الاخ المبجل عبد القادر بو ميدونة اطال الله عمر ه
ماذا تقول في النصف الاول من هذه المقالة؟؟
هل من سلوكات مشينة للاستخراب الفرنسي للجزائر للعلم كي لا ننسى العدو اللئيم الذي لا زال يمكر للجزائر؟


التهويد وطمس الهوية



"يُقدَّم للمستوطن قبعة فيها قطع ورقيّة ويُطلب منه أن يسحب رقماً يمثل هذا الرقم قطعة أرض معيّنة فتصبح ملكه فوراً، يهاجر إلى الجزائر يجد عائلة جزائرية مستقرّة على تلك الأرض فيطردها ويسكن مكانها!"

كان هذا روتيناً طبيعياً إبّان الاستعمار الفرنسي للجزائر (1830-1962)، بالإضافة إلى الإبادات الجماعية، والتعذيب، والاغتصاب، والتعدّي على حرمة المقابر والمساجد، وعلى الهوية حيث يُذكر أن الألقاب الجزائرية قبل الاستعمار الفرنسي كانت ثلاثية التركيب ولكن بعد مرور خمسين عاماً من الاستعمار أصدروا قانوناً ينصّ على استبدال ألقاب الجزائريين الثلاثية وتعويضها بألقاب لا ترتبط بالنسب لطمس الهوية الجزائرية وتفكيك نظام الأسرة والقبيلة لتسهيل الاستيلاء على الأراضي والتعامل مع الفرد كعنصر معزول، ولتغييب الهوية العربية والإسلامية من خلال تغيير الأسماء ذات الدلالة الدينية وتعويضها بهوية هجينة وبأسماء مشينة ونابية، بعضها نسبة لأعضاء الجسم، أو العاهات الجسدية، أو نسبة لأدوات الفلاحة وللحشرات والملابس ولأدوات الطهي والألوان دون أن يحكم ذلك أي منطق سوى تحطيم معنويات الجزائريين.
ومن الأمثلة الحية على تلك الألقاب السيئة التي تحملها بعض العائلات الجزائرية لقب "حمار" و"بوذيل" ولقب "مجنون" و"بومعزة، و"بومنجل"، ويذكر التاريخ قصة الجزائري "الحاج البخاري بن أحمد بن غانم" وله أربعة أولاد: محمد وعبد القادر وأحمد والحبيب، الذي خسر أرضه بعد رحيله عنها، وقام المستعمر بتغيير ألقاب أولاده فأصبحوا: "محمد عسّال"، و"عبدالقادر بووشمة"، و"أحمد البحري"، و"الحبيب ندّاه".

ذاك تاريخ، نحاول أن نتجاوزه، أو لا نذكره لكي لا نمتلئ حقداً على من عبثوا بمقدّرات أمّتنا مئات السنين – ومازالوا – لنتعامل معهم بحضاريّتنا وأخلاقنا المعهودة، ولكن يأبى الكيان الصهيوني (صناعتهم وربيبهم) إلاّ أن يعيد تلك الممارسات الهوجاء إلى ذاكرتنا بتكرارها بصور مختلفة، فمرّة يدعو إلى تهويد أكثر من ألفي اسم لبلدات ومدن ذات أسماء عربية في القدس المحتلة لمحو تلك الأسماء من ذاكرة الأجيال القادمة، هذا عدا عن المخطط الاستيطاني الذي أضاف في العام 2008 فقط أكثر من ألف وأربعمائة مستوطنة في شرق القدس، وبناء ثلاث وثلاثين ألف وخمسمائة وحدة سكنية هناك لتستوعب أكثر من مائة وسبعة عشر ألف مستوطن، وهدْم خمس وثمانين بيتاً، وإخطار مائتي وتسعة عشر بيتاً بالهدم والاستيلاء، ومصادرة عشرات الأراضي، والعربدة في الحرم القدسي الشريف باقتحامات متكرّرة من صهاينة حاقدين لتدنيس فضائه، ورغم كل ذلك فإنهم يستنكرون تسمية احتلال الأراضي الفلسطينية بـ"النكبة" لذا فقد قرّر وزير التعليم أن يحذف مصطلح "النكبة" من الكتب المدرسية، لأنه – بحسب وزير التعليم – "لا يمكن تصوّر أن نتحدّث عن إقامة الدولة اليهودية باعتبارها نكبة" .. فإن لم يكن كل هذا الإجرام يستحق أن يُطلق عليه اسم "نكبة"، فما هي التسمية المناسبة إذاً؟
ليس عبثاً غير الاستعمار الفرنسي ألقاب الجزائريين، وليس اعتباطاً تريد إسرائيل أن تهوّد الأسماء العربية في القدس، فللاسم تأثير على الشخصية لذا جاء في التراث أنّ من حق الابن على أبيه أن يحسن اسمه، وللاسم دلالة رمزية تكسب المسمّى مهابة أو مهانة، ولعلّه لهذا السبب كانت بعض الأنظمة العربية تطلق على "حزب الله" في بداية تأسيسه اسم (ما يسمّى بـ"حزب الله") لأنها كانت تستكثر عليه تلك التسمية المُعلية لشأنه، ولكن بمرور الوقت أذعن كثيرون أنّه يستحقّ مثلها، لهذا نلاحظ أنّ الاستعمار دأب على تغيير مسمّيات الأشياء لكي تعطي دلالات مختلفة عن واقع حالها فعلى سبيل المثال سمى المقاومة إرهاباً، و"الحقوق الفلسطينية" أصبحت "المطالب الفلسطينية"، و"المحتلّون" أصبحت "مستوطنين"، و"الأراضي الفلسطينية" عوضاً عن "فلسطين" وكأن هناك أرضاً غير فلسطينية، و"عرب إسرائيل"، ثم شوّهوا كلمة السلام لتعبر عن جميع أنواع الاستسلام مثل "سلام الشجعان"، و"السلام العادل والدائم"، و"مبادرة السلام"، التي يشيد بها نتنياهو، وكفى بها مذمّة.
عادة تبدأ وكالات الأنباء الأجنبية باستخدام تلك التسميات المضلّلة والمغرضة لتتبعها بعد ذلك صحفنا وفضائياتنا ومعظم المراسلين فنؤخذ على حين غرّة، ويتسلّل إلينا الخذلان، ثم نكرّر ما أُلقمنا من أسماء ومصطلحات بلا وعي إلى أن نألفها ونعتاد ما هو أسوأ منها حتى يتم تخديرنا كلّياً فيكون أقصى ردّ فعل شعبي تجاه تهويد القدس هو (الصمت المطبق) أو الاكتفاء بإصدار بيان حزبي، وأكبر دور إعلامي هو إعداد برنامج حواري أو تهويشي، أو كتابة مقال، ومع الأيام ستخمد الأنفاس كما خمد موضوع الجدار، وجرائم الحرب، والحصار، والتجويع، والموت البطيء ... وكفى الله المؤمنين القتال.
أقام الإعلام المصري الدنيا ولم يقعدها على الشاب اللبناني الذي حاول مساعدة إخوانه في فلسطين لمواجهة الحصار المضروب عليهم، وقدّمت دولة عربيّة نفطيّة شيكات مفتوحة لمنع المعارضة اللبنانية من الفوز في الانتخابات النيابية، ولكن لم نسمع للأولى حسيساً، ولم تدفع الثانية ريالاً لإنقاذ القدس من مؤامرة التهويد التي تسارعت وتيرتها في الفترة الأخيرة، بل لازالت الأولى تطمح في أن تكون طرفاً في عملية الاستسلام، والثانية تنتظر ولادة مبادرة (سلامها)، والشعوب تشكو القمع والاستبداد، وتدّعي انشغالها بمشاكلها الداخلية، كالفقر، والبطالة، والطائفية، ولا تعلم أنها قد تكون ماتت وهي لا تدري كما عبّر عن ذلك النائب البريطاني غالاوي حين قال: "أين الشعوب العربية؟ أتمنى أن لا تكون قد ماتت" .. ونحن كذلك نتمنى.



أ.رابحة الزيرة
جمعية التجديد الثقافية - مملكة البحرين