آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: من كتابي : "الأختامُ الأسطوانيّةُ فَنٌّ وتَوْثيقٌّ " - 1- د. شاكر مطلق

  1. #1
    أستاذ بارز الصورة الرمزية الدكتور شاكر مطلق
    تاريخ التسجيل
    01/04/2007
    العمر
    81
    المشاركات
    259
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي من كتابي : "الأختامُ الأسطوانيّةُ فَنٌّ وتَوْثيقٌّ " - 1- د. شاكر مطلق

    الأختامُ الأسطوانيّةُ
    فَنٌّ وتَوْثيقٌّ (*)
    - 1 -


    Roll Siegel
    Cylinder Seal
    Signum
    (Study by : Dr. med. Shaker MUTLAK )

    SIZE="5"] د. شاكر مطلق[/SIZE]



    موجز تاريخ المنطقة ونشوء الحضارة :
    الكتابة وظهور الأختام الأسطوانية وأساليبها
    د. شاكر مطلق
    البدايات :

    يعود عهدُ ما يسمى بـ " العصر الحجري القديم "( 000 00 7 – 000 0 1 ق.م ) إلى بداياتٍ مغرقة ٍفي القِدَم تصِل ، في شرقنا القديم ، إلى أكثر من مليون عام ، كما تشير الأبحاث إلى وجود دلائل على أول نشاط " إنساني " في المنطقة يعود إلى أكثر من ( 700 ) ألف عام ، ممثَّـلاً باكتشاف أدوات حجرية صَوّانية مصنّعةٍ كالفؤوس اليدوية ورؤوس السّهام التي كانت تستخدم لأغراض الصيد وغيره والتي كان يتمّ صنعها عن طريق ما يسمى بـ " الـتَّـقصيب الحجري " أي بالتفكير مسبقاً بشكل الأداة المطلوب عملها وبطريقة استعمالها لاحقاً ( للمزيد انظر المرجع 19 ) ، وكان " الإنسان " قادراً وعارفاً كيف يوقد النارَ في المواقد . ينتمي هذا الشكل البشري إلى النوع المسمى " هومو إرِّكتوس – Homo Erectus " الذي انتشر في مختلف أنحاء العالم القديم قبل 1.7 مليون عام ، قام بتصنيع الفؤوس الحجرية التي عثر عليها في موقع " ست مرخو – 17 كم شمال اللاذقية في سورية – وكذلك في مواقع " القرماشي " و " اللطامنة " على العاصي وكذلك في بادية تدمر ، وتعتبر هذه الأدوات من أقدم آثار " إنسان " ما قبل التاريخ التي عثر عليها خارج القارة الإفريقية ، وكان قد تلا النوعَ المسمى بـ " هومو هابـيليس – H. Habilis " – أي الماهر – الذي كان قد ظهر قبل 2.5 مليون عام .ثم ظهر النوعُ المسمى بـ " هومو زابين – H . sapien " وإليه ينتمي ( الإنسان النّيانْـدِرتالي - Neandertaler )وذلك قبل حوالي مئتي ألف سنة
    وكذلك النوع الثاني من " الزَّابين " المسمى بـ " هومو زابين زابين – H . S. Sapien " . تعد منطقة " تل مريبط " – " الكوم " - " اللطـامنة " على نهر العاصي وكذالك موقع " قادش " – تل النبي مندو ، قرب القصير / حمص – وكذلك في موقع " الجرف الأحمر " – على الفرات - حيث وجدت فيه أوائل تجمعات السكن " القرى " في بـيوت طينية دائرية الشكل أولاً وأصبحت لاحقاً مستطيلة ومربعة وإهليلجية الشكل ، إلى جانب أدوات متنوعة صَوانية – حجرية وعظمية وبقايا طعام ومواقد – وهي من أقدم المواقع الأثرية في بلادنا ( الألف الثاني عشر ق. م )، وأيضاً في مغائر " يبر ود " حيث عاش هناك النوع المسمىبـ ( الإنسان النّيانْـدِرتالي - Neandertaler ) – نسبة إلى المنطقة التي وجدت فيها بقاياهيكله العظمي في مقلع كلسيّ قبل قرن تماماً عام 1856 في ألمانيا (غ) - وهي قريبةً من مدينة " دوسلدورف " الحالية . كما تم في العام 1997 العثور في نفس المنطقة على قطع كانت مفقودة من الجمجمة ، وقام الباحث الألماني " رالف شميت " وبمساعدة علماء من اختصاصات مختلفة وبواسطة برنامج خاص على الحاسوب بإظهار شكل هذا الكائن بأبعاده الثلاثة وأصبح من الممكن رؤية شكله الحقيقي تقريباً .
    كانت هذه الخطوة نحو استقرار هذه الكائنات في القرى قد ظهرت على يد " النَّطوفيين " – نسبة إلى وادي نطوف في جبال القدس والخليل في فلسطين ، وهم جماعات بشرية انتشرت مابين وادي النيل غرباً والفرات شرقاً في الألف الثاني عشر ق.م ، وإلى هذه المرحلة النطوفية تنسبُ في سورية مواقع " المريبط " و" أبو هريرة " – على الفرات الأوسط – ومغائر" يبرود " – جبال القلمون – وكذلك مغارة " الديدرية " في وادي عفرين – حلب - . تلتها " الحضارة الخيامية " – نسبة إلى موقع الخيام في فلسطين التي امتازت بصناعة رؤوس السهام الخاصة بها – ( 9500 – 8700 ق . م ) وكذلك" الحضارة المريبطية " على الفرات الأوسط من نفس العصر وأيضاً " حضارة أسوديان " – نسبة إلى الموقع الأسودي في غوطة دمشق التي امتازت بإتقان فن العمارة والإنتاج الفني وبدء ظهور التنظيمات الاقتصادية والاجتماعية – .
    مرَّ العصر الحجري الحديث ( النيوليت - Neolith ) بعدة مراحل وعصور وميزات مختلفة يمكن إيجازها بما يلي:
    ( فلسطين ) .

