صفحات من تاريخ الصين الحديث :
قرأت مؤخرا محضرات الدكتور يو دا هوا أستاذ التاريخ المعروف والمشهور بدراسته لتاريخ اسرة تشينج قرات محاضراته عن آخر إمبراطور للصين بو يى وفيما يلى ملخص المحاضرة الأولى والتى كانت بعنوان " مخطط تزى سى "
المحاضرة الأولى :
مقدمة: بالنسبة الى الصين "الإمبراطور " هى كلمة قديمة ومليئة بالغموض ، فالإمبراطور تشين والإمبراطور هان وو وأباطرة طانج وسونج لهم الإحترام من قديم الزمان . وكل من الإمبراطور كانج سى والإمبراطور تشان لونج -من أسرة تشينج- لم يتبق منهم سوى صورة أو لوحة شخصية ، ولكن كان هناك إمبراطور لم نتمكن فقط من رؤية ملامح وجهه بوضوح بل كان بإمكاننا سماع صوته إنه آخر أباطرة اسرة تشينج وآخر امبراطور للصين إنه الإمبراطور آسين جرينو بو ييى
ولد بوييى عام 1906 وتوفى عام 1967. شهدت حياته خلال تلك الستين عاما أحداث إستثنائية فقد نُصب امبراطوارا ثم عُزل ثم أصبح أمبراطورا مرة ثانية تحت الإحتلال اليابانى وبعد الحرب العالمية صنف على انه مجرم حرب ثم اصبح بعد قيام دولة الصين مواطنا عاديا ، فقد شهدت حياته تقلبات غير عادية ، ففى تلك الفترة المليئة بالإضطرابات والعديد من نقاط التحول كان حاله كحال العديد من الناس قلقا ومترددا ، كان يبحث وسط هذه الحيرة عن طريق يدفعه للمضى قدما . ووسط الإنتظار والترقب كان يحاول أن يعود مرة أخرى الى بيته الذى تركه منذ فترة طويلة ، إنه يجسد كل الأحداث التاريخية فى تلك الفترة بل هو أحد أهم شخصيات تلك الفترة التاريخية ، نشرت سيرته الذاتية " النصف الأول من حياتى " وكانت سيرة حياته مادة لكثير من الأفلام .

المحاضرة الأولى : مخطط تزى سى فى البداية أعتقد أن هناك ضرورة لتقديم تاريخ عائلة بوييى ، الجميع يعرف أنه فى العادة وبغض النظر عن الإمبراطور تشين مؤسس النظام الإمبراطورى الصينى لم يكن هناك الكثير الذى يستحق الذكر عن تاريخ أى عائلة من عائلات آباطرة الصين . لأن الإمبراطور عندما يموت يتولى ابنه الحكم من بعده ليصبح بدوره امبراطورا فهى عملية فى غاية السهوله والبساطة ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لبوييى ، فلم يكن والده امبراطورا ولم يكن جده امبراطورا فقط كان جده الأكبر امبراطورا انه الإمبراطور داو قوانج من الجيل السادس من آباطرة أسرة تشينج حكم من 1821-1850 .
ستصيب الحيرة القارئ من أن نسب بويي بالإمبراطور يعد بعيد نسبيا ، ففى العادة تتكون سلاسة النسب من الجد والأب والأبن والأحفاد ، هناك علاقة دم اذن بين الأمبراطور داو قوانج ولكنها ليست علاقة مباشرة . على الرغم من أنها ليست علاقة مباشرة لكن إذا أخذنا فى الإعتبار سوء الأوضاع فى آواخر أسرة تشينج كانت تلك القرابة تعد علامة مميزة .
الجميع يعرف أنه فى ذلك الوقت أن أكثر الأشياء مرارة والما للأباطرة هو أنه خلال بضعة سنوات لا يسمع فى القصر صوت بكاء طفل مما يعنى أن الإمبراطور لم ينجب . فالإمبراطور شيان فنج لم ينجب سوى ولد وبنت والإمبراطور الذى تلاه الإمبراطور قوانج سووالإمبراطور تونج جى لم ينجبا أى أطفال واستمرارا على هذه الحال حتى نهاية القرن التاسع عشر لم يتبق أحد من أبناء أو أحفاد الإمبراطور على قيد الحياه سوى من خلفوا الإمبراطور داو قوانج ، وعلى هذا هل تعتقدون أن صلة قرابة بويي بالإمبراطور بعيدة ؟
أما جد بوييى فهو الأمير يي سوان كان من الأغنياء أنجب سبع أولاد توفى منهم ثلاثة ومن ضمن الأربعة الذين عاشوا أهدى واحد منهم لأخت زوجته تزى سى . فما الذى تريده تزى سى من هذا الطفل إذن ؟
فى عام 1874 توفى الإمبراطور تونج جى وكان هناك فراغ فى منصب الإمبراطور - حيث انه لم ينجب - وبوجود زوجته تزى سى فى أعلى السلطة جاءت بإبن الأمير ييى سوان ليعتلى سده الحكم فكان هذا هو الإمبراطور قوانج سو فكما قلنا سابقا أن جد بوييى كان من الأغنياء ففى صغره كان أميرا وعندما تقدم به العمر أصبح والدا للإمبراطور ، على الرغم من أنه تخلى عن إبنه ليصبح امبراطورا إلا أن علاقة الدم بينهما لا يمكن إنكارها .
توفى يي سوان عام 1891 بعد سبع عشر عاما من تولى ابنه للحكم ، فأصبح إبنه الإكبر تساى فنج(载沣)أميرا خلفا لوالده حيث كان عمرة حينها 9 أعوام ، وعندما كبر واشتد عوده تزوج وأنجب - ومثل والده - كان هناك واحد من أبناءه إمبراطورا هذا الإبن هو بو
الإمبراطور هو شخص تنحنى له الرقاب لديه القوة والثروة لا حدود لهما ، فهل من الضرورى أن الإمبراطور شخص سعيد ؟
فى خمسينيات القرن الماضى كان بوييى مسجونا فى سجن فوشون لمجرمى الحرب وطبقا لمذكراته فى بعض الأوقات كان يحلم بهذا الكابوس حيث كان يشاهد فى الحلم تزى سى وهى تمد يديها الرفيعتين ذى الأظافر الطويلة وتمسك به فيصاب بالذعر ويقشعر بدنه ثم يستيقظ ولا يستطيع النوم بعدها . لقد كره تزى سى كرها شديدا حيث اعتقد انه كان طفلا بريئا لا يعرف شيئا واذا لم يكن امبراطورا فسوف يمضى فى حياته ويشق طريقه بنفسه وينعم بحياة من الحرية والسعادة فلماذا إختارته هو دونا عن غيره ليكون إمبراطور ؟ فأبناء أحفاد الإمبراطور داو قوانج لم يكن هناك فقط بو ييى .فى الحقيقة إن اختيار تزى سى لبوييى ليكون إمبراطورا كان مخططا له منذ وقت طوبل حتى عندما لم يكن بوييى قد ولد بعد كانت قد إختارته وقررت مصيره .
ففى أواخر أسرة تشينج عم الهوان وساد جو من الهزيمة ومن ضمن مظاهر هذا الوهن هو ضعف قدرة الإباطرة على الإنجاب ، ففى عام 1908 لم يكن الإمبراطور قوانج سو ذى 38 عاما قد أنجب بعد فأصبح هناك تساؤلات حول من سيخلفه فى الحكم فالأسرة الحاكمة فى ذلك الوقت كان بها العديد من الشباب والعديد من ذوى الثروة والقوة لكن تزى سى جاءت ببوييى ذى الثلاث سنوات ليكون امبراطورا فلماذا إذن؟
للإجابه على هذا السؤال يجب أن نبدأ من تلك اللحظة عندما أشارت الإمبراطورة تزى سى على والد بويي تساى فنج بالزواج . ففى الأول من مايو عام 1902 قامت الإمبراطورة تزى سى بتصرف فاق كل التوقعات حيث أشارت على تساى فنج بالزواج ، وعندما يشير الإمبراطور على شخص بالزواج فهو أمر منه بأن يتروج واجب التنفيذ ، وهو أمر لا يجوز مناقشته . كان تساى فنج فى ذلك الوقت يبلغ 21 عاما ولم يكن قد تزوج بعد ، وقد نعتقد أنه من الطبيعى أنه لم يكن متزوج فى تلك السن المبكرة ولكن طبقا لمعايير المجتمع الصينى حينها كان تساى فنج يعتبر من الشباب الكبار فى السن الذين لم يتزوجوا بعد ، فلماذا إذن قلنا أن ما قامت به هو تصرف فاق كل التوقعات ؟
فلنفكر لحظة كيف كانت الصين حينها ، فقد فشلت حركة ييى خه توان الثورية (义和团) واحتل الحلفاء من ثمانية دول أجنبية كل من بكين وتيان جين حيث لم يحف الحبر الذى كتبت به معاهدة " شين تشو " (辛丑条约) المجحفه ولن نبالغ إن قلنا أن بابا من أبواب جهنم قد فتحت على اسرة تشينج وكانت تزى سى على بعد خطوات من تدان بجرائم الحرب من قبل تحالف الدول الثمانية ويقبض عليها لمحاكمتها أمام محكمة دولية . فرت تزى سى هاربة الى سى آن (西安) للإختباء ثم أخذت بعد ذلك تتنازل بكل كرم على حقوق الشعب الصينى فحصلت على عفو من مختلف القوى العظمى فتفست تزى سى الصعداء وعادت من سى آن الى بكين وكانت تشعر برعب رهيب من تلك الفوضى التى كانت حولها .
ومما يدعو للعجب أنه على الرغم من أن تساى فنج لم يتزوج الا أنه خطب فتاه منذ قتره حيث كان سيتزوج بسيدة من قومية قوى ولكنهم لم حددوا موعدا للزفاف فأخذوا يأجلونه المرة تلو الأخرى . وطبقا لعادات الزواج فى الصين حينها فما إن يخطب شخص فتاه فهى تعد زوجته ولا يبقى سوى عقد الزفاف وإذا ما توفى خطيبها لسبب ما فإن الفتاة لازال عليها أن تذهب الى بيت عائلة خطيبها وتظل أرمله وهذا ما يسمى قديما ب " الأرملة العذراء " (望门寡) ، وطبقا لهذا فإن تساى فنج كان يعد متزوجا جوازا كاملا ولم يكن هناك أى سبب يدعه لفسخ الخطوبة وكما يقول المثل " تدمير عشرة معابد أهون من الطلاق " . وتريد تزى سى الأن أن تدمر هذا الزواج السعيد لتساى فنج آمره إياه بأن يتزوج بفتاه أخرى ، أليس هذا تصرفا يفوق كل التوقعات ؟
وليس هناك تفسير سوى أن هذا التصرف من قبل تزى سى كان وراؤه نية خبيثة ، وكان هذا زواجا ذو طابع سياسى له تأثير مباشر على مصير الأسرة الحاكمة . ياتى السؤال إذن الى أى فتاه ومن أى عائلة اختارتها تزى سى لتكون زوجة لتساى فنج ؟
كانت تزى سى قد إختارت ابنه الوزير رونج لو (荣禄) المتخرج من جامعة ون هوا ديان الذى كان قائدا عاما للجيوش الإمبراطورية ، فكل حاكم له أتباع مقربون و خلال 48 عاما تحكمت فيها تزى سى بمصير الصين كان أكثر شخص تثق فيه هو رونج لو حيث بذل أجداده الدم والعرق وماتوا فى سبيل اسرة تشينج ، وفى آخر عشر سنوات من حكم تزى سى كان رونج لو قائدا عاما للجيش ولم يدخر أى جهد من أجل حماية تزى سى ونظامها ، و من ثم فإن هذا الزواج هو أيضا حماية لتزى سى فماذا كان رد فعل عائلة تزى سى على هذا الزواج المزمع؟
ما إن أقرت تزى سى هذا الزواج حتى انفجرت والدة تزى سى فى البكاء فهى تعرف أذا قبلوا بأمر تزى سى فهم مقبلون على أول مشكلة ألا وهى فسخ الخطوبة ، فطبقا لعادات الزواج فى الصين حينها فلا يسمح بفسخ الخطبة ففسخ الخطوبة كان يعد بمثابة الطلاق أو التخلى عن الزوجة بسبب عيب فيها وهذا بالنسبة لعائلة الفتاة أمر مخزى ويدعوا للعار فأين سيذهبون بعد أن لحقهم هذه الإهانة بل وكيف لتلك الفتاه بأن تواجه المجتمع بعد ذلك ، إضافة الى ذلك فإن تزى سى لم تكن تحب إبنة رونج لو فقد كان رونج لو كان لديه من السلطة والمال الكثير ولكن لم يكن لديه سوى ابنة واحدة ، كان لديه ولد واحد ولكنه مات صغيرا ومن ثم فقد إعتبرها كأبنا له ، كانت لا تتحجب أثناء خروجها فى الشارع وكانت مدللة ومغرورة ومتكبرة ولم يكن لديها أدنى قدر من الحياء فإن تزوجها تساى فنج فلن تطيق أن تنظر اليها ، هذا بالإضافة الى أن أبنها كان بطبيعته خنوعا ضعيفا كان يتلعثم فى الكلام ولا تستطيع أن تفهم منه جملة واحدة .فإذا ما تزوج تلك القتاة المغرورة فإنه سيعيش طوال حياته خاضعا لها ولتهديتها فكيف لأم أن تطمئن بعد هذا ، فما العمل ؟
للحفاظ على الأمن والتناغم بين العائلة الحاكمة و من أجل أن يتمتع ابنها بحباة سعيدة فالطريقة الوحيدة هى رجاء تزى سى أن تعيد النظر فى قرارها ولكن كيف ذلك ؟
فقامت بجمع من لهم تأثير فى العائلة الحاكمة وتناقشت معهم فى الأمر ، وعندما عرف الجميع بهذا الأمر لم يجرؤا احد منهم على الإدلاء برأيه وهذا خوفا من بطش واستبداد تزى سى وأشاروا عليها بقبول أمر تزى سى وقالوا أن فسخ الخطوبة بسبب أمر امبراطورى ليس بالمشكلة العويصة ، فبكت والدة تزى سى من قلة حيلتها ، ومدفوعة بيأسها لم يكن بيد والدة تساى فنج سوى أن تطلب مقابلة تزى سى ، قابلتها تزى سى بوجه جامد وبنظرة باردة قاتمة ، كانت والدة تساى فنج ساجدة على الأرض تبكى قائلة أن ابنها قد عقد العزم واعطى كلمته لإحدى السيدات والجميع سعيد بهذا ولكن إذا تراجع عن الخطوبة فكيف سيكون مصير تلك الفتاة المسكينة ، فنظرت تزى سى الى السقف وقال جملة واحدة " هناك أشخاص فى هذا العالم لا يعلمون ما هو الجيد بالنسبه لهم " ثم نهضت وغادرت
بكت والدة تساى فنج حتى أغمى عليها فتم حملها الى منزلها وعندما إستيقظت كانت قد فقدت عقلها . إنتشرت الأخبار بسرعة وعندما علمت خطيبة تساى فنج بالأمر و من أجل أن تدرأ عن نفسها عار فسخ الخطوبة انتحرت بتناول السم فانظروا معى الى هذه السلسة من المآسى
لم يكن لتساى فنج حرية اختيار من سيتزوجها ، فلماذا اختارت تزى سى تساى فنج بالتحديد من بين كل شباب الأسرة ليكون زوجا لإبنة رونج لو ؟
بالنسبة لإختيار تزى سى لتساى فنج ليتزوج إبنة رونج لو فيجمع معظم علماء التاريخ الصينى أن هذا الإختيار هو لتمكين تزى سى من التحكم فى تساى فنخ لأن تسى فنج هو الأخ الأصغر لخصمها السياسى اللدود الإمبراطور قوانج سو ، ولتمنعه من أن يسير فى درب أخيه ، لذلك فقد عقدت العزم على جعل تساى فنج حليفا لها وأن يكون صهرا لرونج لو . فبعد أن يتزوج تساى فنج من أبنه رونج لو فسوف يخضع لها وينصاع لأوامرها وهكذا فسيوافق بلا مناقشة على كل قرارات تزى سى وهنا يجب ان نشير الى أن تساى فنج هو الأخ غير الشقيق للإمبراطور قوانج سو ولكن هناك أسباب أخرى وراء قرار تزى سى هذا
السبب الأول : الجميع يعرف بأن علاقة تزى سى بالإمبراطور قوانج سو كانت تتجه من سيء الى أسؤأ وكانت تخطط منذ وقت طويل للإطاحه به
السبب الثانى : الأمراض التى ابتلى بها الإمبراطور ، حيث لم يكن قد أنجب بعد ولم يكن من المؤكد أنه سينجب أى أولاد وعندما يتوفى فيجب أن يأتوا بأقرب المقربين منه ليكون امبراطورا فكيف سيكون هذا :
طبقا للتقاليد الإمبراطورية القديمة يكون إختيار من سيخلف الإمبراطور على أساس قرابة الدم ، و إذا لم يكت للإمبراطور أولاد فيجب أن يُختار من له علاقة قرابة قوية حيث سيكون ابناء الأخ على رأس هذه القائمة ثم يأتى بعدهم أولاد الاعمام إذن فالإبن المستقبلى لتساى فنج سيكون بلا شك هو الإختيار الأول
السبب الثالث : فى ضوء ما سبق فقد قررت تزى سى أن يكون لإبن تساى فنج نفس صله الدم مع عائلة رونج لو فالجميع يعرف أن رونج لو كان الوزير المفضل لدى تزى سى ففى نفس السنه كان قد قضى على حركة وو سو (戊戌变法) حيث كان هو الجنرال الذى قاد العملية ولن نبالغ إن قلنا أن العداوات والخصومات التى كانت بين تزى سى و الإمبراطور هى نفسها العداوات بين رونج لو والإمبراطور .
ولذلك فإن الإبن المستقبلى لتساى فنج وحفيد رونج لو سيكون الأحق بخلافة قوانج سو وسيكون هذا مفيدا لحماية سمعة واسم جده ، ولن يجرؤ أحد على تشويه مكانه وسمعه جده ، فى الحقيقة فإن حماية رونج لو هى فى الواقع حماية لتزى سى ، وهذا هو السبب الخفى وراء كل هذا . وفوق ذلك فإن إبن تساى فنج هو بشكل أو بآخر إبن أخ الإمبراطور قوانج سو ، ولذا فسيكون إختياره ليشغل منصب الإمبراطور من بعده عمليه فى غاية السهولة وستتم بشكل طبيعى و من السهل أن يصدق الناس ولن يكون هناك شك
ومن هنا ندرك نيه تزى سى من وراء هذا القرار ، فقد فكرت فى المستقبل بعد وفاتها
فى العام 28 من تولم الإمبراطور قوانج سو الحكم تزوج تساى فنج من ابنه رونج لو حيث أقيم حفل ضخم وصاخب ، ودخل العروسان القصر وحنوا رؤوسهم للإمبراطورة تزى سى حيث أخذت تزى متظاهرة بالبراءة والحكمة فى نصح العروس بأن تكون مطيعة ومخلصة وأن تحترم زوجها . فى الحقيقة فإن نصائح تزى سى هى نوع من أنواع الشكليات ففى قرارة نفسها كانت تتمنى أن يهاب تساى فنج زوجته فمابالكم إن كانت هذه الزوجة اصلا مغرورة ومتكبرة لذلك فلم تلق العروس بالا لنصائح تزى سى فسرعان ما ستصبح ربة المنزل الأمرة الناهية وستقوم بإتخاذ قرارين :
1- أخبرت القائم على منزل العائلة أنها ليست معتادة على الطعام فى المنزل الجديد لذلك يجب أن ينشأوا لها مطبخا صغيرا يعد لها الطعام خصيصا
2- أمرت كل العاملين فى المنزل بأن يدعوها ب " سيد المنزل " ، فى الحقيقة أنها كانت تبلغ من العمر فقط 19 عامل ولكن أوامراها يجب أن تطاع
أما تساى فنج فقد آثر الصمت والصبر تجاه كل هذا
وفى عام 1906 ووسط الإحتفال بعيد الفوانيس الصاخب أنجبت أول طفل لرونج لو فكان ذلك بوييى وبعد مرور عام أنجبت زوجة تساى فنج مولودها الثانى فسمته بو جيه (溥杰)
عندها إطمأنت تزى سى ، فقد اكتملت خطتها ، ولكن فى أى وقت كانت ستجعل بو ييى يحل محل الإمبراطور ، كان ذلك من الصعب التكهن به ، فأخذت تضع المسات النهائية على خطتها ، فى ذلك الوقت كانت تزى سى قد أتمت عامها السبعين فقد تقدم بها العمر كثيرا ولكنها كانت بصحة جيدة ويقال أنها كانت تبدوا وكأنها فى الخمسين من العمر . فطالما بقيت على قيد الحياه كانت هناك خطورة على حياة الإمبراطور قوانج سو ، فقد إختارت دميتها القادمة بعناية .
فى كتاب كتبه الصحفى الإنجليزى جون أوتواى بلاند بعنوان " أخبار تزى سى " - مكتوب باللغة الصينية - يقول فيه " كانت السيدة تزى سى تبدوا أنها واثقة من أنها ستعيش مدة طويلة "
ففى السنة التى ولد فيها بوييى كانت تزى سى تبلغ من العمر 72 عاما وبالنسبة لأعمار الصينين فى تلك الفترة فإن تزى سى كانت تعد من المعمرين ، ولربما كانت ستعيش عشر سنوات أخرى لتصبح 82 عاما ولكن هل يمكن أن تعيش فوق ذلك عشر سنوات أخرى لتصبح 92 عاما هذا بالطبع مستحيل ! فإذا نظرنا الى أعمار أباطرة الصين فإن أقصى عمر يمضوه فى الحكم هو عندما يصلوا لسن 85 فإذا لم يمت فعليه تسليم السلطة ، فإذا افترضنا أن تزى سى ستعيش حتى 85 عندها سيكون بوييى قد بلغ من العمر 13 - هذا إن سلمنا أنها ستعيش طوال هذه المدة - . ومن هنا نرى أن تزى سى كانت مقبلة على مشكلة و هى أن بوييى لن يستطيع أن يمارس سلطاته فى مثل هذه السن إذن فمن سيكون الوصى على بوييى وسيكون الحاكم الفعلى للصين ؟
بلا شك ليس هناك أفضل من والده تساى فنج ، لكن السؤال هنا هل يستطيع تساى فنج تحمل هذه المسؤولية الضخمة ، فأول فصل فى سيرة حياته كان بعنوان " حفيد الإمبراطور ، إبن الأمير ، أخ الإمبراطور "
فانظروا الى حياته غير العادية والمليئة بالشخصيات البارزة ، ومع ذلك فإن سماته الشخصية كانت تتعارض تماما مع منزلته البارزة ،فقد كان تقديره لنفسه منخفضا وكان منعزلا قليل الإبتسام قليل الكلام ، علاقاته محدودة جدا ، كان يتلعثم إذا تحدث كثيرا وبسرعة ، لذلط فقد آثر عدم التحدث الا فى الضرورة ولكن على الرغم من هذا فإن به مميزات أيضا ،فلديه ثلاث مميزات شخصية :
1- كان لديه معارف وسط الساحة السياسية منهم حموه رونج لو المتحكم فى الوضع السياسى ومن جهه أخرى فهو أخ للإمبراطور قوانج سو ، كما أنه كان وسطيا ولم يؤيد أى طرف ضد الطرف الأخر حيث كان على موقف محايد من الجميع ، وبهذه الصفات المثالية كانت يترك انطباعا جيدا لدى من يقابله ، بل وخلق حوله هالة من الغموض الملفوف بالحذر
2 - تساى فنج هو شخص متماشى مع العصر ومواكب لاأخر تغيراته ، وبذلك سيكون مثاليا للجيل الجديد من القاده ففى عام 1901 ارسل على راس وفد لألمانيا وذلك لتقديم الإعتذار عن أحداث ييى خه توان حيث تم اغتيال السفير الالمانى وسط فوضة الأحداث ، وهناك حصل على فرصة لأن يشاهد ويتعلم ويتعرف على الساية الألمانية ونظام الجيش وعندما عاد الى الصين ذهب الى مدرسة جوى جو ليكمل دراسته حيث درس العلوم الغربية
3- تساى فنج كان طالب جيد حيث تلقى تعليما جيدا حيث كان من بين القلائل الذين يجيدون التحدث بلغة قوميته وما يثير العجب أنه كان يتلعثم عندما يتحدث الصينية ولكن عندما يتحدث بلغة قوميته كان يتحدث بطلاقة . وكان عندما يحل المساء كان يصعد مع بعض الخدم الى سطح المنزل وينظروا الى النجوم ويدرسوا علم الفلك ، وبالمقارنة مع شباب الأسرة الذين يسهرون فى الأوبرا ويلعبون القمار ويشربون الخمر فإن تساى فنج كان أكثرهم نشاطا وحيوية .
وفى عام 1906 أصدرت تزى سى أمرا بتوجيه تساى فنج ليكون مرافقا لوزير الحربية ، فى وقتها عرف الجميع أن السبب الحقيقى هو إعداده لدخول مضمار السياسة ، وبعدها بسته أشهر أصبح نائبا لوزير الحربية .فى وقتها عرف الجميع أنه وبالإعتماد على المكانة الإجتماعية لتساى فنج وطبقا للعادة التى انتهجتها الاسرة الحاكمة طوال اربعين عاما وهى أن تولى أقرب الأرقبون شؤون الجيش فلم يمض الكثير حتى اصبح تساى فنج وزير للحربية وقائدا عاما للجيوش الإمبراطورية ليصبح بذلك راس حربة فى الساحة السياسية .
فى عام 1908 أقيمت طقوس تقديم القرابين حيث أصدرت تزى سى أمرا بأن يظل الإمبراطور داخل القصر للعلاج ثم أمرت تساى فنج بأن ينوب عن الإمبراطور فى حضور المراسم وهذا ما جعل العديد من الناس ينظرون ال تساى فنج نظرة جديدة .
بالنسبة الى تزى سى فإن اختيار بوييى ومن قبله تدريب أبيه تساى فنج هو آخر رهان لها فى الساحة السياسية فهى لم تشك مطلقا فى نظرتها وتقديرها للأمور هذا بغض النظر من أنه لديها ثقة من أنها ستعيش مده طويلة وأن لدبها الوقت لتدرب تساى فنج وتكون بجانبه ، فبعد من أن تتأكد من أن تساى فنج اصبح مستعدا فستزيح الإمبراطور قوانج سو من على الساحة وستسلم السلطة لتساى فنج وابنه بويي ولكن الأمر لم يكن بهذه السهولة فهناك فى الأافق عاصفة قادمة ملبدة بالإمطار فمنذ صيف عام 1908 اقبلت تزى سى البالغة من العمر 74 عاما على العديد من المشاكل السياسية التى ظهرت فجاة من العدم عكرت عليها خططها فما العمل ؟ ووسط هذه الحيرة اضطرت تزى سى الى اختيار اختيارات صعبة فمصير طفل فى الثالثة من عمره ومصير أسره حكمت لمدة 300 عام حدث لها تغيير مفاجئ فى اساسها فماذا حدث ؟ تابعونا فى المحاضرة الثانية

فى المحاضرة الثانية سنتناول أهم العقبات التى واجهت تزى سى ونى كيف تغلبت عليها و ما هو السر وراء وفاة الإمبراطور قوانج سو الذى كشف بعد 100 عام من وفاته ؟ وكيف تم تنصيب بوييى ؟