جاء في قاموس محيط المحيط ما تلخيصه:

(الخضر هو صاحب النبي موسى (ع) ويكنى بأبي العباس، وقيل اسمه إيليا وهو نبي.. ومنه قول أبي الطيب:

إذا ما ذكرنا جودَهُ كانَ حاضراً
نأى أو دنا يسعى على قدم الخضر ِ

و يقال أن الخضر لا يُذكر في مكان إلا حضر ولهذا يقال فلان كالخضر حاضر ناظر..)


لكن التاريخ لا ينبئنا كثيراً عن هذا القديس الغامض المقترن اسمه بالنجدة ودرء الأخطار ورفع الحيف. ومع ذلك يقال أن أحد أولياء الله الصالحين استشهد في فلسطين في القرن الثالث الميلادي فشيّد معبدٌ له في نفس المكان الذي استشهد فيه. وكان الناس يذهبون بأعداد غفيرة للتبرك به والتماس شفاعته.

هناك أساطير كثيرة حول الخضر ولكن أشهرها قصته مع التنين ذلك الوحش الخرافي الذي يشبه الزواحف وينفث النار والدخان، والتي تذهب على هذا النحو:

في سالف الأزمان عاش سكان إحدى المدن في رعب دائم من تنين رهيب كان يخرج كل ليلة من مستنقعه ويلتهم قطعان الغنم. وكان نفـَسه ساماً ونتناً بحيث لم يتمكن أحد من الاقتراب منه أو الوقوف في وجهه. وقد هرب سكان المدينة بعيداً عنه وكانوا يقدّمون له نعجتين كل يوم على أمل أن يتركهم وشأنهم.

أخيراً افترس التنين كل الغنم وطلب من أهالي المدينة أن يقدّموا له كل يوم طفلين اثنين بدلا من النعجتين. وإذ وقع الناس في حيرة كبيرة واستولى عليهم الخوف فقد امتثلوا لطلبه، وراحوا يضربون قرعة كل يوم لمعرفة مَن مِن الأطفال سيكون الضحية التالية.

أخيراً جاء دور ابنة الملك الأميرة كليودوليندا كي تـُقدَم إلى التنين.

شعر الملك بكرب شديد وآلام نفسية حادة نتيجة لذلك وعرض نصف مملكته ثمناً لافتداء ابنته المحبوبة. أثار ذلك حفيظة رعاياه إذ لم ترق لهم فكرة افتداء ابنة الملك في الوقت الذي كان أولادهم وبناتهم يلاقون حتفهم.

لكن كليودوليندا واجهت قـَدَرها بشجاعة ورباطة جأش، فلبست أحلى ثيابها وقبّلت يد أبيها وقالت للناس أنها ترحب بالموت فداءً لهم. ثم خرجت بمفردها وأغلقت بوابة المدينة خلفها.

سارت الأميرة لوحدها على طريق الموت الرهيب حيث العظام المتناثرة للذين سبقوها. واصلت السير إنما غلب عليها الحزن فبكت بكاءً مراً وانسحق قلبها لمجرد التفكير بمحنتها القادمة.

ولكن فجأة أبصرت فارساً شاباً لم يقع بصرها من قبل على مخلوق أنبل منه وأكثر وسامة، وكان في كامل عدة الحرب الملكية.

اقترب منها الهوينا وسألها قائلا: ’ما الذي يبكيك أيتها الفتاة؟‘

أخبرته عن قدَرها المشؤوم، فما كان منه إلا أن طيّب خاطرها ووعدها بأنه سيقضي على التنين اللعين باسم الله العلي القدير.

حاولت الأميرة أن تثنيه عن نيته لأنها لم تطق أن ترى هكذا شاباً يقضي في معركة غير متكافئة مع وحش كاسر لا يقهر. لكن الشاب الذي لم يكن سوى الخضر بذاته، لم يتراجع بل واصل تقدمه.

وفجأة ظهر الوحش المخيف، يشخر وينخر وينفث النار والدمار على جري عادته. فما كان من الشاب الجريء إلا أن استعان بالله وهجم عليه بهمة لا تعرف النكوص.

وبينما كانت الأميرة تنظر إلى المشهد المروع ضرب الخضرُ التنينَ برمحه فنفذ منه ونشب في الأرض بحيث أصبح التنين عديم القدرة على المناورة.

ثم نادى كليودوليندا قائلا: "اقتربي ولا تخافي". وعندما اقتربت قال لها قيديه بحزامك كالرسن حول رقبته. لا تخشي التنين فقد أصبح عديم الحول والحيلة. وكانت ثقة الأميرة كبيرة بذلك الغريب الجريء ففعلت ما طلبه منها، وزحف التنين بجانبها نحو أسوار المدينة كما لو كان كلباً مطيعاً.

وما أن وصلوا إلى المدينة حتى خرج سكانها عن بكرة أبيهم وقد استولى عليهم الخوف واعترتهم الدهشة لهذا المنظر الغريب. لكن الخضر (عليه السلام) طمأنهم من خوف، وأكد لهم أنهم إن هم آمنوا صغيرهم وكبيرهم بالله الواحد الأحد فسيذبح التنين أمام أعينهم فلا يخشون صولته بعدها أبدا.

وما أن أعلن سكان المدينة إيمانهم حتى استل الخضر سيفه وفصل رأس التنين عن جثته فأخرجها الناس إلى الحقول مستخدمين أربع عربات تجرها الثيران، وهكذا كانت نهاية التنين. وقد رفض الخضر أن يأخذ أية مكافأة جزاء صنيعه، بل طلب من الملك أن يوزع المكافأة على الفقراء والمحتاجين من سكان المدينة.

وإذ ذبح التنين وحرر المدينة من شره امتطى حصانه وانطلق في حال سبيله.
والسلام عليكم

المصدر: قاموس محيط المحيط وموسوعات
الترجمة: محمود عباس مسعود