    ميزات العصر الحجري الحديث :
    1 - ظهور القرى الأولى : المريبط – شيخ حسن – الجرف الأحمر – العبر على الفرات – قرامل .
    2 – ظهور العمارة الدائرية والمستطيلة والمربعة .
    3 – ظهور التقنيات الجديدة في صناعة الأدوات الحجرية من أواني ورؤوس سهام ومخارز ونصال .
    4 – ظهور الزراعة والـتّدجين .
    5 – ظهور التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية .
    6 – ظهور الطقوس الشعائرية المنظمة ( الدينية ) .
    أما فيما يتعلق بمراحل وعصور النيوليت الحديث وحضارته فيمكن تقسيمها – بإيجاز - إلى المراحل التالية :
    1 – المرحلة الخيامية ( 10200 – 10000 ق .م ) : تصنيع رؤوس السهام الأولى ، التقاط الثمار ، صيد الحيوان والأسماك .
    2 – المرحلة النطوفية – في المشرق – ( 10000 – 9500 ) : القرى الدائرية الأولى ، تصنيع أدوات ميثولوجية ، إلى جانب الصيد وجمع الثمار .
    3 – المرحلة : السُّلطانية – تل الأسود – المريبط ( 9500 – 8700 ) : القرى الدائرية الكبيرة ، الأبنية الأولى ثلاثية الزوايا على نهر الفرات ، بدء الزراعة قبل التدجين ، انتشار المريبطية باتجاه الأناضول والجنوب المشرقي .
    4- مرحلة " النيوليت " القديم - - P.P.N.B على الفرات ( 8700 – 8200 ) : منازل ثلاثية الزوايا ، تسليح جديد ، زراعة قبل التدجين .
    5 - مرحلة " النيوليت " الوسيط - - P.P.N.B ( 8200 – 7500 ) : في العمارة ، ظهور الزوايا ثلاثية النمط ، انتشار زراعة الحبوب والخضروات ، تدجين الماعز والغنم والخنزير والثور ، بعد أن كان الكلب أول الحيوانات المدجنة .
    6 – مرحلة " النيوليت " الحديث- - P.P.N.B ( 7500 – 7000 ) : الانتشار في الساحل والأناضول الغربي ، ظهور أنواع جديدة مهجنة من الحبوب .
    7 – مرحلة ظهور السيراميك في المشرق ، ثقافات بدوية ، زراعية ، رَعَوية في الصحراء وعلى ضفاف الفرات وأيضاً علىسواحل أوروبا الوسطى . ( للمزيد انظر المرجع 24 ) .
    عاش إنسان هذا العصر على الصيدِ وجْمعِ الثمار ، وهو أول الكائنات شبه الإنسانية الذي قام بدفن موتاه .
    انقرض الكائن " النياندرتالي " في ظروف غامضة – لها علاقة على ما يبدو بعدم إمكانيته على التأقلم مع مناخ العصر الجليدي - وذلك قبل حوالي 35 ألف عام أي بعد ظهور النوع ( الأرقى ) الذي ننتمي إليه وهو إنسان " كرومانيون –Cro-Magnon " أي " زابين زابين " قبل حوالي خمسين ألف عام، الذي وجدت آثاره في كفزة والسخول في فلسطين ، وانتقل من هنا إلى أوروبا واجتاز مضيق " بـيرنغ " بين أسيا وأمريكا الشمالية وسكنها منذ حوالي ثلاثين ألف عام متأقلماً مع مختلف أشكال المناخات في مناطق العالم المختلفة .
    في هذه الفترة أصبح بالإمكان الآن الـتّحدُّث عن " الإنسان العاقل – Homo sapiens " كما نعرفه اليوم ، الذي طوّر وسائط الصيد وأوجد السكاكين والبلطات والسهام الحجرية ، التي مكّنته من اصطياد حيوانات صغيرة أسرع منه مثل الغزال والماعز الجبلي والخنزير والدّب ...الخ وفي وقت لاحق بمساعدة الذّئب المدجّن – الجد الأول لكل أنواع الكلاب - .
    كان الصّيد عمليةً طقوسيّة تستدعي استحضار الأرواح للمساعدة فيها ،وقد وصلنا العديد من المشاهد المرسومة في المغائر وغيرها التي توثّقُ لهذه الطقوس :
    1- خلال فترة ما يسمى " بدايات العصر الحجري الحديث " ( 10000- 8200 ق.م ) الذي ينقسم إلى عصر ما قبل الفخار( Pre- P.P.N. )و الذي ينقسم بدوره إلى العصر أ (-( P.P.N. A و ب ( P P.P.N. ) وإلى العصر الفخاري حيث استقر الإنسان وأنشأ مجتمعاً زراعياً – حوالي 7700 ق.م – وقد استثمر الإنسان الحبوب البرية كالشعير وبر القفقاس والشليم وقام بقشرها أيضاً وزرع الحبوب ( القمح وغيره ) ولم يكن هذا ممكناً قبل ترويض النّهرين – دجلة والفرات – بنوعٍ من نظام الرّي والأقـنية بسبب الفيضانات والرياح الموسمية التي تدفع بالمياه المالحة بمصب النهرين ، وكانا حتى القرن الرابع ق.م يلتقيان معاً في شمال السهل الطّميي .
    دجّن الحيوان ( الذئب – أصل كل أنواع الكلاب) وربّى الغنم والماعز والخنزير واصطاد الثور البري والغزلان وغير ذلك ، وأخذ يزيّن جدران مسكنه وأرضيته ، ويدفن موتاه تحتها – الأمر الذي نشاهده بعد ذلك بزمن طويل جداً في أوغاريت من القرن الرابع عشر ق.م - ، وكان يصنع للمتوفين مجسّمات جصّية كأقنعةٍ يضعها على جماجم موتاه ، وأصبح الصيادون وجامعوا الثّمار فلاحين ومربي ماشية – حفريّات " تل مـربيط " 8500 ق.م – من هذه المرحلة أيضاً، مرحلة ما قبل الفخّار ، وُجدَت ثلاث مستوطنات : " جارمو – Jarmo " ، " حسّونة – " Hassuna في شمال بلاد الرّافدين ، " جرَش –jericho " في فلسطين ، وقد أُحيطت هذه المستوطنات بأسوار حجريّة ضخمة .
    2- في فترة " العصر الحجري الحديث الفخاري " ( 6000 – 4500 ق .م ) ، المعروف أيضاً باسم (عصر حلَف – عوزانا ) – سورية ، نسبة إلى تل حلف في مثلث منابع نهر الخابور ومنه انتشرت صناعة الفخار وبخاصة الملون منه إلى مناطق الجوار وإليها صُدِّرت أيضاً ، و يسمى أيضاً بـ ( عصر سامرّاء ) - نسبة إلى المدينة الرّافدية الجنوبية في العراق – . يحدد الفخار المشوي بدء هذه المرحلة .في هذا العصر نشأت المدن الأولى والمدينة الدولة ( أوروك – جمدة نصر ) خلال الألف الرابع ق.م ، وظهر الختم المسطح في الألف السادس ق.م .


    الشكل ( 1 ) فخار من " تل حَلَف " – " عوزانا " .

    وبقيت الزراعة وتربية المواشي فيها الركنَ الأهم في حياة المجتمع ذي البنية الطبقية المتكافئة ، وفي هذا العصر انتشر استعمال الختم المسطح كتميمة ( رقية ) أولاً وذلك في أواخر الألف الخامس وبدء الألف الرابع ق .م .
    وتتالت العصور التي أدّت لاحقاً إلى نشوء حضارة إنسانية حقيقية تجلّت في البناء واستصلاح الأراضي وإنشاء الأقـنية الاصطناعية ، والزراعة وتمّ تدجين الحيوانات المختلفة وابتكار صنع الفخّار وصهر المعادن :
    النحاس ( Cu ) : كان أوَّلَ معدِن اكتشفه الإنسان في العصر الحجري الحديث قبل أكثر من ثمانية آلاف عام ، وكان لهذا الاكتشاف أهمية بالغة في نشوء النظام الطبقي الاجتماعي . في المرحلة الممتدة ما بين العصر الحجري الحديث والعصر النحاسي يعتبر الفخار الملون هو المميز لهذه الفترة أكثر من المواد المعدنية المكتشفة حسب رأي " أ. مورتكارت " الذي يُقسِّمُ العصر النحاسي إلى :
    1 _ النحاسي المبكر ( عصر تل حلف ) .
    2 _ النحاسي المتوسط ( عصر العُبيد ) .
    3 _ النحاسي المتأخر ( عصر العُبيد 2 ) .
    كما قسم العصر التاريخي المبكر - لاحقاً – إلى :
    1 _ عصر أوروك الرابع .
    2 _ عصر جمدة نصر " نصار " .
    يذوب هذا المعدن في أفران خاصة بناها الإنسان القديم من الطين ، وضع فيها مجاري لـتوصيل الهواء إلى الفحم المشتعل ليرفع حرارتها إلى درجة 1100 مئوية اللازمة ثباتها لساعات كي يذوب هذا المعدن ، ووجدت مثل هذه الأفران في وادي عربة " الأردن " وفي منطقة " فينان " على وجه التحديد التي استمر العمل فيها لصهر النحاس واستخراجه حتى العصر الروماني . كان النحاس يتوضع على شكل فلزِّ أخضر في الصخر الأحمر الرملي . مثل هذا وجد على شواطئ البحر الأسود – منطقة " فارنا " البلغارية منذ 4500 عام ق.م ، وفيها عثر على قبور للأغنياء تضم النحاس والذهب بكميات كبيرة ( 6 كغ من الذهب في القبر الواحد ) وقد انقرضت هذه الحضارة حوالي عام 4200 ق.م بسبب الجفاف ، وكذلك عثر في البلقان" أرسلان طيبة " التركية على مثل هذه المناجم النحاسية وأفران الصهر .

    الشكل ( 2 ) ختم نحاسي من مصر 2300 ق.م . الشكل ( 3 ) ختم نحاسي - من مجموعتي –
    كان الزّرنيخ السّام يضاف إلى النحاس لتقوية صلابة هذا المعدِن الطري الأمر الهام في صناعة السيوف التي أصبحت أداة فعالة في يد من يملك هذا المعدن من أصحاب السلطة التي كانت السلطة الدينية ( الكاهن الأعلى ) قبل أن تنتقل إلى السلطة المدنية ( الملك ) وبعدها إلى السلطة الحربية ( القائد ) .
    في هذا العصر تمّ أيضاً اكتشاف الدولاب والمحراث مما أسهم كثيراً في تطور المجتمع من مختلف الجهات .
    البرونز : خليط يحتوي على %10من الزّنك أو أكثر إلى جانب النحاس وهو أقوى بكثير منه واستمر استعماله كسلاح فعال في أدوات الحروب لحوالي 1500 عام تالية .
    العصر البرونزي يقسم إلى مراحل ثلاث :
    1 – العصر البرونزي المبكر ( الألف الثالث ق.م ) .
    2 - العصر البرونزي الوسيط ( مطلع الألف الثاني ق.م ) .
    3 - العصر البرونزي الحديث ( حوالي 1600 – 1200 ق.م ) .
    وصلنا تاجٌ مقرّنٌ مصنوع من البرونز الحاوي على % 13 من الزنك ، يعود إلى العصر الأكادي وحتى الفترة المبكرة من العهد البابلي القديم ( 2370 – 1800 ق.م. ) وارتفاعه 9.5 سم وهو النسخة الوحيدة في العالم ، ويمثل التاج المقرّن كغطاء رأس ( طاقية ) رمزاً للآلهة قبل أن يستعمله ملوك سومر ، الأمر الذي نعرفه من الأختام الأسطوانية ومن غيرها من الأعمال الفنية اعتباراً من سلالة " أور " الأولى حتى العصر البابلي المبكّر ( عصر إيسين – لارسا ) – 2500 – 1800 ق.م - حيث أصبح هذا التاج يستعمل من قبل النساء أيضاً ويظهر تحته الشعر الطويل ويكاد ينحصر استعماله عليهن ، كما كان يوضع على حجارة الحدود وعلى النُّصُب التذكارية أيضاً المسماة بالبابلية " كودورّو – "Kudurru " .
    الحديد : جاء اكتشافه زمن " الحـثـيـّين " بعد اكتشاف النحاس والبرونز وأسهم أيضاً في دفع التطور الاجتماعي خطوات هامة نحو الأمام وبخاصة في المجال العسكري والاقتصادي ولا يزال إنتاج الحديد ومع شكله الأقوى ( الفولاذ ) يعـتبر - حتى يومنا هذا - من مؤشرات التقدم والقوة وينتج منه حالياً في العالم حوالي 15 مليون طن . تسمى العصور بأسماء هذه المعادن أيضاً . وبعد مخاض عسير ثم ابتكار الكتابة بأشكالها البدائية التي وصلت أعلى مراتبها في خلق الأبجدية وتوثيق المنجزات الفكرية وجوانب الحياة الأخرى العديدة ، في الفنون والمعتقدات والأساطير وأفضى هذا التطور إلى نشوء القرى الكبيرة فالمدن الصغيرة ثمّ المدينة المملكة ومن ثم الممالك والدول الأولى في التاريخ .
    3- في " العصر الحجري – النّحاسي " ما بين ( 4500-3300 ق.م) امتدت على طول الساحل السوري والمناطق الشمالية منها بخاصة أنظمةُ مستوطناتِ مجتمع قروي زراعي ، شواهدُه المادية تماثيلٌُ كـتلك التي تميّز ( حضارة العُبَيْد الشمالية ) أو " عصر العبيد – عصر أور " في العراق القديم ، ثم انتقل الثِّـقلُ الحضاري إلى جنوبي ما بين النهرين
    ( بلاد سومر ) وبدأت عملية التّمدن . في هذا العصر ومنذ منتصف الألف الرابع ساد استعمال الختم الاسطواني .
    4- " العصر السوري المبكِّر " (3300-2900 ق.م )، وهو ما يسمى في حضارة جنوبي بلاد الرافدين ( بعصر أوروك – الوركاء ) و( عصر جمدة نصر – نصّار - ) .
    استناداً إلى ترجمة كتاب ( تموز – عقيدة الخلود والتقمّص في فن الشرق القديم ) لمؤلفه الأستاذ أنطون مورتكات وإلى ترجمة تلميذه للكتاب الصديق المرحوم د.توفيق سليمان فهي ( جمدة نصّار ) – ويمكن لنا أن نورد هنا أيضاً عصر ملك مدينة " كيش " العراقية المسمى ( ميزيليم ) لما لهذه المرحلة – كما أرى – من أهمية قصوى في اتجاه النحت على الختم الأسطواني والانتقال من التّجسيد المجسَّم نحو التجريد في الأشكال وبخاصة في تشكيل مشهد ما يسمى بحيوانات المعبد أو "جَـوْقَة الحيوانات " ، حسب تعبير الأستاذ " أ.مورتكات ".تعتبر -حسب ما قاله لي الصديق المرحوم د. توفيق سليمان – اللحية المستعارة والجديلتان من مميزات مرحلة ميزيليم .
    هنا نجد التالي : ( ... اقتَصر التصوير تقريباً على فكرة البطل – تموز - ، دون غيرها البطل الذي يقهر قوى الشّر في صراعٍ من أجل الحِـفاظ على الحياة ، وكما هو الحال بالنّسبة لموضوع " شجرة الحياة " كذلك هو أيضاً بالنّسبة لـ " فكرة قاهر الحيوان " ، إذ بلَغ المرءُ فيها هذا الشّكل الرّمزيّ المجـرّد من خلال ازدواجيّة عناصر الصورة الفردية وتركيب الأشكال تركيباً تناظريّاً في نمط الشّعارات ، ورُفعت أشكالُ الحيوانات أثناء ذلك في معظم الأحيان في وضع مائلٍ نحو الأعلى تماماً كما هو الحال في فكرة " شجرة الحياة " خلال فجر التاريخ ) أ. مورتكات – أهـ .
    هذا التّبدّل نجده أيضاً في هذه المرحلة الطريفة من تاريخ وأساليب فن الحفر على الأختام بعامة ، وعلى الأسطوانيّة منها بخاصةٍ ، يَطال ما أسماه الأستاذُ أ. مورتكات " شريط الأشكال " حيث تبدو فيه أشكالُ الحيوانات متداخلةً ، متشابكةً ومتـصالبَةً بشكلٍ مناقض للطّبيعة ، وهنا على وجه الخصوص أرى شخصياً ، الإبداع المُـذهلَ والاختراق الجميل للشّكل ، من حيث كونه ( غيشتالتْ – Gestalt ) بمفهومه الجمالي _ Aestaetik – الوَسيع ، كما يَـطال التّجريد الصورة المتلازمة بين البطل والثور،لتشَكّل منها كائناً خرافياً هو " الإنسان – الثّور " الذي فُسّر خطأً بكونه " كِلكامِشْ " وهو ذلك الَمشهد الخالد الذي سنجده بعدها شائعاً لفترات طويلة على الأختام الأسطوانيّة . نشاهد على أختام المرحلة السومرية المبكرة الرجل الثور بشكل مزدوج وغالباً ما يهاجمه نَسر برأس أسد ، وهو ما يعرف بـ " إمدوغود - Emdugud " أو " أنزو - Anzu " - ولديَّ منه نسخة بازلـتية ( 50 x 36 سم ) ، وحسب دراسات العالم " بييير أمييت – P. Amiet " - فإن له علاقة بإله الشمس السّومري " أوتو – Utu أو شمش " ويرمز إلى الجبل أيضاً .

    الشكل ( 4- 5 ) الـ " إمدوغود - Emdugud " أو " أنزو - Anzu "
    إلى اليمين على حجر أسود ( من مجموعتي ) إلى اليسار على زهرية فضية 2500 ق.م .

    في العصر السّومري الجديد ( 2112 – 2004 ق.م ) طرأ تطور على الختم الأسطواني من حيث الموضوع ، فأضيفت إلى مشاهد تقديس الآلهة مشاهد تقديس ( نصف الآلهة – الملك ) إلى الموضوعات القديمة وبخاصة في مرحلة أور الثالثة ، حيث يظهر فيها الملك الجالس حاملاً قدحاً صغيراً وماداً يده نحو الربة الوسيطة والمتعبد .
    في هذا العصر ، ومن خلال التبادل المادي ، أثّّرت حضارةُ ( أوروك ) في إقليم ( الخابور ) . وأخذت الشواهد المبكرة للخط المسماري بالظهور ، وكان ( السومريون ) أول من استخدمه ، وبدأ ظهور الأختام الأسطوانية وصناعتها ( الأسلوب المجسم والأسلوب الـ ( المدوّر ) وفي حوالي (0300 ق.م ) تم التخلي عن مستقرات حضارة ( أوروك ) وتم الانتقال من المجتمع البدائي إلى مجتمع الطبقات .
    5- " العصر السوري المبكر الثاني " ( 2900-2350 ق.م ) ( في العراق عصر السلالات المبكرة ) ويسميه ( أ. مورتكات )
    ( عصر السلالة الأولى في أور ) وتمثَّل بخاصة في مدينة ( لاجاش ) في الجنوب من بلاد ما بين النهرين ، ويروي آخر ملوكه أنه وصل بفـتوحاته إلى البحر الأبيض المتوسط . نشأت المراكز المدنية الكبيرة مثل ( تل ليلان ) في مثلث منابع الخابور ، (حضارة الهضاب الإكليلية ) في الجزيرة الغربية ، و( ماري ) على الفرات ، وفي الغرب ( إيبلا ) - تل مرديخ – وانتشر النطق بما يسمى ( اللغة السامية الشمالية الغربية ) واستُعمل الخط المسماري . أما الأختام في هذه الفترة فتميزت بالأسلوب الهندسي الفلسطيني / ثم السوري الشمالي المجسّم / أسلوب الحفر المائل السوري / فالسوري الشرقي والشمالي البابلي .

    الشكل ( 6 ) سومري هندسي ( بروكار ) .

    6- " العصر السوري المبكر الثالث " – ( 2350-2000 /1900 ق.م ) ويعادل في العراق ( العصر الأكادي – عصر أور الثالثة ) الذي انتهى عام ( 2150 ق.م ) على يد قبائل ( الجوثيين ) غير المتحضرين من سكان الجبال الواقعة خارج حدود بلاد ما بين النهرين ، من الناحية الشمالية والشرقية ، والتي طردها السومريون حوالي عام (2050 ق.م ) انطلاقاً من مدينة
    ( لا جاش ) . في هذا العصر غزا ملوك ( أكاد ) الساميون سورية ، وحكم في ( ماري ) ( الشاكانالو ) ، وظهرت مملكة
    ( الحوريـين ) ، غير الساميين ، في شمال شرقي سورية .
    في هذا العصر ، عرفت الأختام الأسلوب الأكادي المجسّم الثالث / فالمبسّط الثالث ( الجوثيون – جوديا ) ثم أسلوب أور الثالثة .
    7- " العصر السوري القديم " ( 2000/ 1900 – 1530 ) استناداً إلى تصنيف الأستاذ ( هارتموت كونه ) ، وفي العراق القديم يسمّى : حقبة إسين - لارسا ، العصر البابلي القديم ، العصر الآشوري القديم .
    استقرار ( العمّوريّون ) في شرق سورية وتأسيس المملكة الآشورية الأولى ( شمشي حدد الأول ) – ازدهار ( ماري ) تحت حكم الملك العمّوري ( زمري ليم ) – سيطرتْ مملكة ( يَمحاض ) – عاصمتها حلب- على شمال غربي سورية – الشعوب
    ( الكنعانية ) تهاجم الإقليم المتوسطي من سورية وفلسطين – حّمورابي ( 1730-1690 ق.م ) يمدّ نفوذه حتى الفرات الأوسط ويدمر ( ماري ) نهائياً – زالت سلطة ( عيلام ) في إيران وعاصمتها " سوسا " قبل أن ينتهي حكم سلالة ( بابل ) الأولى عام (1530 ق.م ) وانتهاء الفترة بالغزو الحثّي للمنطقة بعد عام ( 1530 ) وظهور الميتانيين .
    أما الأختام الأسطوانية في هذا العصر فقد امتازت في ( عصر لارسا – إيين ) بالأسلوب البابلي القديم ، وفي ( العصر الآشوري القديم ) بالأسلوب البابلي – السوري القديم ، وفي عصر حمورابي ( بابل ) بالأسلوب البابلي – السوري – الكابادوكي القديم ، نسبة إلى كابادوكيا في تركيا اليوم التي تمتاز – كما رأيتها – بألوان وأشكال غريبة من الصخور والحجارة اللازمة لصناعة الأختام .
    8- " العصر السوري الوسيط " – ( 1530 – 1200 / 1100 ) ق.م – في بلاد الرافدين ( العصر الآشوري المتأخر – العصر البابلي المتأخر – ( العصر الأخميني ) – وذلك بعد سقوط بابل على يد الفرس عام ( 539 ق.م ) . في هذا العصر نشر الفينيقيون الأبجديةَ ، وأما في سورية فقد حكمت سلالاتٌ آرامية محلية وأصبحت اللغةُ الآرامية هي السائدة حتى في دواوين المنتصر الفارسي . كذلك بسطتْ ، على التوالي ، سيطرتَـها على سورية كلٌّ من : ( المملكة الآشورية المتأخرة – البابلية المتأخرة – والأخمينية / الفارسية ) .
    في هذه الفـترة أيضاً لا بدّ من ذِكر حدَث هام جداً جرى في سورية وعلى وجه التحديد في موقع " قادش " أدّى إلىّ تقاسم النـفوذ على سورية بين الفراعنة المصريين وبين الإمبراطورية الحثيّة بعد معركة " قـادش " عام 1285 ق.م على نهر " العاصي " وعند سهل " مودان " أمام بحيرة " قطّينة – الموقع المسمّى ( تل النبي مندو ) حالياً ويـبعد حوالي 15 كم عن حمص – المعركة الشّهيرةُ التي جرت بين المصريين (رعمسيس 2 ) وبين ملك الحثّيين ( موفاتالِس ) وانـتصار الأخير فيها بخلاف ما دوّنه الفرعون ، كذِباً ، فيما بعد على أعمدة " الكرنك " ، وبعد اتفاقية الصلح لاحقاً عام 1270 ق م . التي رسّخت تقاسم النفوذ والسّيطرة على سورية بينهما ووضعت الأسس العملية لـتطبيقـها .
    – ( للمزيد حول الموضوع وتأثير ذلك ، لفـترة طويلة على المنطقة - ومن هنا جاء وصفها " بالمعركة العالمية " ومن عدد المحاربين المرتفع أيضاً ، حوالي 20 ألف في كلّ جانب - انظر دراستنا في " مجلة البحث الـتاريخي " الصادرة بحمص العدد 3/1984 وفي كتاب ( ندوة حمص الأثرية والتاريخية الأولى ) 11 / 1984 .
    الأختام في هذه الفترة :
    في ( العصر الكاشي – الميتاني ) ظهر الأسلوب الميتاني الدقيق ثم الشّعبي ، وفي ( العصر الآشوري – البابلي الوسيط ) ظهر ( الأسلوب الآشوري الوسيط المجسَّم ) وفي ( العصر البابلي الوسيط ) ظهر ( الأسلوب الآشوري الوسيط التّجسيمي / والقبرصي الدقيق ثم المبسّط ) .
    9 - العصر السوري الجديد : حوالي العام ( 1100 ق.م ) وفي العصر الآشوري الجديد / العصر السوري الجديد ) ظهر على الأختام الأسطوانية ( الأسلوب الآشوري الجديد المجسّم ثم الآشوري – البابلي المحفور ) . وظهر في ( العصر البابلي المتأخر ) الأسلوب ( الآشوري الجديد المَشطوف ، ثم السوري الجديد المَشطوف ) وفي ( العصر الأخميني / الفارسي ) ظهر الأسلوب ( المجّسم ) في الحفر .
    10- " العصر الهِيلينستي ( السّلوقيون ) _ " ( 333- 130 ق.م ) _ .
    غزا الإسكندر الأكبر ( الثاني ) الشرقَ الأدنى القديم – مقاومة عنيفة في بعض المواقع مثل ميناء ( صور ) – تدميره الإمبراطورية الفارسية وعاصمتها " بـيرسيبوليس " الشهيرة – حكَم من ( بابل ) ، وفيها أعلن نفسَه إلاهاً وكان يُفرط في الشراب ومات فيها بظروف غامضة – لديّ حولها معلوماتٌ وفرضيّاتٌ موثـقة سأضمنها كتابي حول " الإسكندر الأكبر وصدمة الشرق الحضارية " - ، ونقل جثمانه إلى الإسكندرية التي بناها سابقاً ، حيث أصبحت ( مصر ) بعد وفاته من نصيب قائده(بطليموس ) وفي بلاد الشام من نصيب قائده ( سلوقس ) .
    في هذا العصر ينتهي ( التاريخ الحضاري للشرق الأدنى القديم ) الذي ابتدأ مع اكتشاف الكتابة حوالي 3200 ق.م ، حيث تغيرت المنطقة بعدها كثيراً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ... الخ .
    11- " العصر السّاساني / الفارسي " و " العصر البيزنطي / الروماني المتأخر " :
    في العراق حكم السّاسانيون . السلالة السّاسانية تتولى السلطة في المملكة البارثية ( الفارسية ) وتُخضِع كاملَ سوريةَ لحكمها . الإمبراطورية الرومانية المتأخرة ( البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية - اسطنبول) – تفرض نفوذها على المنطقة من جديد حتى الخابور ودجلة بعد معاهدة سلام ( نيسيس ) عام 277 م . انتشار المسيحية في سورية .
    12- "العصر الإسلامي " ( 650 م – حتى الوقت الحاضر ) . مع الفتح الإسلامي وحوالي عام (660)م تصبح سورية بكاملها تحت السيادة والديانة الإسلامية . حكم السُّلالات : الأموية – العباسية – الأيوبية – العثمانية ، ثم الغزو الاستعماري البريطاني والفرنسي ، واستيلاء الصهيونية على أرض فلسطين ، ثم الاستقلال من حكم فرنسا ونشوء الجمهورية العربية السورية بتاريخ 17 /4 /1946 م .

    بدايات الأخـتام

    إذا كان ظهور الختم الاسطواني واسمه بالإنكليزية ( (Cylinder Seal وبالألمانية ( ( Roll Siegel ويسمى باللاتينية
    ( Signum ) وهو مشتقّ من كلمة ( Sigillum ) وتعني العلامة ، الشّارة ، ( أقول إذا كان ظهور هذا الختم الأسطواني قد أزاح الختم المسطح عن عرشه ومكانته لمدة ألفي عام ، فإن الختم المسطح لم يمتْ تماماً وعرف عودةَ الرّوح مرة أخرى في الألف الأول قبل الميلاد ، بعد استعمال أوراق ( البردي ) كمادة مناسبة لاستعمال الختم المسّطح عليها ،كما أن استعمالاته العديدة لم تزل قائمة حتى اليوم .من هذه الأختام المسّطحة ما هو محفور نحو الداخل ( سلبي ) ويعطي عند طباعته على مادة ما صورة إيجابية ويسمى عندما يستعمل في إصبع اليد مثلاً (غيمِّهْ - Gimme ) وتكون غالباً من الحجارة نصف الكريمة تحفر عليها أشكالٌ ، رموزٌ ، أو كلمات بطريقة الحفر المسماة تقنية ( إنتاغلْيو – Intaglio ) ولم تستعمل للزينة فقط وإنما للتوثيق كأختام . النوع الآخر منها يكون الحفر عليه مجسماً نافراً ويعطي عند طبعه شكلاً سلبياً غائراً ، وينفذ بتقنية
    ( كامِيو – Cameo ) .

    أحقـيّة استعمال الأختام :

    يذكُر المؤرخ الإغريقي هيرودوت – (Herodotus ) ، المولود في آسيا الصّغرى ما بين 490-480 ق.م والمتوفى حوالي 420ق.م– في الجزء الأول من تقارير رحلاته على الصفحة 195 ، مغالياً كعادته في العديد من الأمور ، ( أن الختم كان في حوزة كل امرئ في بابل ) . ويدل هذا على انتشار استعمال الختم الذي تميزت باستعماله وصنعه المنطقة بادئ الأمر وهو ظاهرة ملتصقة بالمنطقة هذه ، منطقتنا ، لم تعرفها شعوب أخرى ، إلاّ لاحقاً عند انتقالها إلى الشعوب المجاورة . هذا القول لا ينطبق على الألف الأول ق.م .
    في الألف الثالث ق،م ظهر الختم الأسطواني في " زمن أوروك " واقتصر استعمال الختم على الكاهن الأعلى(الملك ) والمؤسسات الرسمية للدولة أو للمدينة الدولة ، بسبب الارتباط الوثيق بين الاقتصاد والمعبد ، لينتقل لاحقاً ، بعد شيوع الملكية الفردية وابتعاد أو فصل الدين عن الدولة ، إلى أيدي الملوك وكبار الموظفين والكتَبة والتجار .
    كان لكل فرد حرٍّ (!!) في بلاد بابل وآشور ، في الألف الأول ق.م ، الحق بحمل الختم الخاص به ، ولم يكن ذلك الختم موجوداً دوماً بحيث يضطر البعض عند الضرورة إلى تحضير ختم بسيط من الطين أو الخزف لتوقيع عقد ما أو ختم أشياء ما ، وإن تعذر ذلك فيتم الختم بواسطة الأظافر أو أطرف الرداء ، أو يتم ببساطة باستعارة ختم شخص آخر لحل الأمر بشرط التنويه عن ذلك في النص.
    أما النساء والرجال الذين كانوا على درجات مختلفة من التّبَعية أو العبودية فلم يكن لهم الحق في استعمال ختم خاص بهم ، وبما أنّ لكل قاعدة استثناء فقد كان من الممكن نادراً صنع ختم خاص لإحدى الكاهنات عندما تكون طرفاً في توثيق عقد ما . ونشاهد على أحد أختام الألف الثالث ق.م نقوشاً تمثل نساء يحملن أختاماً معلقة بدبابيس على ثيابهن .
    يُعزى ظهور الختم الأسطواني حوالي عام 3200 ق.م في جنوبي الرافدين ( أرض سومر ) – في زمن السويّة الرابعة الأثرية في أوروك ( الوركاء ) – وفي نفس الوقت في منطقة ( عيلام ) المجاورة ، إلى الشعب السومري ، غامض الأصل حتى اليوم ، والذي لم يزل زمن وصوله المنطقة غير محدد تماماً ، ولكن أبحاثاً جديدة تعيد أسباب ظهور الختم إلى عوامل اجتماعية واقتصادية – الاقتصاد الاحتياطي والزراعة المَرويّة - وكانت الأختام مكتوبةً بالمسمارية السّومرية في ذلك الوقت المبكر . هذه الأسباب ، وبخاصة توسّعُ التجارة مع بلدان قريبة وبعيدة ، خلَقتْ الحاجة إلى شكل جديد من الأختام فكان ظهور الختم الأسطواني ، المثقوب والمعلق على الثوب أو الرقبة بخيط أو سلك معدني أو ( دبوس ) هو الأفضل والأنسب عمليّاً وذلك بسبب سعة سطحه عند دحرجته على الطين الطّري ولإمكانية وضع أشكال عديدة عليه ، ناهيك عن أهليّته لختم جِرار الغِلال بسداداتها وَسيعةِ السطوح ، واستعمل حتى في ختم الأبواب الخشبية وعلى الألواح الطينية متعددة الأغراض والمحتويات والأهمية، وبرغم ذلك بقي استعمال الختم المسطح قائماً ولو بشكل محدود، وربما كان الدافع المباشر لابتكار الختم الأسطواني ، حسب آخر النظريات ، يكمن في عملية التجويف الأسطواني للأواني الحجرية وما ينجم عن ذلك من بقايا قابلة للتصنيع.
    منذ الألف التاسع ق. م . ومع بداية التحول إلى الاستقرار المعيشي وظهور الإنتاج الزراعي واقتصاد التّدجين ، كان الإنسان القديم يستعمل لأغراض العدِّ وتحديد نوعية ( البضاعة) حصيّات صلصالية مختلفة الأشكال والأحجام ، عثر عليها في أماكن مختلفة وفي نطاق جغرافي واسع يمتد من الباكستان و إيران وسورية ( تل أسود – تل مريبط ) وحتى السودان . كانت هذه الحصيَّات توضع في أغلفة فخارية مغلقة على سطحها طبعة ختم صاحب البضاعة للتأكيد على المحتوى وشرعيتها ، حيث يقوم مستلم البضاعة بفـتحها واستخراج تلك الحصَّيات منها التي تشير أعدادُها وأشكالُها إلى أعداد ونوع البضاعة للتأكد من تطابقها مع البضاعة المرسلة . غير أن استعمال هذه المغلفات المختومة أخذ يتراجع تدريجياً لتحل محلها ألواح مسطحة من دون حصيَّات مع وجود طبعات أختام عليها مابين 3300 – 3200 ق م ، وتراجعت هذه أيضاً لصالح الرُّقُم الطينية وهي الخطوة الانتقالية التي أدت إلى الكتابة التصويرية الأولى في " أوروك "نحو عام 3300 ق. م وهي مرحلة سابقة للهيروغليفية ثم المسمارية .
    كان تدوين الأشكال والرموز على هذه الألواح يتم بواسطة ريشة من القصب أو الخشب أو العظم أو العاج ، وثمة احتمال لاستعمال سعف النخيل في ذلك أيضاً ( للمزيد حول الموضوع انظر المرجع 19 ) .
    انتشار استعمال الأختام :
    صانع الأختام " النقاش – الحفار " كان يسمى بالسّومرية " Mu.Sar " وبالأكادية "Musarru " – تلفظ السين هنا شين – وهناك أنواع عديدة من المختصين من الكتبة والنقاشين مثل " كاتب المسلة " و كتبة " أحجار الكدر - Kudurru "وكتبة
    " قالب اللِّـبْن - الآجر – الخشب – البردي – الرق ... الخ "
    بعد حوالي ألف عام من صنع الختم الأسطواني واستعماله المحدود والمحصور في عدد محدود من الكهنة والموظفين الرسمية إلخ ... - كما ذكرنا أعلاه - وبعد التّحولات التي طرأت على نمَط الاقتصاد والمجتمع ، انتشر استعمال الختم هذا كثيراً في مطلع الألف الثالث ق.م ، ولا تتوفر لدينا حتى الآن معلوماتٌ عن شروط الحصول عليه ولا عن ثمنه .
    انتقل الختم الأسطواني من بلاد الرافدين إلى مصر وانتشر استعماله هناك منذ فجر التاريخ وحتى السلالات القديمة . أما في مرحلة السلالات المصرية الوسطى فكان استعمال الختم المسطح ( الجُـعَل ) أو الجُعدان منافساً له ونقشوا على سطحه رموزاً هيروغليفية وأشكال هندسية وكان شخصياً ملازماً لصاحبه ، وشاع استعمالهما معاً .


    مواد وتقنية صناعة الأختام :

    كان الحجرُ هو أكثر المواد استعمالاً في صناعة الأختام سواء الحجارة البسيطة والطرية نسبياً ، أو القاسية والثمينة أي ما يسمّى منها بـ " الحجارة نصف الكريمة " ، وخلال تطور صناعة الأختام على مدى آلاف السنين كان التطوّر ينزِع نحو استعمال الحجارة الأكثر قساوةً وصلابةً وقيمةً ، لكونها تعطي صوراً مطبوعة أفضل ، ناهيكَ عن قيمتها الاعتبارية والمادية بالنّسبة لحاملها ، وبخاصة منها تلك الأحجارُ شبه الكريمة ، وأصبح استعمالها هذا ممكناً بعد تطور الأدوات والتقنيات المستعملة في إعدادها والحَفر عليها.
    أهم المواد المستعملة في صناعة الأختام :

    - الأحجار الكلسية ( الطرية ) بألوانها المتعددة ، وكانت موجودة محلياً .
    - حجر اللاّزورد الأزرق الكريم ( lapislazuli ) وهو حجر كتيم تـتوضع فيه وعليه غالباً عروق وبقع معدنية – ذهبية ، وشاهدت منه في بلاد تايلاند أشكال مذهلة الجمال وكان يستورد ، إلى منطقـتنا ، من أفغانستان – وقد ورد ذكره في ملحمة جلجامش حيث زينت عشتار به سرتَها.
    - فِلز الحديد الخام المسمى "هيماتيت – Haematit " . وهو حجر قاس لونه رمادي داكن حتى الأسود يلمع كالمعدن ويدخل الحديد في تركيبه مما يكسبه وزناً ثقيلاً ويطلق عليه أحياناً اسم حجر الدم الحديدي ، والحجر الأحمر ويعتبر مادة مفضلة لصنع الأختام في العصرين البابلي والآشوري القديمين .
    - حجارة الكوارتز البلورية( الصّخري) ، بأنواعها العديدة مثل : الزجاج البركاني القاسي ( Obisidian ) .
    - الكريستال الصّخري – الجبلي ( Berg Kristall ).
    - أميتِست ( الجَمشت ) ذو اللون الأزرق النيلي ( Ametyst ) ، من مصر .
    - الياسْبِِسْ ( Jaspis )كان يستورد من مصر ومن الخليج العربي .
    - الكارنِـيول- العقيق - ( Karneol ) من مصر .
    - الكالسيدون ، وهو يحتوي على النحاس - كما يشير الاسم العلمي – (Chalcedon ) .
    - الأونيكس ، وهو معروف بلونه الأسود اللامع ( Onyx ) .
    - حجر الحية ( سربانـتين ) ( Serpantin ) .
    - حجر سْـتِـياتيتْ ( Steatit ) ، من منطقة الخليج العربي .
    - حجر المَلاخيت ( الأخضر ) ( Malachit ) ، من سيناء – مصر
    - حجارة الآخات (Achat ) - ( العقيق اليماني ) بأنواعه وألوانه المختلفة ، وأكثرها الأحمر والبني ، وربما تبعها :
    - حجر اليَشَبْ – الجاد ( Jade ) وهو حجر يميل إلى الخضرة ، شاهدت منه أشكالاً محفورة وضخمة أحياناً ، مدهشة حقاً في المدينة المحرمة في ( بيجين – بكين ) عاصمة الصين الشّعبية .
    - حجر الديوريت –( Diorit ) ويسمى أيضاً بحجر الأعماق ، وله لون رمادي مائل إلى الخضرة .
    - إلكترون – ( Elektron ) وهو فِلـِزُّ ذهب يحتوي على الفضة .
    - فريتّه – ( Fritte ) وهي الكتلة السائلة المتوهجة في صناعة الزجاج .
    - تــُركيز – ( Turkis ) الفيروز .
    كما استعملت في صناعة الأختام مواد عديدة أخرى منها ما هو طبيعي كأصداف المحار والحلزون والعاج والعظام والقرون والطين المشوي والخزف وحتى الخشب ، سريع التلف مع الأيام ...
    كذلك استُعملت المعادن المصنّعة المختلفة كالنحاس – وفي مجموعة من الأختام واحد منها - والحديد والبرونز والفضة والذهب ، وهي أختام نادرة الوجود ، وكذلك استُعمل الـ " كلوريت - Chlorit " و الـ" أراغونيت - Aragonit " .
    شاع في بعض العصور استعمال أنواع معينة من المواد الخام في صناعة الأختام ، فمثلاً شاع استعمال حجر
    الـ " ستيياتيت " في عصري أوروك وجمدة نصر ، واستعمل لبّ القواقع بكثرة في عصر السّلالات الأولى . أما فلِز خام الحديد الـ ( هيماتيت ) فقد شاع استعماله في العصر البابلي القديم ، وشاع استعمال بلورات الكوارتز في العصر البابلي الحديث والآشوري الحديث والفارسي الأخميني (540 – 330 ق.م ) .
    إذا كانت الأختام المعدنية نادرة فإن الأختام المصنوعة من الزجاج أو الزجاج البركاني ( أوبسيديان ) نادرة أيضاً ، ولديّ منها أختام مسطحة ومدوّرة . ووصلنا عدد كبير من العلب المعدنية التي كانت الأختام تحفظ فيها .
    كان الختم يستعمل من قبل الوَرثة أحيانا ، ً وبخاصة ورثة الملوك والتجار ويستمر استعماله ومبادلته أو بيعه أو إهدائه إلى أشخاص آخرين ، في حالة كونه ثميناً ومتميزاً ، حيث كان يصل أحياناً إلى بلاد أخرى ويستعمل فيها هناك ومثالاً على ذلك نجد طبعة ختم الإله " آشور " ، وكان للآلهة أختامها الخاصة أيضاً ، على رُقيم طيني استعمله الملك الآشوري " أسرحدون "( 680 – 669 ق.م ) أي في القرن السابع ق.م بينما يعود الختم ذاته إلى العصر الآشوري القديم ، أي إلى ما قبل حكمه بحوالي ألف عام .
    =======================================
    حمص – سورية د. شاكر مطلق
    E.-Mail:mutlak@scs-net.org

    الدكتور شاكر مطلق

    - من مواليد 1938
    - درس الطب البشري ، وتخصص في أمراض العيون وجراحتها في ألمانيا الاتحادية ( 1958 – 1972 ) .
    - عضو العديد من الجمعيات العلمية و عضو شرف في جمعيات أخرى .
    - الرئيس السابق للجمعية السورية لأطباء العين في سورية .
    عضو اتحاد الكتاب العرب " دمشق" ( جمعية الشعر).
    - صدر له العديد من المؤلفات و الترجمات
    الأدبية و العلمية و العديد من المجموعات شعرية
    - هاتف المكتب : 2222655 - 031 .
    - هاتف " دار الذاكرة للنشر " - حمص : 2122980 -031
    -E-Mail:mutlak@scs-net.org

    (*)- البحث هذا هو جزءٌ من كتاب كبير أنشأته حول الأختام ، ولم يطبع بعد، وقد نشر في " مجلة البحث التاريخي "-مجلة محكمة-حمص-سورية، العدد التاسع 7/2009 ( وزارة الثقافة- دمشق ) .

    حمص – سورية / Homs-Syria
    بغطاسية – شارع ابن زريق 3
    هـ : عيادة (Prax.) 2222655 31 963 +
    ص.ب.( 1484) P.O.B.
    E-Mail:mutlak@scs-net.org

  2. #2
    عـضــو الصورة الرمزية ناصر محمود الحريري
    تاريخ التسجيل
    21/05/2009
    المشاركات
    434
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي رد: من كتابي : "الأختامُ الأسطوانيّةُ فَنٌّ وتَوْثيقٌّ " - 1- د. شاكر مطلق

    عمل إبداعي وجهد مبارك إن شاء الله
    شكرا لك د. شاكر


  3. #3
    أستاذ بارز الصورة الرمزية الدكتور شاكر مطلق
    تاريخ التسجيل
    01/04/2007
    العمر
    81
    المشاركات
    259
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي رد: من كتابي : "الأختامُ الأسطوانيّةُ فَنٌّ وتَوْثيقٌّ " - 1- د. شاكر مطلق

    مع تحياتي وشكري ، آملاً -إن شاء الله-تقديم أقسام أخرى من الكتاب لاحقاً.وكل عام والخير والسلام للطيبين في الأرض.
    حمص - سورية 7-9-2009 د.شاكر مطلق

    حمص – سورية / Homs-Syria
    بغطاسية – شارع ابن زريق 3
    هـ : عيادة (Prax.) 2222655 31 963 +
    ص.ب.( 1484) P.O.B.
    E-Mail:mutlak@scs-net.org

+ الرد على الموضوع

الأعضاء الذين شاهدوا هذا الموضوع : 0

You do not have permission to view the list of names.

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •