الكتاب.
    ـ لا أعرف، لم أعرف ذلك أبدا،
    رد الرجل.
    فتحته كيفما اتفق. كان الخط غريبا علي. والصفحات، التي بدت لي متآكلة إلى حد ما، كانت ذات طباعة هزيلة، مثبتة على عمودين على غرار إنجيل. المتن كلماته جد متقاربة فيما بينها ومرتبة على شكل آيات. وفي الزاوية العليا للصفحات أدرجت أرقام باللغة العربية. أثار انتباهي أن صفحة زوجية كانت تحمل، على سبيل المثال، الرقم 40514 والصفحة الوترية، التي تتبعها، الرقم 999. قلبت هذه الصفحة؛ على الظهر يتضمن ترقيم الصفحات ثمانية أرقام. كانت موشاة برسم صغير، كالذي نجده في القواميس: مرساة مرسومة بالريشة، كما لو كانت بيد طفل صغير غير حاذقة.
    حينذاك قال لي الرجل الغريب:
    ـ أنظر إليه جيدا. لن تراه بعد الآن أبدا.
    كما لو كان في هذا التوكيد نوع من الوعيد ، لكن ليس في النبرة.
    أشرت مكانه بالضبط داخل الكتاب ثم أغلقته. و سرعان ما أعدت فتحه. بحثت عن رسم المرساة، صفحة صفحة لكن بدون جدوى. و لكي أداري دهشتي، قلت له:
    ـ يتعلق الأمر بنسخة من الكتابة المقدسة في لغة من لغات الهنود، أ ليس كذلك؟
    ـ لا، رد قائلا.
    ثم، خافضا صوته كما لو أنه يريد أن يبوح لي بسر:
    ـ اشتريت هذا المجلد من بلدة من بلدات السهل، مقابل بعض الروبيات و إنجيل. لم يكن مالكه يعرف القراءة. أظن أنه اعتبر كتاب الكتب تعويذة. مِلك الطبقة الشعبية الأكثر دونية؛ لا يستطيع أحد، السير على ظله دون أن يصاب بأذى. قال لي إن كتابه يسمى كتاب الرمل، ذلك لأن لا الكتاب و لا الرمل لهما بداية و نهاية.
    وطلب مني أن أبحث عن الصفحة الأولي.
    وضعت يدي اليسرى على الغلاف و هممت بفتح المجلد بإبهامي مضموما إلى الخنصر. حاولت جاهدا دون جدوى: كانت صفحات تلصق بين إبهامي و الغلاف، كما لو أنها تخرج من الكتاب لوحدها.
    ـ الآن ابحث عن الصفحة الأخيرة.
    باءت محاولاتي مرة أخرى بالفشل؛ وبالكاد تلعثمت بصوت لم يكن صوتي:
    ـ هذا مستحيل.
    ودائما بصوت خفيض قال لي بائع الأناجيل:
    ـ هذا مستحيل بيد أنه كذلك.عدد صفحات هذا الكتاب هي بالضبط لامتناهية. لا واحدة منها هي الأولى ولا واحدة منها هي الأخيرة.
    لا أعرف لماذا هي مرقمة بهذه الطريقة الاعتباطية. ربما لإفهام الآخرين بأن مركبات سلسلة لامتناهية ممكن أن تكون قطعا مرقمة بطريقة عشوائية.
    بعد ذلك و كما لو أنه كان يفكر بصوت عال، أضاف:
    ـ إذا كان الفضاء لامتناه، فنحن نتواجد في نقطة ما من نقطه. إذا كان الزمن لامتناه، فنحن نتواجد في نقطة ما منه.
    أثارتني اعتباراته. سألته:
    ـ أنت بلا شك لك معتقد ديني ؟
    ـ نعم، أنا كالفاني. ضميري مرتاح. و أنا على يقين أني لم أغش القروي و أنا أقدم إليه كلمة الرب مقابل كتابه الشيطاني .
    طمأنته بأن لا شيء فيه يستحق أن يلام عليه، وسألته إن كان فقط عابرا لمناخاتنا. فرد علي قائلا إنه يفكر في العودة قريبا إلى وطنه. و لحظتها عرفت منه أنه اسكتلندي، من جزر أوركاد. قلت له بأنني أحب اسكتلندة شخصيا بسبب محبتي الشديدة لـ"استفنسن" و"هيوم"، فصحح لي:
    ـ و " روبي بورنز"
    وبينما نحن نتحدث، كنت أتابع تصفح الكتاب اللانهائي. وقلت له متصنعا عدم الاكتراث:
    ـ هل في نيتك إهداء هذا النموذج المثير للإعجاب إلى المتحف البريطاني؟
    ـ لا، إليك أنت أهديه، رد قائلا، و ذكر ثمنا مرتفعا.
    فأجبته، و بكل صدق، بأن هذا المبلغ فوق طاقتي، وأخذت أفكر. بعد لحظات، كنت دبرت خطتي.
    قلت له:
    ـ اقترح عليك مقايضة،أنت حصلت على ذاك المجلد مقابل بعض الروبيات ونسخة من الكتاب المقدس، وأنا سأعطيك مقابله كل المبلغ الذي حصلت عليه من تقاعدي وإنجيل"ويكليف" بالخط القوطي الذي ورثته عن والدي.
    وغمغم ( بالأنجليزية):
    ـ إنجيل"ويكليف" الأبيض
    ذهبت إلى غرفتي وعدت إليه بالمال والكتاب. تصفحه و فحص صفحة العنوان بنهم شخص مولع بالكتب حد المرض.
    ثم قال لي:
    ـ اتفقنا
    استغربت لكونه لم يساوم.و فهمت بعد ذلك أنه أتى مصمما أن يبيعني الكتاب. و دون أن يعد الأوراق المالية وضعها في جيبه.
    كنا قد تحدثنا عن الهند و"الأوركاد"، و العادات النرويجية التي تحكم هذه الجزر.
    كان الوقت ليلا عندما رحل الرجل. ولم أره بعد ذلك أبدا و أنا أجهل اسمه.
    فكرت أن أضع"كتاب الرمل" في المكان الفارغ الذي خلفه إنجيل"ويكليف" ، ولكني اخترت في النهاية أن أخفيه خلف المجلدات غير المتجانسة لـ"ألف ليلة وليلة".
    تمددت دون أن أنام. وحوالي الساعة الثالثة أو الرابعة قبل طلوع النهار، أشعلت النور. تناولت مرة أخرى الكتاب المستحيل ورحت أقلب صفحاته. و رأيت على إحداها، رسما لقناع. يحمل أعلى الصفحة رقما، نسيته، درجة ارتفاعه تصل إلى9.
    لم أطلع أحدا على كنزي. وإلى جانب نشوة امتلاكه انضاف خوفي من أن يسرق مني، أيضا الشك في أن لا يكون حقا لامتناهيا. هذان الهمان ضاعفا من نزعتي القديمة الكارهة للبشر.
    كان لا يزال لدي بعض الأصدقاء؛ توقفت عن الاتصال بهم. صرت سجين الكتاب، لا أضع قدمي تقريبا خارج البيت . أفحص فحصا مدققا ظهره وصفحاته المتهرئة بمكبرة وأستبعد احتمال أي نوع من أنواع المكر. وتأكدت أن رسوماته الصغيرة متباعدة بألفي صفحة الواحدة عن الأخرى. سجلتها في فهرسة هجائية لم أتوان في ملئها. لم تظهر ثانية أبدا.و في الليل، في اللحظات النادرة التي يسمح لي بها الأرق، كنت أحلم بالكتاب.
    انتهى الصيف و حينها أدركت أن الكتاب كان شديد الخطورة، و هذا لم يفدني في شيء في أن أدرك أني أنا أيضا على نفسي كنت شديد الخطورة، أنا الذي كنت أنظر إليه بعينيّ و أتحسسه بأصابعي العشرة وأظافرها. شعرت بأنه شيء كابوس، شيء فاحش يهتك عرض الواقع ويفسده.
    فكرت في النار، لكنني خشيت أن يكون إحراق كتاب لانهائي هو أيضا لانهائي قد يخنق الكون بدخانه.
    تذكرت أني قرأت في كتاب من الكتب بأن أفضل مكان لإخفاء ورقة هو في غابة. قبل الحصول على تقاعدي، كنت أعمل في المكتبة الوطنية، التي تضم تسعمائة ألف كتاب؛ وكنت أعرف أنه إلى يمين الرواق، يوجد درج حلزوني ينزل إلى عمق طابق أرضي حيث يحتفظ بالصحف والخرائط. انتهزت انشغال المستخدمين لإخفاء كتاب الرمل في واحد من رفوفه التي غزتها الرطوبة. حاولت ألا أرى في أي علو و لا في أي مسافة من الباب.
    أشعر الآن بقليل من الارتياح، بيد أنني أفضل تجنب المرور عبر شارع مكسيكو.


  4. #4
    أستاذ بارز الصورة الرمزية محمد أسليم
    تاريخ التسجيل
    25/09/2006
    العمر
    58
    المشاركات
    772
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي

    بين «علم الرمل» و«كتاب» الرمل»


    لا يمكن أبدا للمطلع على بعض كتابات العلوم الروحانية العربية الإسلامية، بل وحتى بعض كتب الطب العربي القديم مثل كتاب داوور بن عمر الانطاكي الموسوم بتذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب، ألا ينتبه لتماثل عنوان «كتاب الرمل» لبورخيس مع هذا العلم الذي أسماه القدماء بـ «علم الرمل».
    وكم سيكون مفيدا قراءة هذا بذاك في حركة ذهاب وإياب: قراة «كتاب الرمل» بـ «علم الرمل» وقراءة «علم الرمل» بـ «كتاب الرمل» للخروج بعد ذلك بخلاصات تركيبية طبعا. وقد تكون هذه القراءة أجدى من تلك التي عمدت إلى إقامة مستوى من الحوار بين بعض أفكار بورخيس وبعض تأملات الحلاج دون الخروج بخلاصات، على نحو ما لاحظ ذلك عن صواب الأستاذ أحمد العيساوي.
    لا أزعم القيام بهذا العمل. في المقابل أود تقديم «علم الرمل» تقديما في غاية الاختصار:
    يتعلم الأمر بطريقة في العرافة، يزعم التقليد أن النبي إدريس تلقاها عن جبريل فيما أظهرت دراسات غربية أن علم الرمل هو مجرد شطر من الإيشنج أو «كتاب التحولات الكبرى» أخذه العرب عن الصينيين إبان ازدهار تجارة قوافل الحرير. وسمي هذا العلم بالرمل لأن الأصل فيه هو الخط على الرمل، وهي طريقة لازالت تعتمدها بعض القبائل الأفريقية، ولكن بنوع من التحريف، إذ تستبدل الخط في الرمل بإقامة تخت الرمل بالأحجار.
    عن طريق خط أربعة أسطر من النقط بعدد عشوائي، يتم:
    - في مرحلة أولى استخراج ما يقابل مجموع عدد كل سطر الحرف الهجائي المقابل له
    - في مرحلة موالية البحث عن شكل الرمل الرمل المقابل لكل حرف من الحروف الأربعة
    - في مرحلة أخيرة توليد 12 شكلا رمليا جديدا من الأشكال الأربعة الأول، عبر القيام بعمليات دقيقة أعقد من أن نصفها هنا.
    - الحصول أخيرا على 16 شكلا، تدعى التخت، ثم الشروع في استنطاق هذه الأشكال لقراءة الغيب.

    ما يلفت الانتباه في هذا العلم (من هنا أهمية اقتراح البحث عن علاقة نص بورخيص به) هو اختزال الأشكال الـ 16 للعالم، بل للكون برمته: فالأشكال في وجودها المنفرد تتألف من العناصر الأربعة: النار والهواء والماء والتراب، بل وكل شكل يندرج في سلسلة من الترابطات الكونية تسع كل المخلوقات والموجودات: فلكل شكل جنس ولون وطعم وعضو من أعضاء جسد الإنسان، وبرج ومنزلة من منازل القمر وكوكب من السبع السيارة ومعدن ويوم من أيام الأسبوع وملاك من ملوك العلويات السبعة وآخر من ملوك العالم السفلي السبعة، وشهر، ومعدن، الخ.
    كما تتوفر الاشكال في مجرد ترتيبها على عدد من الأسامي: فهناك الأمهات، والبنات، والحفيدات والبواقي والميزان، وكل كتلة من الكتل الأربع تدخل أيضا في سلسل من الترابطات.
    أما لدى استنطاق التخت فينقلب الأمر إلى حكاية أخرى: عبر تأمل الأشكال ومقابلة بعضها ببعض، وإجراء ما يتطلبه موضوع الاستشارة من عمليات مختلفة: ضرب شكل في شكل لاستخراج آخر، توليد شكل من ضرب أشكال الماء في كتلة كذا في أشكال هواء تربة كذا، الخ، يمكن توليد حكايات عم موضوع الاستشارة، فيقال مثلا: مرض المريض في اليوم الفلاني بمرض كذا أعراضه هي كذا وسبب المرض كذا، وهو لن يشفى منه، مثلا، لأن الشك الفلاني ينظر إلى الشكل الفلاني، وهو دليل على الموت، ثم ها هو شكل (الجماعة) يوجد في الرتبة الفلانية في التخت، وهو يرمز إلى الجماعة التي ستحمل الميت إلى المقبرة، الخ...

    الخلاصة، أنه عبر نقطة واحدة (أو حبة رمل واحدة)، يتم توليد 16 شكلا (التخت)، بحيث يستحيل على المرء توليد تختين متطابقين، سواء أأجراهما في وقت واحد أو في أوقات متباعدة، ومن ثمة كان كل تخت يقص حكاية لا تعيد أخرى: حكاية لا تهم إلا طالب معرفة الغيب ولا تروي إلا الموضوع الذي يود هذا الطالب معرفته.
    محبتي
    م. أسليـم

    [align=center]نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي[/align]

  5. #5
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي بورخيص: مسكن أستيريون

    مسكن أستيريون

    La Demeure d'Astérion

    خورخي لويس بورخيس

    تـ : عبد الحميد الغرباوي

    و وضعت الملكة ابنا سمي أستيريون.
    (أبولودور، الإنجيل،III, L)

    أعرف أني أتهم بالأنانية، ربما أتهم بكره البشر، و ربما بالجنون. هذه الاتهامات( التي سأعاقب أصحابها في الوقت المناسب) تافهة. صحيح أني لا أغادر بيتي؛ لكن ليس صحيحا تمام الصحة أن بيتي أبوابه، و التي عددها لانهائي(1) هي مغلقة ليل نهار عن الناس و الحيوانات.ليدخل من يشاء. فلن يجد و بدون طائل حليا نسائية، و لا عجائب أبهة القصور، لكن سيجد الهدوء والانفراد. سيجد أيضا بيتا لا مثيل له على وجه الأرض.( كاذبون أولئك الذين يدعون أن له مثيلا في مصر). و حتى الذين يعادونني يقرون بأن لا أثاث في البيت. و حسب خرافة مثيرة للضحك، فأنا هو أستيريون، شخص أسير. هل وجب علي أن أؤكد أن و لا باب واحد هو مغلق؟ أ وجب علي إضافة أن لا قفل في البيت؟ و الحاصل، أنه حدث لي الخروج، في الغسق، إلى الشارع.و إذا ما عدت قبل نزول الليل، فبسبب خوفي من وجوه الحشد، هي وجوه بلا ملامح، و لا لون، مثل راحة اليد.كانت الشمس قد غربت. غير أن الأنات الضائعة لطفل و التوسلات البلهاء للحشد الكبير نبهتني إلى أن الكل تعرف علي.كان الناس يصلون، يفرون، يركعون.البعض صعد درج مدخل معبد الفؤوس.آخرون جمعوا الحجارة.و أعتقد أن أحد المارين،اختبأ في البحر.ليس بالأمر الهين أن تكون أمي ملكة. يجب ألا يقع الخلط بيني و بين العادي المألوف، فهذا لا يرضي تواضعي.
    أنا فريد في نوعي. هذا واقع. لا يهمني في شيء ما يوصله شخص إلى شخص آخر. شبيه ذلك بالفيلسوف، أعتقد أن فن الكتابة لا يمكنه أن يقدم شيئا.
    كل تفصيل مزعج و عاد لا مكان له في عقلي، الذي هو ذو مستوى كبير. لم أضبط أبدا الفرق بين كلمة و أخرى.لست أدري أي فراغ صبر هائل منعني من تعلم القراءة.في بعض المرات,أتأسف لذلك، لأن الليالي و النهارات طويلة.
    من الواضح أنني لا أعدم شرودا. أنا شبيه بالحمل الذي يندفع بسرعة، ألقي بنفسي في سراديب من حجر إلى أن أسقط على الأرض مصابا بالدوار. أختبئ في ظل صهريج أو في عطفة ممر و أتخيل أنني ملاحق. هناك أسطح حيث أترك نفسي تسقط إلى أن أصير مدمى.أقوم بدور النائم في كل الساعات، مغلقا العينين و زافرا بقوة.( في بعض المرات، نمت نوما حقيقيا، و في مرات حين فتحت عيني كان لون النهار قد تغير) لكن، من بين العديد من الألعاب، أفضل لعبة أستيريون الآخر.أتصوره يأتي لزيارتي و أعرض عليه رؤية بيتي. و بمنتهى اللياقة و الأدب، أقول له:" الآن، نفضي إلى فناء آخر"، أو " قلت لك أن هذا الممر المائي سيعجبك"، أو" و الآن سترى صهريجا يملأه الرمل"، أو " سترى الكهف كيف ينقسم إلى قسمين و إلى ممرين". أحيانا، لا يحالفني الصواب فنضحك من قلبينا.
    و لم أكتف باختراع هذه اللعبة.كنت أمارس لعبة تأمل بيتي.كل أقسامه تتكرر مرات. كل جهة هي جهة أخرى. لا يوجد بئر واحد، ساحة واحدة، مشرب واحد، مطعم واحد؛المطاعم و المشارب و الساحات،و الآبار هي أربعة عشر[هي في عدد لانهائي]. البيت مساحته مساحة العالم، أو الأحرى، هو العالم. غير أني، و من شدة الملل من الساحات ذوات البئر و السراديب المغبرة ذوات الحجر الرمادي، خاطرت بنفسي بالخروج إلى الشارع، رأيت معبد الفؤوس و البحر. و هذا ما لم استوعبه، إلى أن أوحت إلي رؤية ليلية أن البحار و المعابد أربعة عشر هي الأخرى[هي في عدد لا نهائي].
    الكل مضاعف.أربعة عشر مرة.بيد أنه يوجد في العالم شيئان لا ثاني لهما: هناك فوق، الشمس المثبتة؛هنا تحت أستيريون. ربما خلقت النجوم، الشمس المقر الشاسع،لكني لم أعد إطلاقا أتذكر ذلك.
    كل تسع سنوات، تسع من البشر يدخلون البيت كي أخلصهم من كل آثامهم.أسمع وقع خطواتهم و أصواتهم في عمق السراديب الحجرية، فأسرع جذلان لاستقبالهم. يخرون صرعى الواحد تلو الآخر، دون أن تتلوث يدي بالدم. يظلون حيث سقطوا. و جثتهم تساعدني على التمييز بين السراديب. أجهل من هم. بيد أني أعرف أن أحدهم، لحظة احتضاره، أخبرني أن مخلصي سيأتي يوما. منذ ذلك اليوم، لم تعد الوحدة تؤلمني، لأني أصبحت أعرف أن مخلصي موجود، و أنه في النهاية سينهض من الغبار. لو أني أستطيع سماع كل ضجيج العالم، فسأسمع وقع خطواته. شرط أن تقودني خطواته إلى حيث السراديب و الأبواب أقل. على أي هيئة سيكون مخلصي؟ أتساءل.هل سيكون على هيئة ثور أم إنسان؟ هل سيكون ثورا برأس إنسان؟ أم سيكون مثلي؟
    سطعت الشمس على السيف البرونزي، حيث لم يعد هناك أثر للدم.
    " أريان، أ تعتقدين ذلك ؟ قال تيزي، بالكاد دافع المينوتور عن نفسه."
    ـــــــــــــ
    (1) يقول النص الأصلي أربعة عشر، بيد أن أكثر من سبب يدعو إلى الاعتقاد أن في منطوق أستيريون هذا العدد يمثل اللانهائي.
    .


  6. #6
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي وفاة/ أوجستو روا باسطوس

    وفاة


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    للكاتب البارغوايي أوجستو روا باسطوس


    تـ: عبد الحميد الغرباوي

    سمعتكِ ، منذ قليل ، تذكرين اسم تشيبي بوليفار. هل تعرفينه؟
    سألت المرأة في القطار الذي يقل الركاب و البضائع.
    ـ عامل التلغراف مانورا؟ نعم، كيف لا أعرفه؟ و أنا التي كنت أعتني حتى بثيابه !
    قلت في داخلي، هذه العجوز الثرثارة تكذب، متذكرا أن عامل التلغراف، حين عرفناه، كان يقضي وقته في الغالب عاريا، خصوصا خلال الأعوام الأخيرة من حياته.
    ـ طويل، أسمر، بطيء، بقدمي طائر. يرتدي دوما دثارا، شتاء و صيفا. و ليلا، إذا ظهر القمر، كان يضع على رأسه "سمبريرو" كبيرا، و بالإضافة إلى ذلك، يحمي نفسه بشمسية نسوان زيادة في الحيطة و الحذر. كان يخرج مخيفا الناس. كيف لا يمكن أن أعرفه!
    همست العجوز.
    أبدا، عارضتها في داخلي، نادرا ما كان يبرح داره. عاريا يستر العرق أورامه و نحافته، كان يظل حبيس داره ينقش خشب صندوقه على ضوء شمعة. كانت ضربات القدوم و الأزميل على جذع الشجرة تسمع ليلا من بعيد. أذكر أننا كنا في القرية نعلق بقولنا، حين نسمع تلك الضربات التي تشبه النقر المكتوم للطائر النقار، ها قد عاد تشيبي يدق التلغراف.
    ذات مرة، أمرتني خالتي إمرنثيانا، التي كانت تشتهر بمعرفتها للعلاج بالأعشاب:
    ـ هيا احمل إليه الدواء. و قل له أن يأتي لحظة ليصلح لي السياج، فبقرات الجار النشالة تعبت في حديقة الخضروات منذ الصباح.
    ـ خالتي تقول لك أن تأتي لحظة لتصلح لها السياج.
    ـ لا أستطيع. ألا ترى القمر؟
    ـ الوقت نهار.
    ـ إذا خرج من شرنقته، فدائما ما ينظر إلى المرء، بالليل و النهار، حتى و إن لم يظهر.
    ـ خالتي، يقول إنه لا يستطيع المجيء. أنت تعرفين جيدا أن جسده يمتلئ بالقروح إذا ما خرج و القمر في تمام اكتماله. يقول سوف يأتي الأسبوع القادم، إذا شاء الرب و السيدة العذراء ذلك ، و سيعيد للسياج جدته، و أيضا سيصلح طاقة القديس السيد المسيح.
    أنفاس المرأة تبرد أذني.
    و يمتزج الهمس بصفير القطار المقل للناس و البضائع:
    ـ مات تشيبي، حين دخل الجنود عام الفيضان الكبير، مات أثناء إطلاق النار.
    قلت:
    ـ لم يمت بالرصاص.
    ـ قيل إنه مات رعبا بسبب إطلاق النار، و قيل بل برصاصة طائشة. لكن الحقيقة لم تكن كذلك ؛ أنت على حق. عامل التلغراف مات لأنه كان يجب أن يموت، لا أقل و لا أكثر. انتظر موته زمنا طويلا. كان يجب أن يموت في انتفاضة عام 12. أنت لا يمكن أن تتذكر ذلك. لأنك لم تكن قد ولدت بعد.
    لا أنت و لا أنا، كنا قد خرجنا من البيضة كما يقال. عرفنا تشيبي عجوزا، مثلما عرفنا المعلم كريستالدو. أنت رحلت عن القرية قبلي بكثير، إلا أنك لا تزالين تذكرين كم كان المعلم و تشيبي يتشابهان، رغم الاختلافات التي بينهما. كنا نرى في أحدهما وجه الآخر، و كأنهما يشكلان شخصا واحدا. الأول نحيف، شديد البياض،غير مكتمل. و الثاني طويل، ضخم، شديد السواد. و حين صار تشيبي عاجزا عن الحركة، كان المعلم يزوره في منزله ليساعده في عمله.
    كان التابوت قد اكتمل منذ وقت طويل، لكن الاثنين كانا دائما يجدان شيئا ما يتطلب تعديلا أو تحسينا.
    كان التابوت يشبه قاربا، قارب المعلم كريستالدو، و ربما أفضل؛ من حيث النوعية و التحمل و المظهر. كان الأفضل لاجتياز النهر حتى منابعه، مطلب المعلم، الذي لم يستطع سوى التجديف في النهر؛ ذلك لأن قاربه المتهرئ كان ينفذ إليه الماء من كل الجوانب.
    كما أن الحروف التي كانت على أطراف تابوت تشيبي، الذي نقشها بالسكين حرفا حرفا هو المعلم. كما لو كان العمل عمل أسير. استغرق ذلك عددا آخر من الأعوام..
    ليس ثمة سوى البداية و ما قبل البداية..
    ماذا كانا يعنيان بذلك؟
    رسالة؟
    إهداء؟
    أم كان ذلك نفاق عجوزين يخرفان.
    كان صوت المرأة يذهب و يعود في العتمة؛ فلا تدعني أواصل الحلم:
    ـ يحكى أن الجنود الذين احتلوا القرية، خلال ثورة 12، أرغموا تشيبي على إبراق نبإ كاذب. كانت تلك خدعة منهم لعرقلة زحف المتمردين الذين كانوا قد استولوا على قطار عسكري في مدينة إنكارناصيون، و جذبهم إلى كمين في مانورا.
    النبأ الكاذب الوحيد الذي أذاعه تشيبي بعد ذلك و بزمن طويل، ليس بصفته عامل تلغراف، بل مجرد ناقل أقاويل عن متسكعي المحطة، كان نبأ وصول من سيخلف المعلم في منصبه. و تذكرين أن كل التلاميذ، و المعلم في مقدمتهم، ذهبنا لاستقباله رافعين الأعلام ذات الألوان الثلاثة، مرددين النشيد الوطني الذي تدربنا عليه جيدا. لكنه لم يصل لا في ذلك اليوم و لا في أي يوم آخر.
    ـ يحكى أن عامل التلغراف رفض. و لم يكن في مانورا من يستطيع تشغيل التلغراف سواه. جربوا رشوته بالنقود، فرفض. وعدوه بترقيته إلى منصب رئيس المحطة، فرفض. أوقفوه، موهمين إياه بالإعدام، أمام فريق الإعدام، دون جدوى. لم يقلل ذلك من شجاعته.
    يحكى أن تشيبي كان يكتفي بهز رأسه.
    هل تذكرين أن عامل التلغراف كان يتلعثم قليلا؟
    في المدرسة كنا نطلق عليه الدعابات. سبب التلعثم فقدان الذاكرة، و ليس بسبب شيء آخر. فقد ذاكرته و صوته.
    لم تتذكر العجوز ذلك.
    و حكت حكاية سمعتها من قبل.
    ـ لم ينفع موقفه ذلك في شيء. فما رفض فعله لتجنب مذبحة مروعة فعله آخر. عثر الجنود على ضالتهم. و تمكن الجنود من تنفيذ الخدعة. أطلقوا قاطرة محملة بالمتفجرات بأقصى سرعتها فاصطدمت بقطار المتمردين و فجرته في منتصف الطريق.
    سيكون الوقت قد فات إذا ما أرجأت الحديث عن الموت الذي حدث !
    هنا أخذت العجوز الثرثارة تخلط كل شيء، خشية أن تخمد جذوة الذكريات؛ و ربما هي الأخرى تتمنى توقف الحياة التي تخرج من فمها و هي تحكي الوفاة الممتدة لتشيبي بوليفار.
    كان يجب أن يموت تلك الليلة....،
    خفت الهمس.
    ـ و من قال لك أنه لم يمت تلك الليلة؟
    ـ لم يستطع النوم بعدها. لم ينم منذ ذلك الحين و لو يوما واحدا. دامت عشية موته عشرين عاما.
    لم تكن عشرين عاما. على كل حال، لا يجوز القول إنها كانت عشرين عاما.
    ـ ماذا؟
    كنت على وشك أن أشتمها
    ـ ألا تعتقدين ، سيدتي، أنك لكي تحكي ذلك بصدق، يجب أن تعكس عبارتك نفس الزمن بالضبط، و أنه، بناء على ذلك، هناك شيء يزيد أو ينقص؟ لم الجدال؛ في نهاية الأمر، لا يمكن تسوية ما حدث بالكلمات.
    أردفت:
    ـ من يدري كم تدوم تلك الأشياء.
    قالت:
    الفم هو معيار كل واحد.، فحين مات تشيبي..
    حين مات تشيبي، كان المعلم كما لو أنه فقد ظله. شرعت الشمس تلفحه بلا رحمة من كل جانب؛ كيف يمكن التعبير عن ذلك، بدأ يشاهد في قلب الضوء؛ موحشا. كما لو أنه ، و انطلاقا من تلك اللحظة، بقي في القرية فقط ليقوم بمهمة فك خيط العدم الأسود، الذي حاكه الاثنان سويا، بصبر قدسي، و دون كلل، طوال أكثر من نصف قرن. أعتقد الآن ذلك. و لعل الأمر لم يكن كذلك؛ فربما تخدعني الذاكرة أنا الآخر.
    ـ حين مات تشيبي..
    كررت العجوز التي كانت تراقب تيهاني
    .. لم يكن المهاجمون قد فجروا المحطة بعد.
    ـ لم تفجر المحطة في مانورا بل في سابوكاي، قبلها بعشرين سنة.
    ـ لا يهم، لكن في مانورا كانت قد مضت ثلاثة أيام و الاقتتال محتدم من أجل الاستيلاء على الجسر.
    كان بإمكان الاقتتال أن يستمر لفترة ثلاثة أيام أخرى. و بدأ الجسد الذي نشف من دمه يفوح بعد فترة قصيرة من موته. فالأعوام العشرون التي قضاها دون نوم دمرته فجأة حين بدأ في أول حلم لم يكن ليستيقظ منه. أول جرعة من الأبدية.
    أعتقد أنه عدم التعود...
    غاب صوت العجوز في كحة.
    و حين عاد:
    ـ كان تشيبي بوليفار هو المسيحي الوحيد في القرية الذي كان لديه تابوت و هو حي.
    قالت ذاكرة ما اعتقدت أنها ستتجاهله.
    ـ في المرات التي حملت له فيها أدوية الأعشاب لعلاج قروح "اللهب البارد" للقمر، كان يمد يده تحت الفراش، حيث يحتفظ بالتابوت، الذي كان يقوم مقام مخزن، و يخرج منه قمع سكر يتجمع عليه النمل:
    ـ خذ. تقديرا لخدمتك.
    ـ و لماذا يحتفظ بذلك هناك؟
    ـ فقط لعدم الثقة. أكيد أنه مات عجوزا و مجردا من الثقة..
    ـ لكن كيف وجدت كل هذه الشجاعة لتفعل ما فعلت في تلك المرة؟
    ـ متى، يا فتى؟
    ـ المرة التي كانوا سيقتلونك فيها.
    ـ لم تكن شجاعة. كان رعبا.
    ـ لكنك رفضت.
    ـ لا، عجزت عن الكلام، فلم أنطق ببنت شفة. كما لو في حنجرتي حجر.
    ـ قلت لهم لا.
    ـ ليس لهم، بل لرعبي، لهلعي. لم أرد أن أموت...
    قالت البائعة العجوز:
    ـ في ذلك التابوت وضعناه. لكن لم ندفنه في المقبرة. لم يستطع موكب الجنازة اجتياز حزام النار الذي طوق القرية. فاضطررنا إلى دفنه في إسطبل. و رغم الطلقات التي كانت تصفر فوق رؤوسنا، لم يتخلف أحد عن مراسم دفن ذلك الميت الذي كان كثيرون، ممن هم أكبر منا سنا ، يدينون له بالحياة.
    ________________________


    Augusto Roa Bastos (né le 13 juin 1917 à Iturbe au Paraguay est décédé le 26 avril 2005). Il a participé à la guerre du Chaco (1932-1935) entre le Paraguay et la Bolivie. Journaliste, il écrivit des poèmes, des contes et des romans. Il s'exila en Argentine en 1947 pour raisons politiques et vécu quarante ans en exil, le dictateur Stroessner s'opposant à son retour. Il a enseigné en France, à Toulouse, la littérature et la langue guarani (langue officielle au Paraguay).[/color][/size]


  7. #7
    عـضــو الصورة الرمزية خالد ساحلي
    تاريخ التسجيل
    14/12/2006
    المشاركات
    485
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته
    الفاضل : سرد موفق في ترجمته و شروحات قيمة للأستاذ أسليم...
    بوركتما.
    السلام عليكم


  8. #8
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي أسطورة/ بورخيص

    أسطورة


    خورخي لويس بورخس

    تـ : عبد الحميد الغرباوي

    بعد موت هابيل، التقى هابيل و قابيل.
    و بينما هما يسيران في الصحراء، تعرف كل واحد منهما على الآخر عن بعد، ذلك لأن الاثنين كانا عملاقين.
    جلس الشقيقان على الأرض، أوقدا نارا و شرعا يأكلان.
    كانا صامتين صمت الإنسان المتعب في نهاية اليوم.
    في السماء، برزت نجمة، لم تكن في ذلك الوقت،تحمل اسم نجمة.
    على ضوء النار، لحظ قابيل شجا بضربة حجر في جبهة هابيل، فأسقط كسرة خبز من يده كان ينوي وضعها في فمه، و استعطفه أن يغفر له جريمته.
    أجابه هابيل:
    ـ هل أنت الذي قتلتني، أم أنا الذي قتلتك؟.. أنا لا أتذكر شيئا.. المهم أننا مع بعضنا البعض مرة أخرى.
    قال قابيل:
    ـ الآن تأكدت أنك غفرت لي. فالنسيان يعني المغفرة. أنا أيضا سأحاول أن أنسى.
    قال هابيل بهدوء:
    ـ هو ذاك. سيستمر تأنيب الضمير ما دام هناك إحساس بالذنب.
    ــــــــــ
    (مديح الظل)، 1969.


  9. #9
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي مزارييغو/ إيكتور تيزون

    مزارييغو

    للكاتب الأرجنتيني إيكتور تيزون*

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    ت: عبد الحميد الغرباوي


    انفتحي، أبواب الخلود !
    ذلك لأن الرب بمشيئته يتكرم غالبا بالدخول
    إلى حيث يقيم الناس
    العادلون و يبعث إليهم رسله المجنحين.
    جون ميلتون
    الفردوس المفقود
    المجلد7

    مستيقظة قبل الفجر، تظل العجوز لامبرا جالسة إلى عتبة بيتها، في اتجاه مدخل القرية ، متأملة السماء كما لو أنها لتكتشف لحظة ميلاد النور.
    لهذا السبب( لأنها تقيم عند مدخل الزقاق، و لأنها تستيقظ باكرا) كانت أول من شاهد وصول مزارييغو ذات يوم يشبه كل الأيام، لم يصدر عنها سوى همهمة، بمنديلها الأسود العجيب على رأسها ، و بعينيها الغائرتين الكدرتين،حين مر من أمامها مرسلا إليها تحية مرحة.
    كان مزارييغو ـ الابن الأصغر لواحد من الأوائل الذين سكنوا القرية ـ قد قرر أن ينشىء في البيت القديم للعائلة متجرا للدراجات. أعاد إصلاح البناية، و حول غرفتين(واحدة منهما كانت مخصصة لاستقبال الضيوف) إلى غرفة واحدة، و فتح نافذتين كبيرتين لتكونا واجهتين للمتجر، و هيأ قاعة للعرض و البيع.
    كان مزارييغو قد خمن أنه مع قليل من الحظ يمكنه أن يبيع دراجتين في الشهر ، و أنه في سنة، المدة المتبقية له في الحياة حسب أقوال الأطباء، ذلك لأنه يعاني من مرض غريب، سيكون قد باع دزينتين من الدراجات و حقق، بالنسبة لتلك الفترة، ربحا ممتازا.
    حين أتم تجديد البيت و ترميم جدرانه الكبيرة المشرفة على الدرب الوحيد للقرية، علق مزارييغو، دون الاستعانة بأحد، لافتة يمكن القراءة عليها:" دراجات مزارييغو" بحروف طباعة كبيرة،بيضاء على أرضية زرقاء. و طبع في المدينة ملصقات بألوان زاهية عليها صور لشخصيات تركب الدراجة، كل واحدة منها ترتدي لباسا يميزها،و تشير إلى اهتمامات متنوعة:
    سيدة تمنح وجهها للهواء بسخاء، سيد، والغليون في فمه، يقشر برتقالة و هو يضغط على الدواستين، آخر يرفع قبعته محييا بحركة تنم عن كياسة و أدب، و أخيرا آخر يحمل حقيبة ضخمة على حامل البضائع.
    غطت الملصقات كل القرية: على الجدران، جذوع الأشجار، بوابة الكنيسة.
    و يوم جمعة، أعلن التاجر، أن في اليوم التالي سيتم تدشين المتجر صباحا ذلك لأن اليوم سيكون يوم سبـت.
    في أولى ساعات النهار، قدم زبونان إلى مزارييغو . تأملا الدراجات الجديدة المعروضة مندهشين ، دون أن يجرؤ أحدهما على الدخول. و من داخل المتجر، استقبلهما مزارييغو مشجعا إياهما بكلمات ترحيب تفسح لهما الطريق .و في النهاية، و بعد تبادل عبارات التهذيب و الكياسة، دخل أحدهما و لم تمض سوى مدة قصيرة، حتى خرج يصحب معه دراجة.
    وجد الرجل صعوبة في ركوبها ، و بمساعدة مزارييغو نفسه الذي أمسك به و دفعه، انطلق فجأة و غاب ضاغطا على الدواستين في منحنى الطريق المغبر.و لم يعد بعد ذلك يظهر له أثر.
    و أقبل زبونان آخران و هو لم ينته بعد من عد نقوده،عرفهما للتو.الأول رجل الأمن الذي أعطاه رخصة إلصاق الملصقات، و الآخر قاضي منطقة رييغو.
    كل واحد منهما انطلق على متن دراجته و غاب، كما لو أن الغبار ابتلعه.
    و هذا دفع بمزارييغو، بعد أربعة أيام، إلى إنهاء الحملة الإشهارية.
    أسبوعان بعد ذلك، تجاوزت المبيعات ما كان مقدرا لها بكثير.
    كل يوم، من الصباح إلى المساء، كان سكان القرية، رجال و نساء، يتزاحمون أمام واجهة المعروضات،
    كذلك الأطفال الذين كان صراخ إعجابهم بالدراجات يحدث صخب العفاريت جميعها.
    بعد شهرين، كان سكان القرية كلهم قد توقفوا بالأقل عشرات المرات لتأمل الواجهة البراقة. كل القرية، يستثنى من ذلك، صاحب المقهى و زوجته، السمينان شاحبا اللون و قليلا الكلام اللذان كانا بمراءاة يعارضان منشأة مزارييغو، مرة بدافع التحفظ ، و مرة بسبب الانخفاض الجسيم، و خلال بضعة أيام، في مبيعاتهم من طعام و كحول.
    و خلاف ما كان متوقعا، لم يؤثر حلول الخريف في الإقبال الشديد على شراء الدراجات.
    اقتنت المعلمة واحدة تغطي هيكلها طبقة من الكروم، و اختار المهندس له دراجة سباق.
    أيضا رئيس المحطة و العجوز لامبرا ، اقتنى كل واحد منهما دراجة. و البعض ممن يتمتعون بسعة في الرزق، اقتنوا دراجتين بدعوى إذا ما تعطلت واحدة في وسط الطريق،تكون الأخرى جاهزة لمواصلة الضغط على الدواستين.
    و آخرون باعوا كل ما لديهم من متاع جيد ـ غالبا لوازم الصلاة ـ من أجل امتلاك دراجة.
    و كما كان منتظرا، شرعت أوراق الأشجار تصفر، و معها جلبت الهجرة نتائج غير متوقعة:
    الحقول صارت عقيمة الإنتاج، والسقوف انهارت بسبب الإهمال و عدم إصلاحها من طرف أصحابها الذين أصبحوا يملكون دراجات. رئيس مصلحة الحالة المدنية انتقل و زوجته إلى كاليفورشون على متن دراجتهما، فتم التوقف عن تقييد المواليد الجدد و الوفيات، بما في ذلك الزواج الذي و لتعقيد المسألة،لم يتوقف عن التكاثر بفضل بيع الدراجات.
    و هكذا، نزلت على القرية كل أنواع الكوارث:
    اختلاس و سطو من طرف عصابة تسرق دون رادع يردعها بسب انعدام الأمن، اجتياح الثعابين التي و حسب الروايات، تتجمع حول محيط البيوت المهجورة،الأموات، خمسة في ظرف ستة أشهر لم يحصلوا على قداس جنائزي، و الدواجن، حائرة ، مضطربة، فرت هاربة. و أما ناقوس الكنيسة فتوقف عن الرنين.
    بعد الخريف جاء الشتاء ليكدر صفو السماء و يحول ندى الفجر اللانهائي إلى صقيع فضي دقيق تسمع له فرقعات.
    و بينما الشهر العاشر يشرف على نهايته، أحس مزارييغو بقرب موته.
    الجميع رحلوا.
    و القرية الخالية والمعتمة في حالة وهن صحبة البيوت المهدمة، المغطاة بنباتات متسلقة صفراء و صلبة.
    و ذات يوم تقيأ بائع الدراجات، فعرف أن نهايته اقتربت.
    كانت السماء رصاصية اللون و البرد شديد حين، و حوالي التاسعة صباحا، حاول مزارييغو الزحف إلى الجانب الآخر من المتجر لإنزال ستارات واجهتيه و إغلاق الباب. فجأة، لمح الوجهين الشاحبين و النظرات الجشعة لصاحب المقهى و زوجته. تأملهما مرعوبا و هو ممدد على الأرض، حاول الصراخ بأي شيء، يداه العاجزتان متشنجتين على البلاط ، و بصعوبة تمكنت عيناه من رؤية على نور الضوء اللبني كيف أن الاثنين كانا متلهفين جشعين و على استعداد لاقتراف كل شيء، دخلا ، و أخذا آخر دراجة في المتجر، و لاذا هاربين، ضاغطا الزوج على الدواستين بكل ما أوتي من قوة ( الزوجة تتعلق بكتفي زوجها) إلى أن غابا في المنعطف ، في تلك الطريق التي صارت مجرد ممر ضيق يجتاحه الدغل.
    ــــــــــــــــــ
    * Héctor Tizon
    Né en 1929 à San Salvador de Jujuy en Argentine, Héctor Tizon n'appartient à aucune des écoles littéraires de la latine amérique. Son stoïcisme certainement mâtiné de cruelle lucidité indigène (Inca, Aztèque?) semble enraciné à la lointaine Europe. En parallèle à une carrière d'avocat commencée en 1953, il écrit des nouvelles, crée des revues artistiques et littéraires, devient attaché culturel au Mexique, consul en Italie, voyage dans le monde.
    Citons parmi ces ouvrages :
    - le voyage (roman)
    - deux étrangers sur la terre (roman)
    - lumière des cruelles provinces (roman)
    - la maison et le vent (roman)


  10. #10
    كاتبة الصورة الرمزية ريمه الخاني
    تاريخ التسجيل
    04/01/2007
    المشاركات
    2,148
    معدل تقييم المستوى
    15

    افتراضي

    اول مرة ادخل هنا
    نكهة مختلفه من هناك
    والحظ عناية بسرد التفاصيل ربما انا لااعيها كثير انتباه ولا استلذ بها قراءة
    تحية لك استاذي
    لكنه حلوة وبنت بيئتها

    [align=center]فرسان الثقافه[/align]

  11. #11
    عـضــو
    تاريخ التسجيل
    05/07/2007
    المشاركات
    44
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي

    الأستاذ عبد الحميد
    ليس مجاملة
    المبدع يبقى مبدعا
    و( الباب ) تؤكد ذلك
    دمت


  12. #12
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    حلوة وبنت بيئتها / ريمه الحاني
    القصة و الرواية في أمريكا اللاتينية، مدرسة كبيرة، كل واحد منا مدعو إلى الإسراع و حجز مقعد له في أحد أقسامها و الانكباب على الدرس و التحصيل..
    هذا رأيي على الأقل...
    مودتي


  13. #13
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    الأستاذ عبد الحميد
    ليس مجاملة
    المبدع يبقى مبدعا
    و( الباب ) تؤكد ذلك
    دمت
    الأخ الأديب العزيز كامل عويد العامري، لك خالص المودة و التقدير.


  14. #14
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي غارسيا ماركيث/ يوم من هذه الأيام

    يوم من هذه الأيام


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    غابرييل غارسيا ماركيث(كولومبيا)

    تـ: عبد الحميد الغرباوي


    حل يوم الإثنين دافئا،بلا مطر..
    و كالطيور في تبكيرها، فتح "أوربليو أسكوفار"؛طبيب أسنان لا يحمل شهادة علمية تؤهله لمزاولة مهنة التطبيب؛ عيادته في الساعة السادسة.
    أخرج من الدولاب الزجاجي بضعة أسنان ما زالت في قوالبها الكلسية، وعلى المنضدة، وضع مجموعة من الأدوات في ترتيب حسب حجمها كما لو كان يهيئها لعرض.
    كان يرتدي قميصا مخططا بلا ياقة، مسدودا من العنق بمشبك ذهبي، و سروالا بحمالات.
    كان مستقيم القامة، نحيفا، لا ينسجم مظهره مع المهنة التي يزاولها،و كانت حالته توحي بأنه رجل أصم.
    و حين أكمل ترتيب الأدوات على المنضدة، جذب المثقاب ناحية كرسي العمليات وجلس لصقل الأسنان الاصطناعية، كان يبدو شارد الذهن، لا يفكر في ما يقوم به من عمل، بيد أنه كان يواصل عمله بشكل آلي و متقن و قدمه تضغط على عتلة المثقاب دون توقف.
    في الساعة الثامنة، توقف لحظة عن العمل و نظر إلى السماء من النافذة، فرأى صقرين يجففان نفسيهما تحت أشعة الشمس على إفريز سطح البيت المجاور. و ما لبث أن عاد إلى مواصلة عمله متوقعا في خاطره نزول أمطار قبل موعد الغداء.
    قطع عليه تركيزه صوت ابنه الحاد البالغ من العمر إحدى عشر سنة :
    ـ بابا
    ـ ماذا؟
    ـ العمدة يريد أن يعرف إن كنت مستعدا لخلع ضرسه.
    ـ قل له إنني غير موجود.
    و واصل صقل سن ذهبية. رفعها أمام ناظريه وراح يتفحصها بعينين نصف مغلقتين.
    و عاد صوت ابنه آتيا من غرفة الانتظار الصغيرة:
    ـ يقول العمدة إنك موجود، لأنه يسمع صوتك..
    واصل الطبيب يتفحص السن دون أن يرد، و حين أنهى عمله، وضع السن على المنضدة ثم قال:
    ـ الأفضل أن يسمع
    و أعاد تشغيل المثقاب مرة أخرى، ثم أخرج من علبة في خزانة بضعة قطع مُلزم بإتمامها، وراح يباشر عمله صقلا و تعديلا.
    ـ بابا
    ـ ماذا؟
    سأله دون أن تتغير ملامح وجهه..
    ـ يقول العمدة إنك إذا لم تخلع له ضرسه فسوف يطلق النار عليك.
    و دون تسرع، و بحركة تتسم بالهدوء الشديد، توقف عن تشغيل المثقاب، دفعه بعيدا عن كرسي العمليات، و جذب الدرج الأسفل للمنضدة إلى آخره، كان بالدرج مسدس، و قال لابنه:
    ـ حسن، قل له أن يدخل و يطلق النار علي.
    و دفع الكرسي في مواجهة الباب، واضعا يده على حافة الدرج.
    ظهر العمدة عند المدخل، كان خده الأيسر حليقا، أما الثاني فكان متورما لم يحلق زغبه منذ خمسة أيام.
    قرأ الطبيب في عينيه الباردتين ليال طويلة من الوجع و الأرق. أغلق الطبيب الدرج بأطراف أصابعه، و قال في لطف:
    ـ اجلس.
    قال العمدة:
    ـ صباح الخير
    فرد الطبيب ببرودة:
    ـ صباح الخير
    و بينما انهمك الطبيب في تعقيم أدوات إجراء العملية، أسند العمدة رأسه على مسند الكرسي فأحس بقليل من الراحة، و أنفاسه تطلق بخارا في فضاء العيادة التي كانت متواضعة: كرسي خشبي عتيق، مثقاب بدواسة، و دولاب زجاجي يحتوي على قناني خزفية. و يقابل الكرسي نافذة تغطيها ستارة لا يتجاوز ارتفاعها الكتف. و عندما أحس العمدة بدنو الطبيب منه، شد على عقبيه و فتح فمه.
    أدار أوربليو أسكوفار رأس العمدة ناحية الضوء. و بعد أن تفحص السن الملتهبة، أغلق فك العمدة محاذرا و قال:
    ـ الخلع لابد أن يتم بدون مخدر
    ـ و لماذا؟
    ـ لوجود قيح.
    نظر العمدة في عيني الطبيب، ثم قال أخيرا محاولا الابتسام:
    ـ حسنا
    و لم يرد الطبيب على ابتسامة العمدة، و بالمقابل حمل إناء الأدوات المعقمة وضعه على المنضدة و راح يخرجها من الماء الفوار بملقط صغير.
    كان الطبيب يتحرك على مهل كما لو أنه ليس في عجلة من أمره. ثم دفع المبصقة بطرف حذائه، و ذهب ليغسل يديه في المغسلة.
    فعل كل ذلك دون أن ينظر إلى العمدة، إلا أن هذا الأخير لم يحد عينيه عنه و لو للحظة.
    كان الأمر يتعلق بضرس عقل. و ما لبث الطبيب أن وسع ما بين قدميه، و أمسك الضرس بالكلاب الساخن. تشبت العمدة بذراعي الكرسي، و شد على قدميه بكل قوة، و هو يشعر بفراغ بارد في كليتيه، بيد أنه لم يصدر عنه أي صوت . لم يتحرك من الطبيب سوى رسغه فقط، و دون ما حقد أو ضغينة، بل برفق تشوبه المرارة، قال للعمدة:
    ـ الآن ستدفع ثمن قتلانا العشرين.
    شعر العمدة بانسحاق في فكه كانسحاق العظام، و فاضت عيناه بالدموع. لكنه لم يتنفس إلى أن أحس بأن الضرس قد اقتلع، ثم رآه من خلال الدموع.
    بدا عليه استغراب كبير من الآلام التي عانى منها على مدى الخمسة أيام الفائتة، إلى حد أنه عجز عن فهم ذاك العذاب.
    انحنى العمدة على المبصقة لاهثا يتصبب عرقا،فك أزرار سترته الرسمية، و مد يده إلى جيب سرواله ليخرج منديلا، فناوله الطبيب قطعة قماش نظيفة قائلا له:
    ـ امسح دموعك.
    كان العمدة يرتعش و هو يمسح دموعه. و بينما كان الطبيب يغسل يديه، كان العمدة يتأمل السقف المتداعي يتدلى منه نسيج عنكبوت مغبر و قد علقت به حشرات ميتة. عاد الطبيب و هو يجفف يديه.
    قال للعمدة:
    ـ خذ لك غرغرة ماء مالح، ثم اذهب إلى الفراش.
    نهض العمدة واقفا،و سلم بتحية عسكرية باردة، ثم تحرك في اتجاه الباب و هو يجر ساقيه، دون أن يغلق أزرار سترته، و قرب الباب قال:
    ـ ابعث بالفاتورة.
    ـ إلى من؟.. إليك أم إلى مكتب البلدية؟
    لم يلتفت إليه العمدة، بل قال و هو يغلق الباب خلفه:
    ـ لافرق.


  15. #15
    عـضــو
    تاريخ التسجيل
    05/07/2007
    المشاركات
    44
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي

    الأستاذ عبد الحميد
    تحية لك من بغداد الهادئة هذه الأيام
    للمرة الثالنية والثالثة والرابعة امر على قصصك المترجمة ( قصص ن امريكا اللاتينية )
    اقرأ بمتعة هائلة ، لما تتوفر عليه هذه القصص من لغة راقية ، وموضوعات تشبه في تفاصيلها
    هموم مجتمعنا ، واقول لك احسنت الأختيار ، انت القاص المبدع ، دائما
    وهذا هوالذي يهمنا من هذه المنتديات التي جعلتنا نقرأ لمبدعين كنا قد حفرنا لهم في ذاكرتنا
    اسما معتبرا ، لقد جعلتني هذه القراءات المتعددة لهذه القصص التفكير بنشرها مجتمعة تحت
    باب ( قصص من امريكا اللآتينية ) ترجمة عبد الحميد الغرباوي في مجلتنا ، طبعا بعد موافقتكم على ذلك.



    اخيرا سلمت مبدعا رائعا

    كامل عويد العامري


  16. #16
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة كامل عويد العامري مشاهدة المشاركة
    الأستاذ عبد الحميد
    تحية لك من بغداد الهادئة هذه الأيام
    للمرة الثالنية والثالثة والرابعة امر على قصصك المترجمة ( قصص ن امريكا اللاتينية )
    اقرأ بمتعة هائلة ، لما تتوفر عليه هذه القصص من لغة راقية ، وموضوعات تشبه في تفاصيلها
    هموم مجتمعنا ، واقول لك احسنت الأختيار ، انت القاص المبدع ، دائما
    وهذا هوالذي يهمنا من هذه المنتديات التي جعلتنا نقرأ لمبدعين كنا قد حفرنا لهم في ذاكرتنا
    اسما معتبرا ، لقد جعلتني هذه القراءات المتعددة لهذه القصص التفكير بنشرها مجتمعة تحت
    باب ( قصص من امريكا اللآتينية ) ترجمة عبد الحميد الغرباوي في مجلتنا ، طبعا بعد موافقتكم على ذلك.
    اخيرا سلمت مبدعا رائعا
    كامل عويد العامري
    كلنا أمل ، أخي كامل، في أن يعم الهدوء و السلام كل ربوع العراق الحبيب...
    و أتمنى أن تجد لهاهذه النصوص المترجمة وقعا حسنا في نفوس قراء مجلتكم...
    مودتي


  17. #17
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة كامل عويد العامري مشاهدة المشاركة
    الأستاذ عبد الحميد
    تحية لك من بغداد الهادئة هذه الأيام
    للمرة الثالنية والثالثة والرابعة امر على قصصك المترجمة ( قصص ن امريكا اللاتينية )
    اقرأ بمتعة هائلة ، لما تتوفر عليه هذه القصص من لغة راقية ، وموضوعات تشبه في تفاصيلها
    هموم مجتمعنا ، واقول لك احسنت الأختيار ، انت القاص المبدع ، دائما
    وهذا هوالذي يهمنا من هذه المنتديات التي جعلتنا نقرأ لمبدعين كنا قد حفرنا لهم في ذاكرتنا
    اسما معتبرا ، لقد جعلتني هذه القراءات المتعددة لهذه القصص التفكير بنشرها مجتمعة تحت
    باب ( قصص من امريكا اللآتينية ) ترجمة عبد الحميد الغرباوي في مجلتنا ، طبعا بعد موافقتكم على ذلك.
    اخيرا سلمت مبدعا رائعا
    كامل عويد العامري
    كلنا أمل ، أخي كامل، في أن يعم الهدوء و السلام كل ربوع العراق الحبيب...
    و أتمنى أن تجد لهاهذه النصوص المترجمة وقعا حسنا في نفوس قراء مجلتكم...
    مودتي


  18. #18
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي إيربيرتو ساليس (البرتغال)/ الثـــأر

    الثـــــــأر

    إيربيرتو ساليس
    *
    (البرتغال)

    نقلها إلى اللغة العربية: عبد الحميد الغرباوي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    بعد مراسم الدفن، جمعت المرأة أبناءها الخمسة حولها، كما لو أنها تحاول و إياهم عمل المستحيل لإعادة استحضار زوجها جواوو فلورو الذي أغتيل أول أمس.
    بيد أن هذه المواساة الحزينة لم تقو سوى يقينها بأنها أصبحت و بمعية أبنائها الخمسة بلا أب. و أجهشت باكية.
    و من الخارج أتى نداء:
    ـ هل من أحد هنا؟..
    ردت باكية:
    ـ من هناك؟
    ـ شخص يريد لكم الخير.
    مسحت عينيها بأسفل التنورة التي تنزل إلى ما تحت الركبتين، و ذهبت لتعرف من يكون ذاك الشخص. رجل ذو قامة فارعة، و لحية بيضاء، يقف قرب فجوة أحدثها الباب الذي لم يكن مغلقا.
    كان ذاك الشخص هو الكولونيل أورينسيو. جاء شخصيا ليقدم لها دعم العدالة، و كذلك ليعلن لها أنه لن يدخر جهدا داخل الكفر، واعدا إياها أن ينفذ مهمته: الذي يقتل يجب أن يموت.
    لا، المرأة لا تريد انتقاما. يكفي ما سال من دماء. لقد فوضت أمرها لله.
    ـ لكن، باسم الرب أتيت إلى هنا، قال الرجل. المجرم في الأسر. و عليه الآن أن يؤدي من حياته ثمن قتله المرحوم جواوو فلورو، صاحب الروح الطاهرة، و الذي مات بريئا.
    ـ لست سوى أرملة بائسة، أنّت المرأة. لدي خمسة أطفال هم في حاجة إلى رعاية .
    أعرف كولونيل أورينسيو مدى ما لديك من نفوذ و قوة. لكن و أرجوك ألا تعتبر طلبي إساءة إليك: ليس استعمال هذا النفوذ هو الذي سيساعد أطفالي.ليس الثأر هو الذي سيمكنني من إعالتهم.
    ـ ليس هناك علاقة بين الاثنين، قال الكولونيل. أطفال الراحل جواوو فلورو لن يموتوا جوعا، بفضل الرب، على الأقل ما دمت على قيد الحياة. لكن القرار اتخذ: سيُثأر لجواوو فلورو، لأن ذلك هو الذي يجب أن يحدث.عندي سلفا الشخص الذي سيقوم بهذه المهمة.
    و رفع يده مودعا:
    ليرعاك الرب، سيدتي إيرنيستينا !
    ثم فرقع أصابعه مثيرا انتباه كلب ضخم أشهب تبعه حالا وفي صمت، ابتعد على الطريق الذي يحاذي الحاجز و توارى خلف أجمة أشجار ذات أغصان مشذبة.
    كان جواوو فلورو بريئا. لم تكن له علاقة بسرقة الأبقار. يا للرجل التعس ! أي رغبة تلك التي دفعته ذلك اليوم ليذهب إلى المدينة.
    فكرة واحدة كانت تشغل بورسينو، مالك الأبقار، و يدافع عنها ألا و هي أن الحق إلى جانبه: كان يريد أن ترد إليه بهيمته،هذا كل ما في الأمر، كانت بقرة جيدة، و كانت تحمل علامة.
    و حتى لو لم تكن كذلك، فإنها كانت تعتبر واحدة من قطيعه، هذا كل شيء: لكل واحد ما كسب.
    انطلق الجدال في السوق. ارتفعت درجة حرارة بورسينو ، فدفع جواوو فلورو، ثم و قد فقد كل سيطرة على نفسه، و مدفوعا برغبة في سفك الدماء و القتل، انتهى به المطاف إلى أن يطعنه بخنجره في بطنه لمرات ثلاث، من تحت إلى فوق و بكل ما أوتي من قوة.
    سقط جواوو فلورو على الأرض. لكنه تلقى طعنة رابعة، و هذه كانت في القلب، لتصفيه تصفية نهائية.
    " إنسان جبان و دنيء" قال الكولونيل أورينسيو في داخله، بينما هو يسير، مسترجعا ما نقله إليه شاهدان كانا حاضرين لحظة الحادث: القروي بيدرو بولينو و ابنه، شخصان يُشهد لهما بالاستقامة، و هما محل ثقة ، و يستحيل أن يكذبا. و هما اللذان حضرا وقائع الحادث كلها، و كان أن ثارت ثائرتهم.
    و بورسينو؟ هل بقي هناك، ذاك النذل؟ هل فر هاربا؟
    فر إلى مركز البوليس، و هناك سلم نفسه للعدالة. لم يكن له خيار ثان. السجن كان المكان الوحيد الذي يضمن الأمان لحياته ، ذلك لأنه يعرف الآن، و الرب وحده يعرف كيف نسي في سورة غضبه: أن جواوو فلورو يتمتع بحماية الكولونيل أورينسيو.
    عاد الكولونيل أورينسيو إلى بيته و استدعى الرجل الذي اختاره للمهمة:
    ـ حاول العثور على وسيلة ليُقبض عليك. و حين تصير في السجن، وفي اللحظة المناسبة، تخلص من بورسينو، لكن افعل بسرعة. لقد قتل جواوو فلورو دون سبب ، و عليه أن يؤدي ثمن ما تسبب فيه من أدى. الذي يقتل يجب أن يموت. بعد ذلك سأعمل على إخراجك من السجن. أم أن لديك شك في ما لدي من نفوذ.
    بيزيكا، هكذا يلقب الرجل المكلف بالمهمة، ملون ، ذو أنف شامخ، لم يكن لديه شك في ذلك. من يكن تحت حماية الكولونيل أورينسيو لا يظل في السجن و لو بسبب قتل. يكفي أن يمثل أمام المحكمة، ثم يطلق سراحه بعد ذلك. كان الكولونيل أورينسيو ذا نفوذ كبير، و حين يقدم وعدا، فلا بد أن يفي به .
    ـ عندما تصبح حرا، سأسلمك النصف الآخر، تابع الكولونيل. و الآن يمكنك أن تنصرف. اذهب، و اعمل على أن تجد وسيلة ليُقبض عليك.
    طبعا، عليه أن يجد طريقة ليُقبض عليه، لأنه إذا لم يودع السجن، فلن يتمكن من الدخول، و إذا لم يتمكن من الدخول، فلن يتمكن من الاقتراب من بورسينو و القضاء عليه.
    اختلق فوضى في ملهى للقمار. لكن و لا أحد استدعى البوليس للقبض عليه. فقط تصايحوا:
    ـ أخرجوه من هنا !
    و بعدها مباشرة، أخذوا بيزيكا من رقبته و رموا به إلى الخارج، مغلقين خلفه الباب. خبط على الباب، مهددا بتحطيمه. و في النهاية توقف عن الاستفزاز. أولئك الذين كانوا يلعبون في الداخل لم يحركوا ساكنا.
    الوحيد الذي تحرك، كان هو بيزيكا، الذي توجه إلى بار. طلب قنينة "كشاسا"، معلنا أنه لن يؤدي ثمنها، مصمما على أن يصل إلى هدفه: إحداث الفوضى، و دخول السجن. لكنهم أحضروا له الشراب، لأن رجلا انبثق من حيث لا يدري ، قائلا بهدوء، و بنبرة ودية:
    حسنا، أنا الذي أؤدي الثمن.
    و بالإضافة إلى القنينة الأولى، قنينة أخرى، و اثنتين أخريين، الأخيرة سعتها لترا بالتمام و الكمال. و في خضم " الكشاسا"، لم تحدث المشاحنة التي كان على بيزيكا أن يحدثها ، تحولت إلى صداقة. حتى أن جنديا من الكتيبة كان يتواجد في عين المكان انظم إليهما، و شاركهما الشراب.
    أغلق البار أبوابه، و العديد من السكارى توزعوا عبر الدروب. و في أول ركن من الزقاق، و بينما كان بيزيكا يتلفظ بكلمات نابية، تذكر فجأة أمر الكولونيل أورينسيو.
    "حاول أن تجد وسيلة للقبض عليك".
    بداية، و لحظة التذكر، خيل إليه أنه يسمع صوتا قادما من بعيد، لكن مباشرة بعد ذلك، خيل إليه أن هناك من يصرخ قرب أذنه.
    لم يضيع وقتا.
    لمح عاهرة على الجانب الآخر من الزقاق، أسفل عامود نور. اقترب منها،كما لو أنه يريد منها شيئا آخر، و طعنها بسكين طعنتين ـ الواحدة تلو الأخرى. في هذه المرة، كان يجب القبض عليه.
    أطلقت الفتاة صرخة مرعبة و سقطت مترنحة على الرصيف. كان أشخاص قد تجمعوا، أقبل جنديان و قادا بيزيكا إلى السجن.
    صرح ، أثناء الاستنطاق:
    أردت فقط أن أخدش ذراعها بسكيني. لكنها تحركت خطأ فأصابها النصل إصابة بليغة حد الإدماء.
    ـ تحركت خطأ، هه؟ قال وكيل الأمن. حسنا، لتعلم أنك قتلت الفتاة. إنها الجريمة الأكثر دناءة التي لم نشهد مثلها أبدا هنا.
    و وضع السكين في الدرج كي يقدمه يوم المحاكمة.
    أودع بيزيكا السجن، أخيرا سيجد بورسينو. أسبوعان بعد ذلك، ، وذات ليلة، و بينما كان بورسينو يغط في نوم هادئ، جذب منه بيزيكا حزامه و طوق به عنقه ، ثم شنقه. أطلق بورسينو أنة مختنقة، لكنها كانت من القوة ما جعل بقية السجناء يستيقظون. كانوا أربعة و، غضبا مما رأوه، دفعوا بيزيكا إلى ركن الجدار و بواسطة ملاءة ، شنقوه بدوره.
    في الصباح الباكر، عثر حارس السجن على الميتين.
    ولا تزال التحريات جارية.
    الكولونيل أورانسيو، عندما علم بما حدث، قال للذي حمل له الخبر:
    ـ لقد نال النهاية التي يستحقها.
    ـ من؟ سأل الرجل. بورسينو أم بيزيكا؟
    رفع الكولونيل عينيه إلى السماء، و أجاب بهدوء، بعد أن صنع بأصابعه في الهواء إشارة صليبه:
    ـ الاثنان. كل واحد منهما يشبه الآخر.

    ـــــــــــــــــــــــــــ
    * من مواليد باهيا عام 1917.صحفي ، ناشر، روائي و قصصي. تحصّل على الكثير من الجوائز الأدبية.عضو الأكاديمية البرازيلية للآداب. من بين أعماله نذكر: حكايات عادية (1966)، و روايته " أوجه الزمن" صدرت بالفرنسية سنة 1991.


  19. #19
    أستاذ بارز الصورة الرمزية وفاء الحمري
    تاريخ التسجيل
    01/07/2007
    المشاركات
    1,072
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي

    شكرا لهذا الجهد يا عبد الحميد
    فتح الله عليك


  20. #20
    قاص وناقد
    مشرف وكالة واتا للأنباء سابقاً
    الصورة الرمزية عبد الحميد الغرباوي
    تاريخ التسجيل
    08/01/2007
    العمر
    67
    المشاركات
    1,763
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وفاء الحمري مشاهدة المشاركة
    شكرا لهذا الجهد يا عبد الحميد
    فتح الله عليك
    لا شكر على واجب يا وفاء....
    كلما نجحت في ترجمة رائعة من روائع أدب أمريكا اللاتينية، أشعرمع ذاتي أني حققت إنجازا رائعا يفوق ما أشعر به حين أنهي كتابة قصة قصيرة من تأليفي...
    الآن بلغ مجمل هذه النصوص تسعة و أنا مصمم على أن يتضاعف هذا العدد، فترجمتي لهذا الأدب أعتبره علامة مائزة في حياتي الأدبية.
    مودتي


+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

الأعضاء الذين شاهدوا هذا الموضوع : 3

You do not have permission to view the list of names.

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •