Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2968

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958
المظاهر الاجتماعية في المجموعة القصصية :''في قريتي" للقاص حسن الدراوي

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: المظاهر الاجتماعية في المجموعة القصصية :''في قريتي" للقاص حسن الدراوي

  1. #1
    أديب وناقد
    عضو القيادة الجماعية
    الصورة الرمزية مسلك ميمون
    تاريخ التسجيل
    27/08/2007
    المشاركات
    796
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي المظاهر الاجتماعية في المجموعة القصصية :''في قريتي" للقاص حسن الدراوي

    المظاهر الاجتماعية في المجموعة القصصية :
    ''في قريتي
    ''



    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    القاص حسن عبد الحميد الدراوي


    القاص حسن عبد الحميد الدراوي ، قاص مصري يعيش في المملكة العربية السعودية منذ 1970 عمل في التّدرس والصّحافة ثمّ تفرغ للتأليف و الكتابة و النشر. من مؤلفاته :
    ـ في أدب الرسائل ـ رسلة إلى ولدي .
    ـ في أدب الموعظة ـ هؤلاء ماتوا على طاعة .
    ـ في الشعر ديوانين :* الأول : في وحدتي . * والثاني : في غربتي .
    ـ في كتب القراءة والكتاب لماقبل الرحلة الإبتدائية :ـ
    * إقرأ واكتب تهيئة وإعداد .
    * القراءة والكتابة للمبتدئين
    ـ في قصص الأطفال سلسلة روان ورناد :ـ
    * طبع منها واحدة الصرة والحجر ، والسلسلة مكونة من إثني عشر قصة .
    و هناك مؤلفات تحت الطبع .
    من مؤلفاته في مجال السّرديات ''في قريتي'' مجموعة خاصة جداً. تعتمد الأصالة الواقعية . و البساطة السّردية ، و تجنب المغالة overstatementتضم خمس قصص : الفنكات ، صاحبي و أنا ، مبروك يا سعدة ، الشاعرة المفقودة ، اليوم الحزين .
    يقول القاص معلقا على مجموعته '' في قريتي '' (لأنني من القرية، ومازلت أنتمي إليها ، آثرت أن أسجل كل ما يمت للقرية بصلة، أصف القرويين بطيبتهم، ومساكنهم البسيطة، وأحلامهم الكبيرة، ومدى تطور القرية عَلَى مرّ السنين الطويلة التي عاصرتها. سجلت هذه المعايشات الواقعية كلها في قصة سمَّيتها " في قريتي " ، وفاءً وحبًّا لها .)
    القصة في هذه المجموعة، وثيقة اجتماعية و ثقافية . يحاول الكاتب من خلالها ، أن يعكس بسلاسة و فنية،المظاهر الاجتماعية التي تبدو لغير المعتاد عليها ، غريبة و بخاصة في زمان كزماننا . بينما هي لابن القرية ، الذي عاش فيها ، و ألفها طوال مرحلة الطفولة ، كما هو الأمر بالنسبة للقاص ، فهي حميمية و رائقة و شيقة ... تذكره بفترة من حياته لا تنسى. فنحن إذاً أمام خمس وثائق اجتماعية عن مجتمع القرية الصغير، في الريف المصري .


    ففي قصة الفلنكـــــــــات ـ
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=46985


    وهي القصة الأولى في المجموعة ـ يقف القارئ على أوّل مظاهر التّحديث في القرية.إذ قرّرت السلطات الانجليزية ربط مستعمراتها بخط السّكك الحديدية لتتمكن من نقل جنودها و عتادها.و لتضمن التنقل السّريع بين مصر و فلسطين. و لكن الخطّ سيمر فوق أراض زراعية الشيء الذي أغضب المزارعين ،كما أغضبتهم توابع هذا الخط : من دخول الغرباء ، و انتشار عاداتهم و سلوكاتهم التي لاعهد للقرية بها.
    لقصة تتمحور حول شخصية شحاثة ، الذي أتمّ دراسته الابتدائية ، و انتقل إلى قرية مجاورة لإتمام الإعدادي . و لكن قسوة المعلم، جعلته يفكر في ترك الدراسة ، و التّفرغ لأعمال الأرض . إلا أنّ أمّه رفضت ذلك ، و شجعته على الاستمرار. فكان يستأنس بتشجيعها. و يتخذ أمين أفندي ؛ المهندس قدوة و مثالا .
    شحاثة كان له أخ يسمى عبادة . اتّفق مع رفاقه على محاربة الاستعمار الإنجليزي. و مهاجمته في التل الكبير. و قرّر شحاثة أن يساعد أخاه في نقل الذّخائر.إلا أنّ إمام المسجد أثناه عن عزمه. فأنّبه والداه على ما اعتزم فعله و هو صغير .
    و يتمّ شحاثة دراسته الثانوية و يصمم على التّوقف، لكن أمّه من جديد تصرّ أن يتمّ تعليمه فينتقل إلى المدينة ليكتشف عالماً آخر مختلفا عمّا تعوده في القرية . و في العطلة؛ اكتشف شحاثة أنّ خط السكك الحديدية المحاذي للتّرعة التي تخترق القرية قد غير معالم كثيرة . فحتّى الأهالي استأنسوا بالعمال و أكرموهم ، و لم يعد هناك تخوف كما كان في السّابق .
    وتكتمل فرحة أهل القرية بإكمال شحاتة دراسته العليا . وتبتهج القرية بعودة ابنها شحاتـة يحمل شهادة تخرجه في كلية الآداب قسم تاريخ مع تعيينه عضوًا بهيئة التّدريس بالجامعة .
    ربّما الأحداث لا تبدو هامّة للغاية، بصرف النظر عن خط السكك الحديدية . و لكن الأهمّ هو روح القرية ، و كيف صورها القاصّ ، من خلال معايشته ، و انصرافه إليها :
    فمن العادات و التقاليد : جاء في النص أنّ شحاثة (اعتاد أبوه أن يصحب معه ضيوفًا كلّ يوم جمعة ، فبعد الصلاة يصطحب اثنين أو ثلاثة رجال يذهب بهم إلى المندرة لتناول طعام الغداء بما هو موجود في المنزل من طعام ، فشعاره دائمًا (الجودة بالموجودة) .
    توضع الطبلية وعليها أنواع الطعام ، وليس شرطًا أن تحتوي على اللحم أو السمك أو الدجاج أو الأرانب ، ولكن الغالب في الصيف البامية ( القرديحي ) أي بدون لحم ، ومخلل اللفت والخبز الملدن ، وأحيانًا الملوخية بالأرانب .
    )
    و حين رحل شحاثة إلى المدينة من أجل الدراسة،صاحب معه أثاث و أكل القرية ( حصيرة ووابور جاز ولمبة نمرة عشرة ـ للمذاكرة عليها ليلا ـ ولحاف). أيضا اصطحب معه ( سبت ) مليئًا بالأرغفة الفلاحي ( عيش ملدن ) ، وجرَّة صغيرة بها عسل أسود ومحلبة بها سمن بلدي وبرطمان جبن وبرطمان مِشٍّ .)


    أمّا قصـــة ''صاحبي وأنـــــــا''
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=45107


    فنعيش علاقة الرّبط بين الإنسان و الحيوان في القرية المصرية . ذلك الارتباط الغريب الذي يتمثل في علاقة الطفل محمود بحماره الذي جاء به والده ليقله إلى المدرسة البعيدة . و إذا بالطفل بدل أن يركب الحمار كما يفعل غيره من زملائه .(يسحب الحمار من خطامه ويسير على رجليه نحو المدرسة .) الشّيء الذي جعله مثار ملاحظات أصدقائه (ركب الحمار يا محمود عشان تروح المدرسة بدري قبل الطابور ) و لكن محمود لم يبال فأصبح يصل المدرسة متأخراً ما لفت انتباه الإدارة ( فينصحه الناظر بعدم التّأخر واحترام المواعيد) و حين يصل المدرسة يسلم الحمار للعم توفيق المسؤول على حراسة الحمير . و لكن لا يهدأ باله ، و يمضي يتمسّح بالحمار و يتفقده إلى أن يطمنه العم توفيق : ( يا ولدي ماتخافش على حمارك عشان هو عندي زي بقية الحمير ، له من العناية والتقدير كلّ اللي تتمناه، ده إللي اتعلمناه من الآباء والأجداد ومن ديننا ، الحيوانات دي لازم نحترمها ونصونها ونرعاها حق الرعاية ، روح يا ولدي لمدرستك وها ترجع تلاقي حمارك في أحسن حال بإذن الله .) و شاع الخبر حتى بلغ مسمع السيد الناظر و حاول إقناعه بأنّ ما يفكر فيه خطأ ، و أنّ الحمير جعلها الله لنا لنركبها و نصحه أن يستمتع بركوب حماره بغير ضرر أو إسراف . كما تنامى الخبر إلى والده فاحتار في أمره : (جبت لك حمار عشان تركبه معزز مكرم وترتاح وانت رايح لمدرستك ، تقوم تسحبه وما تركبوش ؟!! ليه يا محمود ؟ الكل بيتكلم عنك يا ابني !!) و لكن لا أحد استطاع أن يفهم رأي محمود الذي كان يقول للجميع:( الحمار ده طيب وعمره ما قال لحد فينا لأه ، يبقى أنا أتعبه ليه ؟ دا ربنا وصانا بالدواب ، والحمار من الدواب .) فيقوم الأب ببيع الحمار لتسديد نفقات زواج أخته تفيدة ، فيحزن محمود على فراق صاحبه الحما. و لكنّه استطاع أن يواصل دراسته و يتخصّص في الطّب البيطريّ و يعدّ جمعية لحماية الحمير.تلك هي قصّة محمود و حماره ولكن على هامشها، و بين فقراتها، و جوانبها ، تسربت حكايا وأشياء تؤثث مجتمع القرية :
    أ ـ العمّ توفيق وقيامه بحراسة حمير التلاميذ ،أو الوافدين على مركز الصّحة. و كيف كان يعتني بالحمير و يسقيها و يطعمها من التّبن و الفول و البرسيم .
    ب ـ والعمّات والخالات و نساء العائلة... و كيف كن يجتمعن حول كؤوس الشاي وهن يثرثرن ، و يستعرضن نشاطهن و استعداداتهن لشهر رمضان المبارك .
    (وعند عودته إلى المنزل وجد والدته وقد اجتمع عندها الجارات والصديقات من أهل القرية الهانئة السعيدة المفعمة بالحب والدفء والإخلاص ، ويلقي عليهن تحية المساء ... وتذهب سعدية لعمل الشاي تحية واستضافة للحاضرات ... الخالات والعمات يتحدثن عن الاستعداد لرمضان ، فهذه قد ربَّتْ إِوَزًّا ، وتلك جهزت بيتها بطحن القمح والذرة واستعدت للخبز ، وتلك تستعد لولادة الجاموسة ، فالجاموسة على وشك الولادة .
    وهن جميعًا مسرورات لقدوم الشهر الكريم ، فشهر رمضان في القرية عندهم له مذاق وطعم ، فالفتيات ينتظرن ليالي السمر حيث يجتمع الرجال في المندرة حول صوت الشيخ و هو يقرأ القرآن ، و فيها يتم تزويج فلانة لفلان و لكن بعد العيدين ( الفطر و الأضحى ) لأن بين العيدين لا تقام عندهم الأفراح . )
    بل القصة لا تهمل الاشارة إلى وصف بعض أنواع الأكل المعتاد في القرية : ( ويجد أمه قد أعدت له طعامًا يحبه كثيرًا ، هو البيض المقلي في السمن البلدي و الجبن و الالقريش و طبق القشدة الشهي و قليل من مخلل اللفت و الجرحير البلدي . )
    كما تشير القصة إلى الإعجاب والعشق العفيف الذي تبديه السعدية إزاء معلم القرية سعيد ، و الذي هو مجرد إعجاب بغير أمل . أو العناية بزواج تفيدة عمة محمود .
    كما تشير القصة إلى الحفل الذي أقامه أبو محمود لابنه و هو يخطو نحو الدكتوراه '' الشهادة الكبيرة '' ، ( احتفل أهل القرية بالدكتور محمود من خلال مأدبة عشاء أعدها والده للأهل والأحباب ودعا قارئًا ليقرأ ومنشدًا لينشد ومدَّاحًا ليمدح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم.).
    ج ـ المجتمع القروي الذي هو على شكل أسرة كبيرة في المسجد و الحقل و البيت .. فمحمود ( يصلي مع أهل قريته ، ثم يعود برفقة الأهل والخلان ، فهذا عمه وذاك خاله وذلك جده ، وهؤلاء الصبية أقرانه وأقاربه ، القرية كلها كأنها بيت واحد كبير ، الكلّ يعرف الكل، والكلّ أهل للكل .) و من ذلك حب الوسط و الأهل ، لقد كان محمود يحب كل ما في قريته : (الحب للأرض ... الحب للقرية ... الحب للمحراث ... الحب للجد والجدة ... الحب للعم والعمة ... الحب للخال والخالة ... الحب لكل من حوله ، والحب حتى للحيوانات ) و كان أستاذ سعيد يراعي الأخلاقيات العامة : (فهو يعتبر أهل القرية كلهم أهله ، وبنات القرية كلهن أخواته ، غير أنه من قرية أخرى فينبغي أن يكون حذرًا ومؤدبًا ولا يجرح شعور أحد ولا يخرج عن المألوف من عادات القرية وتقاليدها .)
    د ـ الحيوانات : كان والد محمود يربي في زريبة مجاورة للدار : ( الجاموسة والبقرة والحمار وبعض الماعز والدواجن) ، ويطلب من أستاذ النشاط أن يؤسّس جماعة في المدرسة باسم ( جماعة محبي الحمير )
    هـ ـ الديــن : و مدى ارتباط الأهالي بالجانب الدينيّ (يسمع محمود مؤذن المسجد يقول : حي على الصلاة ، حي على الفلاح . فيترك المجلس ويذهب لصلاة العشاء مع الرجال في المسجد ... يجتمع الرجال في المندرة حول صوت الشيخ و هو يقرأ القرآن .... ويذهب إلى المسجد لأداء صلاة المغرب فيتوضأ من الماء الجاري في الجدول الصغير أمام المسجد ويصلي مع أهل قريته ...
    و في امتناع محمود ركوب الحمار يذكره أحدهم بقوله تعالى: "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " النحل 8 ....
    و حين يخبر بوفاة العم توفيق حارس الحمير : (العم توفيق غادر الدنيا إلى الآخرة فأسرع إلى قبره ليقرأ الفاتحة ترحماً .)
    ـ و هكذا تبقى تقاليد القرية ، التي لا وجود لها في الحواضر و المدن الكبرى ، هي سمة القرية المصرية ؛الغالبة في القصة ، والتي تحدد معالمها الإنسانية والإجتماعية.و يحرص القاص على استعراضها ، و بثها ، كلّما تطلب السّرد ذلك


    أما القصّة الثالثة '' مبـــروك يا سعـــدة ''
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=45163


    قصةُ أغلب بنات القرية اللّواتي كن يتزوجن بدون علمهن و لا استشارتهن . أويكن آخرمن يعلم . كما كان الأمر بالنسبة '' لسَعدة '' التي أخبرتها أمّها بالزّواج قبل أسبوع فقط . فاضطربت نفسيتها ، و هي تجد المهنئات يهنئنها و يباركن زواجها القريب ..فيقترض أبوها الفقير ما يمكنه من مصاريف الزّواج . و يحضر كلّ شيء في أسبوع . و تغرق ''سعدة'' في وهم تخيّل الخطيب . فتتوارد على ذهنها خواطر شتّى , و تحسب ارانب البيت تخاطبها . فتفقد القدرة على التّمييز والضّبط و الانضباط و التّركيز. يخيفها المستقبل ، كما يخيفها هذا الآتي المجهول .. و في مرحلة الإعداد والاستنفارالعائلي ، تتدهور صحّة ''سعدة'' و تفقد وعيها . فتُعرضُ على الأطباء و تقام لها حفلات الزّار ...فتتحسن بعض التّحسن فيتم الزّواج . و لكن ''سعدة'' لم تنجب فتقام لها حغلات الزّارمن جديد، بدون جدوى.فيهدد زوجها بأن يتزوج إذا لم تنجب وأنّه سيظل يتزوج و يتزوج ،حتى تنجب إحدى زوجاته .
    في هذه القصة وصف ضاف لمظاهر الاستعداد لما يعرف بالحنّة . و ما يكلّف من مصاريف و تجهيزات و دعوات للأحباب و الأصدقاء في القرية ، و القرى المجاورة : (وتلتف الفتيات القرويات حول سعدة ويقلبن الطست ( وعاء كبير من النحاس ) وينقرن عليه نقرات الطبل والفرح ووقفت واحدة منهن وحزمت وسطها بالطرحة ( غطاء رأسها ) ، وأخذت ترقص رقصات شعبية وتغني أغنيات شعبية .
    كل فتيات القرية في فرح وسرور متمنيات لها السعادة في بيت العدل ، داعيات أن يلحقن بها في القريب العاجل ، فاليوم هو الثلاثاء وغدًا الأربعاء يوم الحنة،والدخلة يوم الخميس .
    وفي اليوم التالي ذهبت الأم بسرعة إلى المدينة لشراء فستان الزفاف ، وتجلس الخياطة في انتظار القماش القادم من المدينة لتقصه وتفصله للعروس وهي تنادي بصوت عالٍ : فين العريس يا بنات علشان يديني فتحة المقص .... )



    وفي القصّة الرابعة '' الشّاعـــرة المفقــودة ''
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=45223


    قصة رومانسية حالمة ، لفتاة من القرية ، و جدت نفسها تردد مع فيروز ( حبيتك في الصيف حبيتك في الشتي ) و هي لا تعرف معنى ذلك فحين سنعتها أمّها نهتها عن ترديد مثل ذلك الكلام . و ما دام كلّ ممنوع مطلوب سألت الفتاة أستاذ العربية عن معنى كلمات الأغنية . فكان شرحه عاماً حول الحب . ثمّ تجرأت فسالت والدها فنهاها عن الحديث في ذلك وطالبها بالاهتمام بدروسها و كتابة الشّعر كنازك الملائكة و بنت الشّاطئ . فسألت عنهما الأستاذ فلمّا أخبرها . قرّرت أن تكون شاعرة ترضية لوالدها . و في الثاّنوي تعلمت العروض والقافية وأصبحت تكتب قطعاً تشارك بها في الحفلات ، فتعرفت على طالب شاعر و تعلّقت به ، و لكن فقره أحال بينها و بينه ، فتزوجها صاحب أملاك ،فغرقت في حياتها الجديدة، و نسيت الشّعروالشّاعر.
    و كالعادة القاص يأتي بالحدث لا لأهميته ، و لكن ليمرّر مظاهرالقرية و بخاصة ما يؤثثها اجتماعياً . ففي هذه القصّة، و إن قلّت العاميةعلى عكس ما سبق ، و ربّما لما يفرضه الموضوع (الشعر) فإنّ ما جاء في القصّة يكشف عن صبغة القرية وأفكارها : (قالت الأم بغضب : حب !! حب إيه يا مقصوفة الرقبة ؟!! خلي بالك من دروسك ، دا لو أبوكي عرف إنك بتتكلمي عن الحب هيكسر رقبتك ، ياللا عشان نخبز العيش أحسن خميرته زادت) .
    . كما أنّ السّرد بالفصحى كان دالا عن ذلك : (عند الفجر أذنت الديكة قبل مؤذن المسجد ، فاستيقظ الجميع وذهب الأب إلى المسجد ، وفي هذا الوقت أشعلت أم صباح الحطب في الراكية ( مكان توقد فيه النيران وسط الصالة على الأرض ) ووضعت غلاية الشاي فيها ، استيقظت صباح من نومها لتساعد أمها في إعداد الإفطار ( لبن رايب، قشدة ، جبنة قريش ، بيض مقلي ، ملح ، فلفل أحمر ، خبز مقمَّر على جمر الراكية )
    وهذا هو إفطار أغلب الدّور في القرية .


    أمّا القصة الخامسة و الأخيــــرة ،'' اليــوم الحزين ''
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=46740


    فتشير بفنية رائعة ،و بساطة شفافة راقية .. إلى حرب 1967 ضدّ الصهاينة.الحرب التي عرفت بالنكسة تجاوزاً . و التي كانت هزيمة نكراء : ( فرقة من الجيش تعود من أرض المعركة.فيستقبلها أهالي قريـة استقبال الأبطال ، فيكرمون وفادتها . و ينتشون بخبر النّصر.و لكن الفرحة لم تدم طويلا فسرعان ما عرف الأهالي الحقيقة المرّة ، التي حاولت وسائل الإعلام إخفاءها.لقد استولى الصهاينة على سيناء وجزيرة شدوان في البحرالأحمر ومرتفعات الجولان السّورية ، وتمكنوا من فرض سيطرتهم على القدس كاملة . فعمّ الحزن و الأسى . و أوشك الرئيس أن يتنحى عن الحكم ، لولا تمسك الشّعب به . بينما تعلق قائد الفرقة بالقرية وأهاليها وفكــرفي الزّواج من إحدى بناتها . و لكن ظروف الحرب صرفته عن ذلك . )
    القصة لم تضف جديداً ، لما هو معروف تاريخياً ،عن تلك المرحلة السّوداء من تاريخ مصر و الأمّة العربية . و لكن جاءت كغيرها من النّصوص السّابقة بما يمتّ لأخلاقيات القرية بصلة وطيدة ، و بخاصة إكرام الضيف (سارع الجميع في تجهيز الطّعام والشاي لهؤلاء المحاربين الذين ارتموا على حافة الطريق الزراعي . وامتلأت القرية بالزغاريد ، وتدب الحركة فيها ، هذا طفل يحمل إبريق الشاي ، وذاك شاب يحمل صينية عليها طعام يحتوي على قشدة وجبنة ومخلل لفت وخبز ، وآخر يحمل أكوازًا مليئة بماء الزير ) و تتواصل عادات الضيافة (وفي ساعة الغداء توالت الصواني ( أوعية كبيرة لحمل الطعام ) على مكان تجمع الأبطال ووضعت على الطبليات ... الصبية أتوا بالبطيخ ليُكْسَر أمامهم واحدة واحدة والكل يهنأ بخيرات الله ويأكلون ما لذ وطاب ، فوقت يونيه هو أوان البطيخ ، وثماره ناضجة تمام النّضوج ،)
    في هذه القراءة التي لا تغني أبداً عن قراءة النّصوص . حاولنا التّركيز على الصّور الاجتماعية للقرية في ريف مصر . تلك الصّور التي لا زال منها باقيا ، والتي أتت على بعضهاالآخر عوادي العصر و العصرنة ، فأصبحت نسيا منسيا . أو في أحسن الأحوال ذكرى من الذكريات تخبئها ذاكرة شيخ أو عجوز . و تُروى كحكاية من حكايا الخيال ، أو أسطورة légende من أساطير الأوهام . رغم أنّها الواقع الذي كان . و الذي عايشه الإنسان ، في ربى ، و دلتا النيل العظيم .


    النهـــج الفنــــي :
    القصّة في مجموعة : ( في قريتي )


    قصة توثيقية اجتماعية . يصبح فيها الحدث مطية لاستعراض الجانب المعيشي و الفكري . بل إنّ الحدث نفسه ، و رغم أهميته أحياناً كما هو في '' فلنكات '' و ''مبروك يا سعدة '' و''اليوم الحزين'' يبقى عرضيا . فإنّ الوصف الذي يطال العادات و التقاليد ، وما له علاقة بالقرية ، و ذكريات القاص، يبقى الأمرالأهم و الطّاغي والبارز . و من تمّ كانت هذه القصص الخمس ، تجسيداً للأنسنة Humanisation
    السّارد narrateur بحكم أنّه القاصّ نفسه ، يروي بحميمية خالصة، و تودّد متناه ، و معرفة شاملة ، و كأنّه الحاضر المطلع . و المعني المتيقظ ،و الناقل بأمانة لأحداث القصّة . دون تدخل أوإقحام ، بل بحياد تامّ ، و لكن بتواجد نفسي علائقي، بصل أحياناً إلى المباشرة كما هو في '' الشّاعرة المفقودة ''
    أمّا اللّغـــة : فقد جاءت مزدوجة ، تجمع بين الفصحى المبسطة في السّرد و الحكي ، و الدّارجة العامية في الحوار. مشكلة تركيبا نصيا syntaxe textuelle و الملاحظ أنّه وقع نوع من التّقارب يتّسم بالغرابة . لربّما لبساطة لغة السّرد و سهولتها .إذ يلاحظ انتقال السّارد من صنف لغوي إلى آخربسهولة و يسر. يذكر بأسلوب المرحوم توفيق الحكيم .
    و قد حشد القاص من المفردات و اللّهجة المحلية الشيئ الكثير،ما أضفى على البنية اللّغوية جواً قروياً خالصاً : ( الدلتا ، المحراث ، الحمار ، البردعة ، الخطم ، الوحدة الصحية ، البرسيم ، الطابور ، المدرة ، الطبلية ، العيش ، العزبة ، الجوزة ، الغيط ، الشنب ... ) و قد أوضح ذلك القاص بقوله : ( يبقى أن أقول إن" القصص مطعّمة باللهجة العامية القروية في بعض الأحيان، حيث تطلب الأمر إيرادها لنقل الصورة الواقعية لأهل القرية ، كما وصفت الأطعمة والأشربة كما هي بأسمائها المتعارف عليها عندهم، كما وصفت بعض عاداتهم التي عشتها معهم ، وأفتخر بأنني أنتمي إليهم. ) و بذلك اختار القاص اللغة الواقعية langage réel
    عموماً مجموعة ( في قريتي ) سرد قصصي شبه ذاتي . لما له من صلة وطيدة بالقاص يعكس بعفوية و بصور فنية ، بساطة القرية ، و نقاء أجوائها ، و طيبة أناسها ... تلك القرية التي كانت بكلّ كينونتها وعطائها ... فتقلب الزّمان و تغيّر ، فتحوّلت بعض معالمها و تغيّرت . ولكنّها رغم كلّ ذلك ، بقيت تعيش في ذاكرة القاص بكلّ عاداتها و سماتها . و كأنّ عوادي الزّمان لم تنل منها ، و كأنّ الأمس يعسش في الحاضر .


    د مسلك ميمون

    [align=center]http://www.hor3en.com/vb/images/smilies/004111.gif[/align]

  2. #2
    عـضــو
    تاريخ التسجيل
    04/01/2008
    العمر
    33
    المشاركات
    3,628
    معدل تقييم المستوى
    15

    افتراضي رد: المظاهر الاجتماعية في المجموعة القصصية :''في قريتي" للقاص حسن الدراوي

    الدكتور/ مسلك ميمون

    هل أهنيء الإبداع على القراءة النقدية الإجتماعية
    أم أهنيء الكاتب على أن نصوصه لقيت لفت إنتباهكم

    أنتظر باقي الإخوة لمزيد من الإضاءة على قراءتك وعلى
    الزاوية قرأت بها النصوص...

    تقبل الإبداع البهي كله


  3. #3
    أستاذ بارز الصورة الرمزية حسن عبدالحميد الدراوي
    تاريخ التسجيل
    06/05/2008
    المشاركات
    566
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي رد: المظاهر الاجتماعية في المجموعة القصصية :''في قريتي" للقاص حسن الدراوي


    الدكتور/ مسلك ميمون
    هل أهنيء الإبداع على القراءة النقدية الإجتماعية
    أم أهنيء الكاتب على أن نصوصه لقيت لفت إنتباهكم
    أنتظر باقي الإخوة لمزيد من الإضاءة على قراءتك وعلى
    الزاوية قرأت بها النصوص...
    تقبل الإبداع البهي كله
    توقيع شوقي بن حاج

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الثلاثاء 25 جمادى الأولى 1430
    الأخ المبجل الأستاذ شـــــــــوقي بن حــــــاج
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
    لقد بعثت لكم تعقيباً وقـلـت : إن الدكتور مســـــــلك رجل أكاديمي ويحب الإبداع ، ولكن ما يسعدني هوسماع وجهة نظرك ورأيك أنت ، وأنت واحدٌ من مبدعي واتا .
    تحيتي لك ياصديقي
    محبك
    حسن عبدالحميد الدراوي

    د . حســـن عبدالحميد الدّراوي

    * عضو اتحاد الكُتّاب الأفروأسيوي .
    * عضو اتحاد كُتاب مصـــــــــــــر .
    * عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية .
    *عضو رابطة الأدب الحديث .مصــــــــر
    * عضو رابطة أدباء الشــــــــــام
    .[align=center][/align]

  4. #4
    أستاذ بارز الصورة الرمزية حسن عبدالحميد الدراوي
    تاريخ التسجيل
    06/05/2008
    المشاركات
    566
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي رد: المظاهر الاجتماعية في المجموعة القصصية :''في قريتي" للقاص حسن الدراوي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مسلك ميمون مشاهدة المشاركة
    المظاهر الاجتماعية في المجموعة القصصية :
    ''في قريتي
    ''

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    القاص حسن عبد الحميد الدراوي
    القاص حسن عبد الحميد الدراوي ، قاص مصري يعيش في المملكة العربية السعودية منذ 1970 عمل في التّدرس والصّحافة ثمّ تفرغ للتأليف و الكتابة و النشر. من مؤلفاته :
    ـ في أدب الرسائل ـ رسلة إلى ولدي .
    ـ في أدب الموعظة ـ هؤلاء ماتوا على طاعة .
    ـ في الشعر ديوانين :* الأول : في وحدتي . * والثاني : في غربتي .
    ـ في كتب القراءة والكتاب لماقبل الرحلة الإبتدائية :ـ
    * إقرأ واكتب تهيئة وإعداد .
    * القراءة والكتابة للمبتدئين
    ـ في قصص الأطفال سلسلة روان ورناد :ـ
    * طبع منها واحدة الصرة والحجر ، والسلسلة مكونة من إثني عشر قصة .
    و هناك مؤلفات تحت الطبع .
    من مؤلفاته في مجال السّرديات ''في قريتي'' مجموعة خاصة جداً. تعتمد الأصالة الواقعية . و البساطة السّردية ، و تجنب المغالة overstatementتضم خمس قصص : الفنكات ، صاحبي و أنا ، مبروك يا سعدة ، الشاعرة المفقودة ، اليوم الحزين .
    يقول القاص معلقا على مجموعته '' في قريتي '' (لأنني من القرية، ومازلت أنتمي إليها ، آثرت أن أسجل كل ما يمت للقرية بصلة، أصف القرويين بطيبتهم، ومساكنهم البسيطة، وأحلامهم الكبيرة، ومدى تطور القرية عَلَى مرّ السنين الطويلة التي عاصرتها. سجلت هذه المعايشات الواقعية كلها في قصة سمَّيتها " في قريتي " ، وفاءً وحبًّا لها .)
    القصة في هذه المجموعة، وثيقة اجتماعية و ثقافية . يحاول الكاتب من خلالها ، أن يعكس بسلاسة و فنية،المظاهر الاجتماعية التي تبدو لغير المعتاد عليها ، غريبة و بخاصة في زمان كزماننا . بينما هي لابن القرية ، الذي عاش فيها ، و ألفها طوال مرحلة الطفولة ، كما هو الأمر بالنسبة للقاص ، فهي حميمية و رائقة و شيقة ... تذكره بفترة من حياته لا تنسى. فنحن إذاً أمام خمس وثائق اجتماعية عن مجتمع القرية الصغير، في الريف المصري .
    ففي قصة الفلنكـــــــــات ـ
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=46985
    وهي القصة الأولى في المجموعة ـ يقف القارئ على أوّل مظاهر التّحديث في القرية.إذ قرّرت السلطات الانجليزية ربط مستعمراتها بخط السّكك الحديدية لتتمكن من نقل جنودها و عتادها.و لتضمن التنقل السّريع بين مصر و فلسطين. و لكن الخطّ سيمر فوق أراض زراعية الشيء الذي أغضب المزارعين ،كما أغضبتهم توابع هذا الخط : من دخول الغرباء ، و انتشار عاداتهم و سلوكاتهم التي لاعهد للقرية بها.
    لقصة تتمحور حول شخصية شحاثة ، الذي أتمّ دراسته الابتدائية ، و انتقل إلى قرية مجاورة لإتمام الإعدادي . و لكن قسوة المعلم، جعلته يفكر في ترك الدراسة ، و التّفرغ لأعمال الأرض . إلا أنّ أمّه رفضت ذلك ، و شجعته على الاستمرار. فكان يستأنس بتشجيعها. و يتخذ أمين أفندي ؛ المهندس قدوة و مثالا .
    شحاثة كان له أخ يسمى عبادة . اتّفق مع رفاقه على محاربة الاستعمار الإنجليزي. و مهاجمته في التل الكبير. و قرّر شحاثة أن يساعد أخاه في نقل الذّخائر.إلا أنّ إمام المسجد أثناه عن عزمه. فأنّبه والداه على ما اعتزم فعله و هو صغير .
    و يتمّ شحاثة دراسته الثانوية و يصمم على التّوقف، لكن أمّه من جديد تصرّ أن يتمّ تعليمه فينتقل إلى المدينة ليكتشف عالماً آخر مختلفا عمّا تعوده في القرية . و في العطلة؛ اكتشف شحاثة أنّ خط السكك الحديدية المحاذي للتّرعة التي تخترق القرية قد غير معالم كثيرة . فحتّى الأهالي استأنسوا بالعمال و أكرموهم ، و لم يعد هناك تخوف كما كان في السّابق .
    وتكتمل فرحة أهل القرية بإكمال شحاتة دراسته العليا . وتبتهج القرية بعودة ابنها شحاتـة يحمل شهادة تخرجه في كلية الآداب قسم تاريخ مع تعيينه عضوًا بهيئة التّدريس بالجامعة .
    ربّما الأحداث لا تبدو هامّة للغاية، بصرف النظر عن خط السكك الحديدية . و لكن الأهمّ هو روح القرية ، و كيف صورها القاصّ ، من خلال معايشته ، و انصرافه إليها :
    فمن العادات و التقاليد : جاء في النص أنّ شحاثة (اعتاد أبوه أن يصحب معه ضيوفًا كلّ يوم جمعة ، فبعد الصلاة يصطحب اثنين أو ثلاثة رجال يذهب بهم إلى المندرة لتناول طعام الغداء بما هو موجود في المنزل من طعام ، فشعاره دائمًا (الجودة بالموجودة) .
    توضع الطبلية وعليها أنواع الطعام ، وليس شرطًا أن تحتوي على اللحم أو السمك أو الدجاج أو الأرانب ، ولكن الغالب في الصيف البامية ( القرديحي ) أي بدون لحم ، ومخلل اللفت والخبز الملدن ، وأحيانًا الملوخية بالأرانب .
    )
    و حين رحل شحاثة إلى المدينة من أجل الدراسة،صاحب معه أثاث و أكل القرية ( حصيرة ووابور جاز ولمبة نمرة عشرة ـ للمذاكرة عليها ليلا ـ ولحاف). أيضا اصطحب معه ( سبت ) مليئًا بالأرغفة الفلاحي ( عيش ملدن ) ، وجرَّة صغيرة بها عسل أسود ومحلبة بها سمن بلدي وبرطمان جبن وبرطمان مِشٍّ .)
    أمّا قصـــة ''صاحبي وأنـــــــا''
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=45107
    فنعيش علاقة الرّبط بين الإنسان و الحيوان في القرية المصرية . ذلك الارتباط الغريب الذي يتمثل في علاقة الطفل محمود بحماره الذي جاء به والده ليقله إلى المدرسة البعيدة . و إذا بالطفل بدل أن يركب الحمار كما يفعل غيره من زملائه .(يسحب الحمار من خطامه ويسير على رجليه نحو المدرسة .) الشّيء الذي جعله مثار ملاحظات أصدقائه (ركب الحمار يا محمود عشان تروح المدرسة بدري قبل الطابور ) و لكن محمود لم يبال فأصبح يصل المدرسة متأخراً ما لفت انتباه الإدارة ( فينصحه الناظر بعدم التّأخر واحترام المواعيد) و حين يصل المدرسة يسلم الحمار للعم توفيق المسؤول على حراسة الحمير . و لكن لا يهدأ باله ، و يمضي يتمسّح بالحمار و يتفقده إلى أن يطمنه العم توفيق : ( يا ولدي ماتخافش على حمارك عشان هو عندي زي بقية الحمير ، له من العناية والتقدير كلّ اللي تتمناه، ده إللي اتعلمناه من الآباء والأجداد ومن ديننا ، الحيوانات دي لازم نحترمها ونصونها ونرعاها حق الرعاية ، روح يا ولدي لمدرستك وها ترجع تلاقي حمارك في أحسن حال بإذن الله .) و شاع الخبر حتى بلغ مسمع السيد الناظر و حاول إقناعه بأنّ ما يفكر فيه خطأ ، و أنّ الحمير جعلها الله لنا لنركبها و نصحه أن يستمتع بركوب حماره بغير ضرر أو إسراف . كما تنامى الخبر إلى والده فاحتار في أمره : (جبت لك حمار عشان تركبه معزز مكرم وترتاح وانت رايح لمدرستك ، تقوم تسحبه وما تركبوش ؟!! ليه يا محمود ؟ الكل بيتكلم عنك يا ابني !!) و لكن لا أحد استطاع أن يفهم رأي محمود الذي كان يقول للجميع:( الحمار ده طيب وعمره ما قال لحد فينا لأه ، يبقى أنا أتعبه ليه ؟ دا ربنا وصانا بالدواب ، والحمار من الدواب .) فيقوم الأب ببيع الحمار لتسديد نفقات زواج أخته تفيدة ، فيحزن محمود على فراق صاحبه الحما. و لكنّه استطاع أن يواصل دراسته و يتخصّص في الطّب البيطريّ و يعدّ جمعية لحماية الحمير.تلك هي قصّة محمود و حماره ولكن على هامشها، و بين فقراتها، و جوانبها ، تسربت حكايا وأشياء تؤثث مجتمع القرية :
    أ ـ العمّ توفيق وقيامه بحراسة حمير التلاميذ ،أو الوافدين على مركز الصّحة. و كيف كان يعتني بالحمير و يسقيها و يطعمها من التّبن و الفول و البرسيم .
    ب ـ والعمّات والخالات و نساء العائلة... و كيف كن يجتمعن حول كؤوس الشاي وهن يثرثرن ، و يستعرضن نشاطهن و استعداداتهن لشهر رمضان المبارك .
    (وعند عودته إلى المنزل وجد والدته وقد اجتمع عندها الجارات والصديقات من أهل القرية الهانئة السعيدة المفعمة بالحب والدفء والإخلاص ، ويلقي عليهن تحية المساء ... وتذهب سعدية لعمل الشاي تحية واستضافة للحاضرات ... الخالات والعمات يتحدثن عن الاستعداد لرمضان ، فهذه قد ربَّتْ إِوَزًّا ، وتلك جهزت بيتها بطحن القمح والذرة واستعدت للخبز ، وتلك تستعد لولادة الجاموسة ، فالجاموسة على وشك الولادة .
    وهن جميعًا مسرورات لقدوم الشهر الكريم ، فشهر رمضان في القرية عندهم له مذاق وطعم ، فالفتيات ينتظرن ليالي السمر حيث يجتمع الرجال في المندرة حول صوت الشيخ و هو يقرأ القرآن ، و فيها يتم تزويج فلانة لفلان و لكن بعد العيدين ( الفطر و الأضحى ) لأن بين العيدين لا تقام عندهم الأفراح . )
    بل القصة لا تهمل الاشارة إلى وصف بعض أنواع الأكل المعتاد في القرية : ( ويجد أمه قد أعدت له طعامًا يحبه كثيرًا ، هو البيض المقلي في السمن البلدي و الجبن و الالقريش و طبق القشدة الشهي و قليل من مخلل اللفت و الجرحير البلدي . )
    كما تشير القصة إلى الإعجاب والعشق العفيف الذي تبديه السعدية إزاء معلم القرية سعيد ، و الذي هو مجرد إعجاب بغير أمل . أو العناية بزواج تفيدة عمة محمود .
    كما تشير القصة إلى الحفل الذي أقامه أبو محمود لابنه و هو يخطو نحو الدكتوراه '' الشهادة الكبيرة '' ، ( احتفل أهل القرية بالدكتور محمود من خلال مأدبة عشاء أعدها والده للأهل والأحباب ودعا قارئًا ليقرأ ومنشدًا لينشد ومدَّاحًا ليمدح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم.).
    ج ـ المجتمع القروي الذي هو على شكل أسرة كبيرة في المسجد و الحقل و البيت .. فمحمود ( يصلي مع أهل قريته ، ثم يعود برفقة الأهل والخلان ، فهذا عمه وذاك خاله وذلك جده ، وهؤلاء الصبية أقرانه وأقاربه ، القرية كلها كأنها بيت واحد كبير ، الكلّ يعرف الكل، والكلّ أهل للكل .) و من ذلك حب الوسط و الأهل ، لقد كان محمود يحب كل ما في قريته : (الحب للأرض ... الحب للقرية ... الحب للمحراث ... الحب للجد والجدة ... الحب للعم والعمة ... الحب للخال والخالة ... الحب لكل من حوله ، والحب حتى للحيوانات ) و كان أستاذ سعيد يراعي الأخلاقيات العامة : (فهو يعتبر أهل القرية كلهم أهله ، وبنات القرية كلهن أخواته ، غير أنه من قرية أخرى فينبغي أن يكون حذرًا ومؤدبًا ولا يجرح شعور أحد ولا يخرج عن المألوف من عادات القرية وتقاليدها .)
    د ـ الحيوانات : كان والد محمود يربي في زريبة مجاورة للدار : ( الجاموسة والبقرة والحمار وبعض الماعز والدواجن) ، ويطلب من أستاذ النشاط أن يؤسّس جماعة في المدرسة باسم ( جماعة محبي الحمير )
    هـ ـ الديــن : و مدى ارتباط الأهالي بالجانب الدينيّ (يسمع محمود مؤذن المسجد يقول : حي على الصلاة ، حي على الفلاح . فيترك المجلس ويذهب لصلاة العشاء مع الرجال في المسجد ... يجتمع الرجال في المندرة حول صوت الشيخ و هو يقرأ القرآن .... ويذهب إلى المسجد لأداء صلاة المغرب فيتوضأ من الماء الجاري في الجدول الصغير أمام المسجد ويصلي مع أهل قريته ...
    و في امتناع محمود ركوب الحمار يذكره أحدهم بقوله تعالى: "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " النحل 8 ....
    و حين يخبر بوفاة العم توفيق حارس الحمير : (العم توفيق غادر الدنيا إلى الآخرة فأسرع إلى قبره ليقرأ الفاتحة ترحماً .)
    ـ و هكذا تبقى تقاليد القرية ، التي لا وجود لها في الحواضر و المدن الكبرى ، هي سمة القرية المصرية ؛الغالبة في القصة ، والتي تحدد معالمها الإنسانية والإجتماعية.و يحرص القاص على استعراضها ، و بثها ، كلّما تطلب السّرد ذلك
    أما القصّة الثالثة '' مبـــروك يا سعـــدة ''
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=45163
    قصةُ أغلب بنات القرية اللّواتي كن يتزوجن بدون علمهن و لا استشارتهن . أويكن آخرمن يعلم . كما كان الأمر بالنسبة '' لسَعدة '' التي أخبرتها أمّها بالزّواج قبل أسبوع فقط . فاضطربت نفسيتها ، و هي تجد المهنئات يهنئنها و يباركن زواجها القريب ..فيقترض أبوها الفقير ما يمكنه من مصاريف الزّواج . و يحضر كلّ شيء في أسبوع . و تغرق ''سعدة'' في وهم تخيّل الخطيب . فتتوارد على ذهنها خواطر شتّى , و تحسب ارانب البيت تخاطبها . فتفقد القدرة على التّمييز والضّبط و الانضباط و التّركيز. يخيفها المستقبل ، كما يخيفها هذا الآتي المجهول .. و في مرحلة الإعداد والاستنفارالعائلي ، تتدهور صحّة ''سعدة'' و تفقد وعيها . فتُعرضُ على الأطباء و تقام لها حفلات الزّار ...فتتحسن بعض التّحسن فيتم الزّواج . و لكن ''سعدة'' لم تنجب فتقام لها حغلات الزّارمن جديد، بدون جدوى.فيهدد زوجها بأن يتزوج إذا لم تنجب وأنّه سيظل يتزوج و يتزوج ،حتى تنجب إحدى زوجاته .
    في هذه القصة وصف ضاف لمظاهر الاستعداد لما يعرف بالحنّة . و ما يكلّف من مصاريف و تجهيزات و دعوات للأحباب و الأصدقاء في القرية ، و القرى المجاورة : (وتلتف الفتيات القرويات حول سعدة ويقلبن الطست ( وعاء كبير من النحاس ) وينقرن عليه نقرات الطبل والفرح ووقفت واحدة منهن وحزمت وسطها بالطرحة ( غطاء رأسها ) ، وأخذت ترقص رقصات شعبية وتغني أغنيات شعبية .
    كل فتيات القرية في فرح وسرور متمنيات لها السعادة في بيت العدل ، داعيات أن يلحقن بها في القريب العاجل ، فاليوم هو الثلاثاء وغدًا الأربعاء يوم الحنة،والدخلة يوم الخميس .
    وفي اليوم التالي ذهبت الأم بسرعة إلى المدينة لشراء فستان الزفاف ، وتجلس الخياطة في انتظار القماش القادم من المدينة لتقصه وتفصله للعروس وهي تنادي بصوت عالٍ : فين العريس يا بنات علشان يديني فتحة المقص .... )

    وفي القصّة الرابعة '' الشّاعـــرة المفقــودة ''
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=45223
    قصة رومانسية حالمة ، لفتاة من القرية ، و جدت نفسها تردد مع فيروز ( حبيتك في الصيف حبيتك في الشتي ) و هي لا تعرف معنى ذلك فحين سنعتها أمّها نهتها عن ترديد مثل ذلك الكلام . و ما دام كلّ ممنوع مطلوب سألت الفتاة أستاذ العربية عن معنى كلمات الأغنية . فكان شرحه عاماً حول الحب . ثمّ تجرأت فسالت والدها فنهاها عن الحديث في ذلك وطالبها بالاهتمام بدروسها و كتابة الشّعر كنازك الملائكة و بنت الشّاطئ . فسألت عنهما الأستاذ فلمّا أخبرها . قرّرت أن تكون شاعرة ترضية لوالدها . و في الثاّنوي تعلمت العروض والقافية وأصبحت تكتب قطعاً تشارك بها في الحفلات ، فتعرفت على طالب شاعر و تعلّقت به ، و لكن فقره أحال بينها و بينه ، فتزوجها صاحب أملاك ،فغرقت في حياتها الجديدة، و نسيت الشّعروالشّاعر.
    و كالعادة القاص يأتي بالحدث لا لأهميته ، و لكن ليمرّر مظاهرالقرية و بخاصة ما يؤثثها اجتماعياً . ففي هذه القصّة، و إن قلّت العاميةعلى عكس ما سبق ، و ربّما لما يفرضه الموضوع (الشعر) فإنّ ما جاء في القصّة يكشف عن صبغة القرية وأفكارها : (قالت الأم بغضب : حب !! حب إيه يا مقصوفة الرقبة ؟!! خلي بالك من دروسك ، دا لو أبوكي عرف إنك بتتكلمي عن الحب هيكسر رقبتك ، ياللا عشان نخبز العيش أحسن خميرته زادت) .
    . كما أنّ السّرد بالفصحى كان دالا عن ذلك : (عند الفجر أذنت الديكة قبل مؤذن المسجد ، فاستيقظ الجميع وذهب الأب إلى المسجد ، وفي هذا الوقت أشعلت أم صباح الحطب في الراكية ( مكان توقد فيه النيران وسط الصالة على الأرض ) ووضعت غلاية الشاي فيها ، استيقظت صباح من نومها لتساعد أمها في إعداد الإفطار ( لبن رايب، قشدة ، جبنة قريش ، بيض مقلي ، ملح ، فلفل أحمر ، خبز مقمَّر على جمر الراكية )
    وهذا هو إفطار أغلب الدّور في القرية .
    أمّا القصة الخامسة و الأخيــــرة ،'' اليــوم الحزين ''
    http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=46740
    فتشير بفنية رائعة ،و بساطة شفافة راقية .. إلى حرب 1967 ضدّ الصهاينة.الحرب التي عرفت بالنكسة تجاوزاً . و التي كانت هزيمة نكراء : ( فرقة من الجيش تعود من أرض المعركة.فيستقبلها أهالي قريـة استقبال الأبطال ، فيكرمون وفادتها . و ينتشون بخبر النّصر.و لكن الفرحة لم تدم طويلا فسرعان ما عرف الأهالي الحقيقة المرّة ، التي حاولت وسائل الإعلام إخفاءها.لقد استولى الصهاينة على سيناء وجزيرة شدوان في البحرالأحمر ومرتفعات الجولان السّورية ، وتمكنوا من فرض سيطرتهم على القدس كاملة . فعمّ الحزن و الأسى . و أوشك الرئيس أن يتنحى عن الحكم ، لولا تمسك الشّعب به . بينما تعلق قائد الفرقة بالقرية وأهاليها وفكــرفي الزّواج من إحدى بناتها . و لكن ظروف الحرب صرفته عن ذلك . )
    القصة لم تضف جديداً ، لما هو معروف تاريخياً ،عن تلك المرحلة السّوداء من تاريخ مصر و الأمّة العربية . و لكن جاءت كغيرها من النّصوص السّابقة بما يمتّ لأخلاقيات القرية بصلة وطيدة ، و بخاصة إكرام الضيف (سارع الجميع في تجهيز الطّعام والشاي لهؤلاء المحاربين الذين ارتموا على حافة الطريق الزراعي . وامتلأت القرية بالزغاريد ، وتدب الحركة فيها ، هذا طفل يحمل إبريق الشاي ، وذاك شاب يحمل صينية عليها طعام يحتوي على قشدة وجبنة ومخلل لفت وخبز ، وآخر يحمل أكوازًا مليئة بماء الزير ) و تتواصل عادات الضيافة (وفي ساعة الغداء توالت الصواني ( أوعية كبيرة لحمل الطعام ) على مكان تجمع الأبطال ووضعت على الطبليات ... الصبية أتوا بالبطيخ ليُكْسَر أمامهم واحدة واحدة والكل يهنأ بخيرات الله ويأكلون ما لذ وطاب ، فوقت يونيه هو أوان البطيخ ، وثماره ناضجة تمام النّضوج ،)
    في هذه القراءة التي لا تغني أبداً عن قراءة النّصوص . حاولنا التّركيز على الصّور الاجتماعية للقرية في ريف مصر . تلك الصّور التي لا زال منها باقيا ، والتي أتت على بعضهاالآخر عوادي العصر و العصرنة ، فأصبحت نسيا منسيا . أو في أحسن الأحوال ذكرى من الذكريات تخبئها ذاكرة شيخ أو عجوز . و تُروى كحكاية من حكايا الخيال ، أو أسطورة légende من أساطير الأوهام . رغم أنّها الواقع الذي كان . و الذي عايشه الإنسان ، في ربى ، و دلتا النيل العظيم .
    النهـــج الفنــــي :
    القصّة في مجموعة : ( في قريتي )
    قصة توثيقية اجتماعية . يصبح فيها الحدث مطية لاستعراض الجانب المعيشي و الفكري . بل إنّ الحدث نفسه ، و رغم أهميته أحياناً كما هو في '' فلنكات '' و ''مبروك يا سعدة '' و''اليوم الحزين'' يبقى عرضيا . فإنّ الوصف الذي يطال العادات و التقاليد ، وما له علاقة بالقرية ، و ذكريات القاص، يبقى الأمرالأهم و الطّاغي والبارز . و من تمّ كانت هذه القصص الخمس ، تجسيداً للأنسنة Humanisation
    السّارد narrateur بحكم أنّه القاصّ نفسه ، يروي بحميمية خالصة، و تودّد متناه ، و معرفة شاملة ، و كأنّه الحاضر المطلع . و المعني المتيقظ ،و الناقل بأمانة لأحداث القصّة . دون تدخل أوإقحام ، بل بحياد تامّ ، و لكن بتواجد نفسي علائقي، بصل أحياناً إلى المباشرة كما هو في '' الشّاعرة المفقودة ''
    أمّا اللّغـــة : فقد جاءت مزدوجة ، تجمع بين الفصحى المبسطة في السّرد و الحكي ، و الدّارجة العامية في الحوار. مشكلة تركيبا نصيا syntaxe textuelle و الملاحظ أنّه وقع نوع من التّقارب يتّسم بالغرابة . لربّما لبساطة لغة السّرد و سهولتها .إذ يلاحظ انتقال السّارد من صنف لغوي إلى آخربسهولة و يسر. يذكر بأسلوب المرحوم توفيق الحكيم .
    و قد حشد القاص من المفردات و اللّهجة المحلية الشيئ الكثير،ما أضفى على البنية اللّغوية جواً قروياً خالصاً : ( الدلتا ، المحراث ، الحمار ، البردعة ، الخطم ، الوحدة الصحية ، البرسيم ، الطابور ، المدرة ، الطبلية ، العيش ، العزبة ، الجوزة ، الغيط ، الشنب ... ) و قد أوضح ذلك القاص بقوله : ( يبقى أن أقول إن" القصص مطعّمة باللهجة العامية القروية في بعض الأحيان، حيث تطلب الأمر إيرادها لنقل الصورة الواقعية لأهل القرية ، كما وصفت الأطعمة والأشربة كما هي بأسمائها المتعارف عليها عندهم، كما وصفت بعض عاداتهم التي عشتها معهم ، وأفتخر بأنني أنتمي إليهم. ) و بذلك اختار القاص اللغة الواقعية langage réel
    عموماً مجموعة ( في قريتي ) سرد قصصي شبه ذاتي . لما له من صلة وطيدة بالقاص يعكس بعفوية و بصور فنية ، بساطة القرية ، و نقاء أجوائها ، و طيبة أناسها ... تلك القرية التي كانت بكلّ كينونتها وعطائها ... فتقلب الزّمان و تغيّر ، فتحوّلت بعض معالمها و تغيّرت . ولكنّها رغم كلّ ذلك ، بقيت تعيش في ذاكرة القاص بكلّ عاداتها و سماتها . و كأنّ عوادي الزّمان لم تنل منها ، و كأنّ الأمس يعسش في الحاضر .
    د مسلك ميمون


    بســــم الله الرحمن الرحيم

    الســـبت : 20 / 11 / 2010 م

    شــــــكراً للدكتور مســــلك على هذه القراءة والشــــكر لكل من مر وَعَلّق على الموضوع .

    تحياتي لكم جميعاً

    محبكم

    حســــن عبدالحميد الدراوي

    د . حســـن عبدالحميد الدّراوي

    * عضو اتحاد الكُتّاب الأفروأسيوي .
    * عضو اتحاد كُتاب مصـــــــــــــر .
    * عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية .
    *عضو رابطة الأدب الحديث .مصــــــــر
    * عضو رابطة أدباء الشــــــــــام
    .[align=center][/align]

  5. #5
    أديب الصورة الرمزية ابراهيم عبد المعطى داود
    تاريخ التسجيل
    15/05/2007
    العمر
    65
    المشاركات
    994
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي رد: المظاهر الاجتماعية في المجموعة القصصية :''في قريتي" للقاص حسن الدراوي

    --------------------------------------------------------------------------------

    الحكاية الأولــــى


    كل مافى قريتى جميل ورائع
    يروق لى اللعب فى " غيط الوز "..
    ساحة فسيحة على أطراف القرية ألتقى فيها مع أقرانى بعد خروجى من الكتًاب ..
    نلقى بالألواح جانبا .. ونقسًم أنفسنا قسمين .. فريق يلعب بالكرة الزلط .. وآخر يتسلًق شجرة التوت العتيقة ليجمع لنا التوت القرمزى ذو الطعم الجميل ...
    أما أنا فأقف موقف المتفرج دائما ..
    أراقب هذا وذاك ..
    فلا تعجبنى تصرفات "سامى " .. يجمع التوت فى بقجته ويهبط متسللا من الشجرة وينتحى جانبا ليلتهمه فى شراهة ..
    أنادى على بقية أقرانى فيتركون مابأيديهم وينطلقوا جميعا مسرعين ناحية " سامى "
    لكنه يكبش كبشة كبيرة ويقذفها داخل فمه الممتلىء فتندلق عصارة التوت على ملابسه ..
    سرعان مانسمع صفير قطار الواحدة ظهرا فنسرع عائدين الى ديارنا ...
    وفى الطريق أمر على دار سامى فأسمع صراخه وأمه تضربه بشدة وهى تقول :
    - هل كنت فى الكتًاب ... ؟ أم تأكل توتًا ..؟
    - ------------------



    الحكاية الثانية


    سيدنا الشيخ على ... كفيف .. لكن قمة فى الذكاء ..
    يحفظنا القرآن بطريقة جميلة ...
    نجلس حلقات متباعدة .. كل خمسة فى حلقة .. وكل حلقة تقرأ جزء مختلفا بصوت عال .. فتختلط الأصوات .. وهو يدور بيننا ممسكا بالعصابيد ويده الثانية تعبث فى لحيته البيضاء الكثيفة .. مسلطا أذنه اليمنى نحونا .. يعرف صوت كل واحد منًا .. يحس بوجودى فى حلقة قصار السور فينهانى رافعا العصا فى الهواء مهددا .. فأهرع الى حلقتى وسط ضحكات أقرانى الساخرة والمكتومة .. وأسأل نفسى .. كيف شعر بوجودى ..؟ وفى آخر اليوم ونحن نهم بالإنصراف أسمعه يقول لبائع البطيخ :
    - أن حافظ القرآن كحامل المسك ... لاتجذبه الا الرائحة الطيبة.. ويرى بقلبه مالا يراه المبصرون



    الحكاية الثالثة


    تتردد فى قريتنا حكاية الناظر مأمون ..
    هو ناظر المدرسة الجديد .. يحضر من البندر فى قطار السادسة صباحا .. وينتظره ساعى المدرسة عند المحطة بالحمار الذى يقله حتى باب المدرسة .. يمر على الديار ويسلًم على كل من يقابله ثم ينعطف ناحية دكان بائعة الفلافل " روحية "
    فتناوله قرطاسا من الورق به فلافل .. وتهبه نظرات ملتهبة ..
    عيناه مكحولتان .. جبته ناصعة البياض كاللبن الصافى ..
    لمحه أكثر من واحد وهو يهمس فى أذن روحية .. ماذا يقول لها ..؟
    لماذا تبتسم فى دلال .. وتهز أسفلها فى استهتار ..؟
    حتى كان يوما من أيام الشتاء .. ارتفعت ألسنة النار فجأة فى دار روحية .. وتعالت الصرخات واندفع الرجال والشبان بالأوانى المملوءة بالماء لإطفاء النيران ..
    ووسط الضجة والصرخات وهتافات الرجال .. خرج الناظر مأمون من دار روحية
    بملابسه الداخلية ..!
    وذهل الجميع .. وعلا وجوههم الوجوم والصمت ..
    وتساءلت وأنا فى ركن بعيد أتابع الموقف :
    - هل فى هذا الوقت أيضا يشترى الناظر فلافل ساخنة ..؟
    - ********************



    الحكاية الرابعة



    فى أوقات دريس القمح يحلو السهر ...
    على ضوء القمر والنجوم اللآمعة ونقيق الضفادع ونور مصباح الكلوب الذى يحيطه الناموس والهاموش نجلس فى الحقل طوال الليل .. وعم اساعيل ينخل القمح فى تؤدة وصبر جميلين .. نجمع القشر فى أجولة وفى أخرى نضع الحبوب ..
    أحتاج لشربة ماء فأتوجه الى الطلمبة ولكن جدتى تنهانى وتقول محذرة :
    - لاتبتعد .. فالظلام يحوطنا .. والعفريت يتربص حولنا ..!!
    فينتابنى هلع شديد .. ويجف ريقى .. فأنزوى فى حضنها وأشرب من كوب بجوارها
    ولكن الأسئلة تدور فى خيالى : ماشكل العفريت ..؟ هل مؤذى ..؟ هل أستطيع التغلب عليه .. ؟ هل صحيح يتشكل بأشكال مختلفة .. مرة كالحمار وأخرى كالكلب ..!؟ وقبل صلاة الفجر إصطحبنى جدى معه الى المسجد .. وفى الطريق كان ضوء القمر يغمر الأرض بنورة الهادىء .. ولمحت كلبا يتبعنا .. قلت لجدى وأنا ألتصق به من الرعب :
    - هل هذا عفريت ياجدى ..؟
    جذبنى جدى من يدى جذبة عنيفة قائلا :
    - اخرس .. لاتتكلم .. وردد خلفى
    سمعته يتمتم بالمعوذتين ويرددهما أكثر من مره
    استدرت بوجهى ناحية الكلب .. فلم أجده .. !
    ******************


    الحكاية الخامسة


    الليلة حفلة أم كلثوم الشهرية ..
    تخلو الطرقات والأزقة .. ويقبع الجميع بجوار المذياع للسماع والطرب ..
    هى فرصة لأمارس هوايتى المفضلة ..
    أتقابل مع أصدقائى عند أم فرحات بائعة القصب ...
    نلعب بقرش صاغ على عود من القصب .ز
    كنت بارعا جدا براعة يغبطنى عليها الكبير قبل الصغير .ز
    وفى تلك الليلة ذهبت كعادتى فلم أجد أقرانى .. وما أن شاهدتنى أم فرحات قادما حتى قالت
    بلهفة :
    - اجلس مكانى حتى أعود .. سعر العود بقرش صاغ واحد ..
    جلست متذمرا .. ولم يحضر أحد .. السكون يعم الأرجاء .. ونسائم الربيع تبعث فى الجو برودة مستأنسة ..
    وألمح من بعيد قادما شلاطة رجل الليل والقتل والدماء والرعب ...
    فاردا جسمة كالبنيان ... يتحرك كالمارد ..
    لبدت خلف أعواد القصب وأنا أكتم أنفاسى بكفى وأرتعش من الخوف ..
    وبعد مرور برهة ... دوى صوت طلقة رصاص ..
    سرعان ماترامت الأنباء بمقتل أحد أعيان عائلة فتح الله ..
    واشتعلت فى القرية التساؤلات التى لاحصر لها ولاعد ..
    وتساءل الجميع وهم يعلمون ... من القاتل ..؟
    أما أنا فكنت أتساءل :
    - لماذا لاتعلن الحقيقة ...؟



    الحكاية السادسة



    يوم الجمعة أجازة من الكتاب ..
    أذهب مع أخى الكبير الى الحقل منذ الصباح الباكر ..
    وعلى شط الترعة أجلس بالصنًارة أصطاد السمك ...
    أتكىء على جزع شجرة الصفصاف وأشعة الشمس تكسو الأرض بلونها الذهبى ..
    وأصطاد سمكة وأخرى ..وأضعهما فى كيس مملوء بالماء وأحكم رباطه ..
    وكلما استخرجت سمكة وضعتها فى الكيس ...
    وأسمع من بعيد صفير قطار الواحدة ظهرا ...
    فينادينى أخى :
    - هيا لتناول طعام الغذاء
    فأرفض وأظل متسمرا على جزع الشجرة ..وعيناي على الصنًارة
    والكيس يمتلأ أكثر بالسمك ...
    ويأتينى صوت عايدة كعزيف الناى ...
    فينزلق الكيس من يدي .. وينطلق السمك فى الماء فى خفة ورشاقة ..
    وأسمع ضحكتها الخافتة الرقيقة التى تؤجج النار فى قلبى .



    الحكاية السابعة


    فى الكتًاب ....
    هللنا وكبرًنا جميعًا أثر قول الشيخ على
    - عندنا صمدية غدًا فى منزل الحاج عبدون ..
    همس صديقى سامى والفرحة تقفز من عينيه :
    - سنأكل لحمًا وفاكهة ونتمتع بحلويات الحاجة عطيات ..
    وبعد صلاة الفجر .. استيقظت على صياح الديكة وزقزقة العصافير .ز
    تناولت طعام الفطور مع جدى واستمتعت وهو يرتًل ورده الصباحى على مسبحة تسع وتسعون حبة ..
    ثم توجهت الى دوًار الحاج عبدون ... كان منتصبا على باب الدوًار ... شيخ بهيج الوجه .. ذو نظرة آسرة
    وابتسامة عذبة ... أدخلنى الى مندرة كبيرة وتوالى وصول الأولاد .. وحضر الشيخ على ولسانه يرتًل بالقرآن .ز
    جلسنا حلقة واسعة داخل المندرة ... وتصدًرنا الشيخ على على دكًة عالية ...ابتدأ الشيخ على قوله :
    - ياحوش لاأريد فضائح .ز
    بدأنا فى التلاوة بصوت عال ... كنًا نقرأ سورة الصمد ونرددها باستمرار ونحن نهز نصفنا الأعلى فى ثبات
    واصرار ... مرً الوقت متثاقلا بطيئا ... وعيتاي تتنقل بين الشيخ على وهو يشرب الحلبة ثم الينسون ثم الشاى ..
    و نافذة المندرة والشمس ترسل أشعتها اللآفحة .. حتى حانت صلاة الظهر فصلينا ... وحيئذ قدمت الحاجة عطيات
    فى طيلسانها الذهبى وقامتها الطويلة ودخلت على أثرها الخادمة وهى تحمل صنية حافلة بأطباق الطعام .. ثريد ولحم ومرق ..
    أكلنا كما لم نأكل منذ أسبوع .. خطفنا الأكل من بعضنا البعض وسط ضحكاتنا المكتومة .. والشيخ ينهانا وهو يقضم لحما على لحم ...
    ثم دخلت الخادمة بأطباق الأرز باللبن ورقاق السكر والجوافة .. فالتهمناها التهاما ونحن فى سعادة غامرة والشيخ على يهز عصاه
    فى الهواء ويلوح بها ويدس فى جيب جبته ماتيسر من أطايب الطعام ..
    وبعد أن انتهينا من الطعام حتى عدنا من جديد الى القراءة بصوت عال ...
    وعيناي على نافذة الحجرة تتعجلان غروب الشمس .


    الحكاية الثامنة


    بين عائلة الطنيشى وعائلة فتح الله خصام مستعر ... تتأجج النفوس بالكراهية ...
    ويسيطر الحقد الأسود على القلوب والمصائر .. فتندلع المعارك الشرسة كل فترة ..
    لأتفه الأسباب .
    وتعلو النبابيت بين الرجال ..
    وتتقاذف النساء بالأحجار ..
    ويبض الدم .. وتتعالى أنًات الجرحى ..
    حتى تأتى قوًة الشرطة فيعود كل الى داره يلملم أشلاءه ..
    ويتدخل الأعيان للصلح بين الطرفين .. ويعم السلام حينا من الزمن ..
    ويقترح أحد الوجهاء أن يتزوج ابن كبير الطنيشى من ابنة كبير فتح الله ...
    وتتبادل الزيجات بين الطرفين .. ولكن لازال الحقد البغيض يعشعش فى القلوب ..
    وفى ليلة صيفية والرطوبة ترفع حرارة الجو ..
    اندلعت المعركة مرة أخرى ...
    وفى أثناء عودتى الى دارى سمعت كبير عائلة الطنيشى يقول لإبنه :
    - عند المواجهة لاتقابل زوج أختك .. وابتعد عنه ماأمكن ..
    وإن كان لابد فلا تضربه إلا على الساق ضربا غير مبرح .




    الحكاية التاسعة


    العم صابر من بيئة كادحة .. يعمل بلا تعب أو كلل ..
    ربعه .. أسمر الوجه .. بهي الطلعة ..
    رزقه الله بإبن واحد على أربعة بنات .. أطلق عليه يونس
    أحسن تربيته منذ الصغر رافعا شعار تقوى الله ..
    تسلمه الشيخ على بالرعاية والتهذيب والحفظ ...
    يحفظ ببراعة يحسد عليها .. ينتقل من الحزب الى الجزء فى أيام
    معدودات .. نصغى بإهتمام لصوته الجميل ونتمعن فى ملابسه الزرقاء الصافية كلون السماء .. نحاول أن نجذبه معنا فى اللعب فى غيط الوز أوصيد السمك أو أكل التوت لكننا نصطدم بتقواه وورعه ...
    وفى احتفال مهيب نظم البندر مسابقة لحفظة القرآن الكريم فتقدم يونس عن قريتنا .. وفى يوم الإختبار اصطفت الكراسى فى قاعة المدرسة بالبندر .. حيث تصدًر ثلاثة فقهاء القاعة .. النظرات حادة ..
    والوجوه متجهمة .. بينما جلس المتبارون أمامهم ..
    وتقدموا واحدا واحدا .. حتى جاء الدور على يونس .. فتقدًم فى ثبات ..
    يرفل فى ثوب أبيض كالقشدة .. وبلباقة وجرآءة يرد ويكر ماحفظة ..
    وتلمع عيون الفقهاء .. ويبتسم أحدهم هاشا فرحا .. وفى النهاية يعلن عن فوز يونس بالمركز الأول ..
    وينتشر الخبر فى القرية .. فتخرج كلها لإستقباله .. ويجتاحها فرح .. ويهزها الفخار والإكبار .. ويقبل الناس على عم صابر يهنئونه وينثرون عليه لآلىء الكلمات .. ولأول مرة يشعر عم صابر بأنه محاط من أهل القرية من كافة الطبقات .. يفوز بإكبار من لم يبالوا من قبل برد تحياته ..
    وتنهال عليه نفحات الوجهاء والأعيان ..
    ويهمس البعض بعجائب الحياة فى لحظة من لحظات الرضا الإلهى ..
    ويحدجنى جدى بنظرة سخط قائلا :
    - انظر ... لقد بدل حال اسرته ..
    وترد جدتى فى الحال :
    - ببركة القرآن .
    *************



    الحكاية العاشرة



    عايدة فتاة جميلة .. مشرقة الوجه ... ناعسة الطرف ..
    بورسعيدية هاجرت مع أهلها من ضمن من هاجروا إبان العدوان الثلاثى .. واستقروا فى قريتنا
    واتخذوا من مبنى الجمعية الزراعية مسكتا لهم ..
    ترتدى فستانا مشجرا يبرز نسق جسدها الجميل ..
    حذرنى جدى من الإختلاط بهم قائلا :
    - والدها تاجر مخدرات .. وعائلتها لآأخلاق لهم ..!
    لكنها جميلة .. يدق قلبى لمرآها .. وتضطرب عواطفى .. فأفرح عند رؤيتها وأحزن لفراقها ..
    أحاول الخلوة بها وهى تملأ الجرًة بالماء من الطلمبة خلف محطة السكة الحديد ..
    وألمس راحتيها فتسحبهما فى لطف وتقول فى رقة :
    - وبعدين معاك ..
    أضيق بجديتها فأقول فى جراءة غير معهودة :
    - يدك ناعمة مثل الحرير ...
    فتضحك ضحكة يهتز لها وجدانى ... وتتركنى وتنصرف .. فأعزى نفسى بالصبر ...
    وتتكرر المحاولة أثر المحاولة ولا أجد غير ارادة لاتلين .. ونظرات طاهرة .. وضحكات
    خافتة صافية ... فأذهد وأمضى مصمما على النسيان ..
    ويحضرنى قول جدى :
    - عائلتها لاأخلاق لهم ...!
    فيأخذ العجب منى كل مأخذ .!



    الحكاية الحادية عشر



    حدث فى قريتنا حدث هائل ..
    عربات ضخمة محملًة بأعمدة حديدية طويلة ولفائف مجدولة تقتحم قريتى ..فى حين انتشر عمال كثيرون فى أزقة القرية وطرقاتها ..
    تحلًقنا حولهم ونحن فى عجب شديد ..
    جاء العمدة على عجل لاهثًا مستفسرا .. سرعان مانفرجت أساريره وصفًق بكلتا يديه قائلا :
    - اتركوا الناس تعمل .. الكهرباء ستدخل قريتنا ...
    وعلا وجوهنا الدهشة ..!
    كهرباء
    سألت جدى :
    - مامعنى كهرباء ياجدى ..؟
    نظر نحوى ساخطا وقال :
    - كن فى حالك ..!
    همهمت جدتى فى قلق بكلمات غير مفهومة وهي ترنو الى المصباح الزيتي والدخان يتصاعد منه .
    مرت أيام .. و انتصبت الأعمده .. ومدًت الأسلاك .. وعلًقت اللمبات ...
    وفى الذهاب والإياب كنا ننظر بفخار واكبار واعجاب ..
    وفى ليلة .. أضيئت الأنوار فتحوًل الليل الداكن الى صبح مشع بالنور والبهاء والجلال .. وهللنا .. وكبًر الرجال .. وزغردت النساء ...
    حتى أم فرحات بائعة القصب اتخذت مكانا لها تحت أحد الأعمدة ..
    فهمست فى سرى :
    - كيف أختبئ من شلاطة بعد هذا اليوم ...؟؟
    - ***********************


    الحكاية الثانية عشر


    فى ليلة من ليالى الشتاء .. والزوابع تعصف .. والرياح تئز ..

    حدثت مجزرة رهيبة ...
    صياح شق الليل الداكن
    اندفع الجميع ناحية الصوت .
    كان المنظر عجيبا ..
    ثلاثة غرباء يحوطهم خمسة من عائلة فتح الله يتعاركون بالنبابيت ..
    ومجموعة من نساء فتح الله تحوطهم بالمشاعل والهتافات والصرخات .
    ووقف الجميع حيارى ...!
    من هؤلاء الثلاثة ..؟
    ولماذا يتشاجرون مع أولاد فتح الله ..؟
    أما أنا فقد تسلقت شجرة الجميز لأتمكن من الرؤية المباشرة ..
    الرجال الغرباء محاصرون بين خمسة من عائلة فتح الله .. ينافحون عن أنفسهم فى مهارة .. يتلاعبون بالنبابيت فى رشاقة .. يحمون ظهور بعضهم البعض .. يكرون فجأة ثم يرتدون فى مكر .. يتلاعبون فى خيلاء ..ورجال فتح الله يثبون عليهم فى قوة .. وينقضون عليهم فى شراسة ..
    والغرباء يدافعون فى استبسال رهيب .. وبينما هم فى ذلك الحال .. انفرجت الصفوف المتراصة عن الحاجة مناجى كبيرة أولاد فتح الله
    بسحنتها الجادة .. ومنديل رأسها الأسود .. وما أن اقتربت من المتعاركين حتى صرخت فى قوًة النمرة :
    - اضرب ياعرًة الرجالة .. منك له ..
    وكأن رجال فتح الله حقنوا بمادة سحرية .. فانقضوا بسرعة الريح المرسلة .. وتلاعبوا بالنبابيت فى رشاقة الحواه .. واندفعوا يكيلون الضربات الساحقة على الرؤوس والأقدام والأكتاف .. وما هي الا فترة قصيرة الا وكان الغرباء مجندلين فى أماكنهم والدماء تحوطهم من كل جانب ...
    وعلت الزغاريد من النساء ..
    وحضر العمدة لاهثا فهمس له كبير عائلة فتح الله بكلمات قليلة انسحب بعدها الجميع بسرعة .. وعاد الجميع الى ديارهم كأن لم يحدث شيئا ..
    وفى الدار سألت جدى :
    - من هؤلاء الأغراب ياجدى ..؟ ولماذا قتلهم رجال فتح الله ..؟
    فنظر جدى نحوى وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم :
    - لاتتدخل فى لايعنيك .. اخرس ..!
    ومن داخل الحجرة علا صوت جدتى :
    - لعنة الله على روحية ... بائعة الفلافل ..!!!
    - ****************************


    الحكاية الثالثة عشر


    ترددت أحداث هذه الحكاية فترة من الزمن ..
    عوض بقًال القرية ..
    ضئيل الجسم .. رفيع البدن .. قصير القامة ..
    يشكو منذ أيام من قلة الرزق .. وكساد البضاعة .. ومن كلب أسود يأتيه من وقت المغرب فيتمدد أمام دكانه حتى ليكاد يقطع الطريق على السابلة حتى منتصف الليل ..!
    يقع دكانه فى أقصى القرية من الناحية الغربية على الطريق المؤدى الى البندر ...
    وفى ذات ليلة ...
    هيمن الظلام بردائه الأسود فلا يوجد فى السماء الا ضوء النجوم المرتعشة ...
    وبينما يهم عوض بإطفاء مصباحه الزيتى واغلاق دكانه .. إذ اقتحم رجلان ملثمان المكان .. وفى جوال فارغ دلقا البضاعة من على الأرفف الى داخل الجوال .. وعوض واقفا وقد اعتراه وجل شديد واصفر وجهه حتى حاكى وجوه الموتى .. ولم
    يستطع أن ينبث بحرف .. واندفع الرجلان بالجوال المملوء الى خارج الدكان وفى اللحظة نفسها انقض الكلب الأسود عليهم بأنيابه وأظافره .. فصرخوا فزعين وقذفوا بالجوال على الأرض وأسلموا سيقانهم للريح ..
    وتملًكت من عوض شجاعة خارقة .. فاندفع خلفهم بسرعة قطار صاخب واستغاثته تشق سكون الليل ... فدوت صفًارات الخفراء وانقضوا عليهم يجرونهم الى دوًار العمدة جرًا ...
    ومرت أيام طوال والقرية كلها لاحديث لها الا عن شجاعة عوض المفاجئة ...والكلب الذى اختفى بعد تلك الليلة مباشرة ...!!
    ********************



    الحكاية الرابعة عشر



    فى أثناء وقت صلاة الجمعة ... وبينما الشيخ على يصعد الى المنبر فيجلس ويحمد الله ويثنى على الرسول الكريم ..
    فى تلك الساعة ..
    دوى صراخ حاد هزً جنبات القرية ..
    وقتها كنت أتوضأ فى المسجد استعدادا لإداء الصلاة ..
    اندفع الجميع .. رجالا وشيوخًا وشبًانا فى اتجاه مصدر الصوت ..
    وانطلقت معهم ويداي تقطران بالماء ...
    وصلنا الى مصدر الصراخ ..
    دار سامى صديقى ..!
    كان المنظر عجيبًا ..!
    مجموعة من النساء تتحلًق حول شىء ما .. متشحات بالملابس السوداء .. تولولن .. تصرخن .. تلطمن خدودهن .. تشققن ملابسهن .. .. تنثرن تراب الأرض فوق رؤوسهن .. وبجوارهن جلست مايطلق عليها " ندابة " يعلو صوتها بجمل جزينة بصوت باك فترددن بعدها ماتقوله بأصوات صاخبة وصراخ كالعواء ..
    وعلى الجانب الآخر جلس مجموعة من الرجال بينهم والد سامى وأعمامه يبكون وينتحبون بشدًة ..!
    ماهو الأمر ...؟
    مالذى حدث ..؟
    لم كل ذلك ..؟
    ويحد الجميع أبصارهم نحو ماتتحلق به النساء ... واستطاع احدنا أن يقتحم السوار الآدمي ليخرج وهو يضرب كفًا على كف ..
    وتكثر التساؤلات .. وتتطاير العبارات .. وتتناثر الإجابات .. حتى تستقر الأنباء بأن سامى كان يساعد أخاه الكبير فى مد سلك للكهرباء فصعقه التيًار وألقاه وسط الشارع صريعا ...
    ثم أسمع وسط حزنى وذهولى ودموعى بأن الشرطة قادمة للمعاينة والنيابة للتحقيق وبعد ذلك أخيرًا تم التصريح بدفن الجثة ...
    ويمر النعش من أمامى وأنا أقف منزويًا فى ركن بعيد .. أبكى بحرقة .. ويهتز قلبى فى مرارة .. وتعتصر روحى فى حسرة .. وأتذكر سامى ونحن نلعب فى غيط الوز ..
    و نلهوا فوق شجرة التوت .. فيزداد بكائى .. وأنظر الى أعمدة الكهرباء فى سخط
    وأتمتم :
    - ملعون أبو الكهرباء التى قتلت أعز صديق .
    - *****************


    الحكاية الخامسة عشر


    عدت من الكتًاب لأجد ضيوفا فى دارى ..
    سيدة غريبة وابنتها فى مثل سنى تقريبا .. والسيدة بيضاء .. فى خديها غمازتين ..
    وضحكتها عالية ..
    ارتفع صوت أمى وهى تنادينى :
    - تعال .. سلًم على عمتك عزيزه
    اقتربت منها فتلفتت نحوى ضاحكة ومدت يدها لتعبث بشعر رأسى ثم انحنت وضمتنى نحو صدرها ووهبتنى قبلة على خدى ثم اعتدلت وأنا أسوى ماتشعث من شعرى .. ثم أشارت الى ابنتها قائلة :
    - سلمى على ابن عمك يادلال ..
    تقدمت نحوى دلال بعينين جريئتين ... وشعر ينسدل حتى أسفل ظهرها ..
    وانتحينا على أريكة جانبية ..
    وأخرجت توتا من جيبى وقدمته اليها فتناولته فى شغف وهى تقول فى صوت عذب النبرات :
    - توت ... ماأجمله .
    خرجت أمى وضيفتها من الحجرة وهما يتحدثان بإتجاه سلم السطح وبقينا منفردين .. نتبادل النظرات .. وتلوك هى بقايا التوت فى تلذذ ..
    دهمنى خاطر شيطانى فتزحزحت ناحيتها حتى لاصقتها فغمرنى شعور بسرورغريب ..
    ثم وجدت نفسى أسألها لأبدد السكون :
    - كم تحفظين من القرآن ...؟
    نظرت فى سقف الحجرة وقالت مترددة :
    - بضع سور قصيرة ..
    ثم أردفت :
    - ولكنى حفظت أغنية عبد الحليم الجديدة ..!
    نظرت فى تعجبب .. ولكنها استطردت :
    - هل تحب سماعها ...؟
    اعتدلت فى جلستها وفى صوت شجي قالت :
    أهواك
    وأتمنى لو أنساك
    وأنسى روحى وياك..
    وان ضاعت تبقى فداك ..
    لو تنسانى ..
    وجدت نفسى أستمع بشغف .. وانسابت حروف الكلمات فمست أوتار قلبى ..
    وذبت فى احساس مبهم لاأعرف كنهه ...
    ثم سمعت وقع أقدام تقترب والضيفة تقول :
    - هيًا يادلال ... لازال أمامنا زيارات كثيرة ..
    ووقفت على باب الدار أودعهم وقلبى يتمتم :
    أهواك
    وأتمنى لو أنساك
    وأنسى روحى وياك
    *****************************


    الحكاية السادسة عشر


    لاحديث فى القرية الآ عن شلاطة وما حدث له ..
    فى ليلة ظلماء ..
    والصيف يودًع الدنيا بأنفاسه الحارة ..
    خرج شلاطة من دار روحية مترنحا .. ثملاً .. تسوقه أخيلة معربدة .. .. سار مندفعا بقوته الجامحة يتخبط فى الطرقات على غير هدى .. ويهذى بكلمات محمومة ..
    غاص فى الظلام حتى فقد البصر ..
    وعلى مقربة من الترعة الكبيرة تبعه ثلاثة أشباح ..
    صبية.. مابين الثانية عشر والخامسة عشر ..
    حتى إذا ماقتربوا منه ..
    وبسرعة البرق الخاطف ..أجل بسرعة البرق الخاطف
    تقدم أحدهم فطعنه فى أعلى بطنه ثم شد السكين وكأنه يتعلق به حتى المثانة ..
    ويرتد خطوة واحدة ..
    فيندفع الثانى واثبا لأعلى ليغرز الخنجر المسموم فى رقبته ..
    ويرجع للخلف خطوة واحدة ..
    وبكل ماأوتي من قوة يسدد الثالث ضربة قوية بالسكين فى اتجاه الكلية اليمنى ..
    حدث كل ذلك فى أقل من لمح البصر ..
    وتجمد شلاطة فى مكانه كأنما دهمه سحر ..
    وتجحظ عيناه .. وتندلق أمعاؤه على الأرض ..
    ثم يتهاوى منطرحا مثل جدار انهار فجأة إثر زلزال ِ عنيف ..
    وتختفى الأشباح الثلاثة ..
    وتدوى صفارات الخفراء ...
    ويندفع أهل القرية .. ينظرون .. يحملقون .. يتهامسون ..
    فيتسلل إلى جوانحهم استرخاء ... وأمان .. وامتنان .. وفرح .
    ومن دار الحاجة صابحة تنطلق زغرودة توقظ النيام ...
    ولكن يظهر فتوح الإبن الأكبر لشلاطه قادما من بعيد .. تقدح عيناه بالشرر
    ويهتز شاربه فى ثورة .. ويزعق بصوته الغليظ :
    - سأنتقم منكم ياغجر ..
    فيسود الأفق ..
    وتكفهر الحياة بلعنات الشياطين
    **************************



    الحكاية السابعة عشر


    حدث فى قريتنا حدثا لامثيل له وسأظل اذكره ماحييت ..
    بدأ بالهمس ثم ارتفع رويدا رويدا حتى علا كالضجيج ثم تطايرت الأسئلة فتأكدت الإجابة..
    قطع العمدة الشك باليقين وأعلن عقب صلاة الجمعة وسط عرقه المتصبب :
    "أن الرئيس جمال عبد الناصر سيحضر لإفتتاح متحف القرية فى عيدها الوطنى "
    علت الفرحة والبهجة جميع الديار فى القرية ..بل جميع القرى المجاورة ..
    ودبت فى القرية حركة نشاط غير معهودة ..فقدم عمال بعربات ومعدات ضخمة وطفقوا فى رصف الطرق وإقامة السرادقات وتركيب الأعلام ,,وتعليق الزينات
    حتى بدت القرية فى ابهى شكل ,,وأروع منظر
    وفى اليوم الموعود ..
    ارتديت جلبابى الجديد وصندلى اللامع وقصدت وأقرانى الطريق الرئيسى ..
    كان رجال الشرطة يرابطون على الطرق فى صفوف متساوية ,,وبمرور الوقت
    ذاد توافد أهل القرية والقرى المجاورة حتى اشتد الزحام واكتظت الطرق كأنه كما قال جدى "يوم الحشر " !
    أما أنا ..
    فقد تسلقت أحد أعمدة التلغراف المطلة على المتحف لأتابع الموقف من عل ..
    مرت دقائق ثم سمع من بعيد أصوات طبل وزمر وجلبة عالية واشتد الإيقاع واقتربت الأصوات فخمنت أن الموكب قد اقترب ..وفعلا بدا من بعيد سيارات سوداء فارهة تتقدم فى انسياب ثم أعقبها خيول مسرجة بالألوان المزركشة فوقها أعيان المنطقة يتراقصون بهم فى خيلاء على ايقاع مزامير صاخبة الصوت .. شجية الألحان ..وعلت اصوات من الميكروفونات المنتشرة تهتف بصخب فتجاوبت معها اصوات الجماهير الغفيرة ثم ظهرت ثلاثة صفوف من الدراجات النارية تشكل خطوطا مستقيمة وتسير فى وقار وجلال .. ثم لاحت سيارة سوداء مكشوفة حيث بدا الرئيس جمال واقفا فى منتصفها بقامته الفارهة وهيبته الواضحة ووجهه الأسمر الساحر وعيناه التى تأخذ بالألباب ..كان يرفع يده اليمنى ويلوح بها للجماهير .. وما ان شاهدته الجماهير حتى اندفعت كأمواج البحر العاتية فتخطت حواجز العسكر واقتربت من السيارة وارتجت جنبات الأرض واركان السماء بالأصوات وهى تهتف "عاش جمال عبد الناصر ..عاش قائد الأمة العربية "
    واقتربت أمواج البشر أكثر فأكثر ولامست السيارة بل وحملتها من فوق الأرض ..
    اي وربى لقد كادت الجماهير الوالهة أن تحمل السيارة فوق الأكتاف حملا ..والرئيس يلوح بيده وابتسامة مشعة على جبينه الغالى ونظرات عينيه تنطق بالمهابة والجلال ..وعندما اقتربت السيارة من المتحف حتى انطلقت الى السماء آلاف من الحمائم البيضاء فملأت السماء كالسحاب ..
    ومرت أيام وشهور وسنوات وقريتنا تجتر ذكرياتها مع اليوم المشهود ..
    ومكثت فترة لااذكرها كلما أيقظنى جدى لصلاة الفجر كان يقول فى حنو بالغ :
    - انك تهتف طول الليل وتقول "عاش جمال عبد الناصر ..عاش قائد الأمه العربية ..




    الحكاية الثامنة عشر



    أرسل أبى مكتوبا من القاهرة يخيرنى بين التحاقى بالمدرسة فى القاهرة أو فى القرية ...
    وبدون تردد منى اخترت قريتى ..
    وما أن علم جدى بقرارى حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة الظفر والبهاء ..
    وحدجتنى جدتى بنظرتها العميقة قائلة :
    - لو وافقت كنت سأقطع رقبتك ..!
    وضحكنا كثيرا من قلوبنا الصافية ..
    وبعدها بأيام حضرتى أمى محملة بالملابس المدرسية الجديدة .. والحذاء الاسود اللميع .. والحقيبة الخشبية المفتخرة ..
    غير أنى لم أسعد سعادة صافية ..
    انقبض صدرى وهمست لجدتى متوددا :
    - لماذا المدرسة ..؟ أما يكفى كتًاب الشيخ على .
    - ****************************

    بالإيمان والعلم تتقدًس الحياة



    مرحبا بكم فى مدونتى:
    http://ibrahimabdelmoaty.maktoobblog.com

+ الرد على الموضوع

الأعضاء الذين شاهدوا هذا الموضوع : 1

You do not have permission to view the list of names.

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •